نبحث في هذا الفصل دور القيادة في إدارة الابتكار: فيمَ تفترق قيادة المجهول عن قيادة المعلوم، وما الوظائف التي ينفرد بها القائد، وكيف يوازن بين تشغيل الحاضر واستكشاف المستقبل، ولماذا يستقي الموظفون معنى الابتكار من سلوك قائدهم اليومي أكثر مما يستقونه من خطابه.
في لقائه الأول بالموظفين، دعا مدير جديد إلى «الأفكار الجريئة» ووعد بدعمها. وبعد أسابيع، عرضت موظفة فكرة لتبسيط إجراء يتكرر يوميًا، وجرّبتها على نطاق صغير مع زميلين. فكان أول سؤال وُجّه إليها في الاجتماع: «من أذن لكِ بذلك؟». لم تُرفض الفكرة، ولم تُناقش نتائجها، وانتقل الاجتماع إلى البند التالي.
لم يكرر أحد من الحاضرين التجربة بعد ذلك. فقد تعلّموا من موقف واحد درسًا عجزت كلمة الافتتاح عن محوه: أن المبادرة مخاطرة شخصية. وفي هذا يكمن جوهر ما نعالجه في هذا الفصل؛ فالقيادة في الابتكار تُقاس بما يتعلمه الناس من ردود الأفعال اليومية أكثر مما تُقاس بما يُعلن.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
تقوم الإدارة التقليدية على تحقيق أهداف معروفة بموارد وجداول وإجراءات محددة، ويُحاسَب فيها القائد على مدى الالتزام بالخطة. أما الابتكار فيتعامل مع أوضاع لا تزال فيها جوانب من المشكلة أو الحل أو التبني أو الجدوى غير معروفة. ولهذا يطلب القائد من فريق الابتكار ما يناسب طبيعة عمله: وضوح الافتراضات، وجودة التجارب، وسرعة التعلم، والانضباط في القرار، عوضًا عن الدقة التي يطلبها من مشروع تشغيلي مكتمل المتطلبات.
ويتحول السؤال القيادي تبعًا لذلك من «هل نضمن نجاح المبادرة؟» إلى «ما الذي نحتاج إلى معرفته قبل أن نزيد التزامنا؟». ودور القائد هنا أن يمنع تحويل الجهل إلى ثقة زائفة، ويوزع الاستثمار على مراحل، ويربط كل مرحلة بالدليل المناسب لها.
يبقى الابتكار مسؤولية قيادية حتى حين تتولاه إدارة متخصصة. فالمبادرة المؤسسية للابتكار تبدأ بتفويض صريح من القيادة العليا يمنحها الشرعية، وبالتزام مستمر بدعم القائمين عليها وحمايتهم حين تصطدم مبادراتهم بالوضع القائم، وهو ما يجعله المعيار الدولي لنظام إدارة الابتكار في مقدمة متطلبات القيادة (International Organization for Standardization [ISO], 2024). ويمكن إجمال دور القيادة في سبع وظائف مترابطة:
ويؤدي القائد في هذه الوظائف دور مهندس السياق أكثر من دور صاحب الفكرة الأفضل؛ فوظيفته أن يصمم سياقًا يستطيع فيه أصحاب المعارف المتنوعة اكتشاف المشكلات وبناء الحلول، وأن يضمن تحوّل الجهود إلى قرارات وقيمة. ويتجه دوره في ذلك اتجاهين: إلى الخارج، بمتابعة الواقع الخارجي وضمان ملاءمة المؤسسة على المدى البعيد، وإلى الداخل، بتهيئة القيم والثقافة والهياكل التي تجعل الابتكار ممكنًا ومستدامًا.
تحتاج المؤسسة إلى الكفاءة والموثوقية لتقديم أعمالها الحالية، وتحتاج في الوقت ذاته إلى المرونة والتجريب لاستكشاف المستقبل. وقد وصف مارش هذين النشاطين بـالاستغلال، أي تحسين ما تعرفه المؤسسة وتعميقه، والاستكشاف، أي البحث عما لا تعرفه بعد، وبيّن أن المؤسسات تميل إلى تفضيل الاستغلال لأن عائده أقرب وأوضح، فتضعف قدرتها على التجدد مع الوقت (March, 1991). ويُطلق على القدرة على الجمع بينهما البراعة التنظيمية (O'Reilly & Tushman, 2013).
وينشأ التوتر لأن النظام التشغيلي يكافئ الالتزام بالخطة، بينما يحتاج الاستكشاف إلى تعديلها. فإذا طُبّقت معايير الربحية أو الإنتاجية المعتادة على المبادرات الناشئة، اختارت المؤسسة في الغالب الأفكار القريبة من المألوف. وإذا تُرك الاستكشاف بلا ضوابط، تحوّل إلى نشاط مشتت. وتعالج المؤسسات هذا التوتر بأحد أسلوبين أو بالجمع بينهما: الفصل الهيكلي، بإنشاء وحدات أو ميزانيات مستقلة للاستكشاف ترتبط بالقيادة العليا، والبراعة السياقية، بتمكين الأفراد والفرق من توزيع وقتهم بين المنطقين ضمن العمل نفسه (O'Reilly & Tushman, 2013). والغاية في الحالين توفير بيئة مؤقتة للتعلم، ثم بناء جسر منظم إلى التشغيل.
في أعلى مراتب القيادة يعمل الناس من أجل القائد أكثر مما يعملون بحكم سلطته في التكليف: لأنه يقدّر جهدهم، ويراعي ظروفهم، ويثق بقدرتهم. ولهذه القيادة أصول معرفية تتجاوز الطبع الشخصي والمزاج، تفسر لماذا تقود إلى العمل العميق والولاء، ولماذا يحتاجها الابتكار تحديدًا.
تفترض نظرية التبادل الاجتماعي أن العلاقات في العمل تقوم، إلى جانب العقد الرسمي، على تبادل غير مكتوب للثقة والاهتمام (Blau, 1964). وحين يدرك الموظف أن مؤسسته وقائده يقدّرون إسهامه ويهتمون بحاله، ينشأ لديه شعور بالالتزام برد الجميل، يظهر في ارتباط أقوى بالمؤسسة، وجهد أكبر، واستعداد لعمل ما يتجاوز المطلوب. وقد أكدت مراجعة واسعة لأبحاث الدعم التنظيمي المُدرَك هذه العلاقة (Rhoades & Eisenberger, 2002). والابتكار في جوهره عمل يتجاوز المطلوب؛ فلا أحد يُلزَم بكشف مشكلة أو اقتراح بديل أو المخاطرة بتجربة.
تبيّن نظرية تقرير المصير أن الدافعية الذاتية تنمو حين تُشبَع ثلاث حاجات نفسية أساسية: الاستقلالية، أي الشعور بأن الفرد يختار ما يفعله، والكفاءة، أي الشعور بالقدرة والتقدم، والانتماء، أي الشعور بالتقدير والصلة بالآخرين (Gagné & Deci, 2005). والقائد المتعاطف يُشبع هذه الحاجات حين يثق بفريقه فيمنحه مساحة، ويعترف بتقدمه، ويعامل أفراده بوصفهم شركاء في العمل. وتتصل هذه النظرية بما سبق في هذا الكتاب؛ فالدافعية الداخلية هي الأساس الذي يقف عليه الإبداع (Amabile, 1996).
والاستقلالية المقصودة هنا استقلالية معرفية في طريقة التفكير والحل، تبقى موصولة بغايات المؤسسة. فالقائد يرسم بوضوح ماذا ولماذا: المشكلة المراد حلها، وحاجات المنظومة التي يخدمها الحل، والقيود التي لا يجوز تجاوزها، ثم يترك للفريق كيف. وقد عبّرت أمابيل عن ذلك بأن الناس يكونون أكثر إبداعًا حين يُمنحون حرية اختيار الطريق إلى قمة الجبل، ولا يلزم أن يختاروا الجبل نفسه (Amabile, 1998). وبهذا تتسق الاستقلالية مع منطلق الكتاب في أن الابتكار يبدأ من مشكلة ذات أولوية.
يتضمن نمط القيادة التحويلية بُعدًا يُسمى «الاعتبار الفردي»، أي مراعاة حاجات كل فرد ودعم نموه، وقد أظهر تحليل بعدي لنتائج الدراسات علاقة إيجابية بين هذا النمط وإبداع العاملين (Koh et al., 2019). ويذهب نمط القيادة الخادمة أبعد من ذلك، إذ يجعل خدمة الأتباع وتلبية حاجات كل منهم ونموه غاية في ذاتها، لا وسيلة لرفع الأداء فقط (Eva et al., 2019). وقد بيّن تحليل بعدي شمل ١٣٠ دراسة أن لهذا النمط قدرة تفسيرية تتجاوز القيادة التحويلية، وأن أثره يمر عبر الثقة بالقائد، والإحساس بالعدالة، وجودة العلاقة بين القائد والموظف (Lee et al., 2020).
وتتجلى هذه الأصول في تفاصيل يومية صغيرة. وقد حللت أمابيل وزملاؤها نحو اثني عشر ألف تدوينة يومية كتبها ٢٣٨ فردًا في ٢٦ فريقًا بسبع شركات، فوجدوا أن تصرفات القائد اليومية الصغيرة، كالإصغاء والتقدير وتقديم الدعم أو حجبه، تؤثر في شعور الأفراد بالدعم وفي إبداعهم، وأن ردود أفعالهم تجاه التصرفات السلبية كانت أقوى من ردود أفعالهم تجاه الإيجابية (Amabile et al., 2004). كما بيّن ديتيرت وبوريس أن انفتاح المدير على المقترحات يرتبط بتعبير الموظفين عن أفكارهم ومخاوفهم، وأن ذلك يمر عبر شعورهم بالأمان (Detert & Burris, 2007).
ومن هنا يتضح أن الموظفين يستنتجون ثقافة الابتكار من طريقة تعامل قائدهم مع أول فكرة غير مألوفة، وأول تجربة لم تنجح، وأول شخص خالف الرأي السائد. ونعود إلى هذه العلاقة بين الفرد وبيئته بتفصيل أوفى في الفصلين السابع والثامن.
التعاطف لا يعني خفض المعايير أو تجنب المساءلة. فالبيئة الأقدر على الابتكار تجمع بين الاهتمام الصادق بالإنسان والتوقعات العالية منه، كما يبيّن الفصل الثامن في حديثه عن الأمان النفسي. والولاء المقصود هنا التزام بالغاية والفريق يتسع للرأي المخالف.
قليل من القادة يعلنون رفض الابتكار، لكن المؤسسة قد تقمعه بممارسات تبدو منطقية كل منها على حدة. ومن أكثرها شيوعًا:
والخطر الأكبر في الرسالة التي يتعلمها الآخرون من رفض فكرة واحدة. فحين يدرك الموظف أن كشف المشكلات يزيد عبئه، وأن الأفكار تختفي دون رد، يتعلم الصمت. وتبيّن أدبيات صوت الموظف أن امتناع الأفراد عن طرح مقترحاتهم ومخاوفهم يحرم المؤسسة من معلومات قد تكون حاسمة (Morrison, 2014).
للراعي القيادي دور فعلي يتجاوز إدراج اسمه في وثيقة المبادرة؛ فوظيفته أن يربطها بالاستراتيجية، ويوفر لها الشرعية والوصول، ويتدخل عند تعارض مصالح الإدارات، ويضمن وجود جهة مستعدة لتبنيها. ومن مهامه كذلك احتضان الأفكار التي لا تنتمي إلى إدارة بعينها في الهيكل القائم، مع أنها قد تكون أساس قيمة مستقبلية. وقد بيّنت الدراسات أن الابتكارات تحتاج في الغالب إلى من يتبناها ويدافع عنها في وجه المقاومة، وأن هذا الدور يتجاوز السلطة الرسمية إلى الإقناع وبناء التحالفات (Howell & Higgins, 1990).
الرعاية الجيدة تحمي الفريق كي يتعلم، ولا تحمي الفكرة من الاختبار. فإذا أظهرت الأدلة ضعف الحاجة أو صعوبة التبني، فمن مسؤولية الراعي أن يدعم التعديل أو الإيقاف.
تختلف طبيعة القرار باختلاف مرحلة المبادرة، ومن ثم يتدرج ما يطلبه القائد من معلومات بتدرج المراحل. فدراسة الجدوى التفصيلية في بداية فكرة شديدة الجدة قد تنتج أرقامًا تبدو دقيقة، وهي مبنية على افتراضات ضعيفة. والأنسب أن تتطور دقة القرار مع تطور الأدلة.
| المرحلة | سؤال القائد | الدليل الكافي |
|---|---|---|
| الفرصة | هل تتسق مع أولوياتنا، وتستحق الاستكشاف؟ | وصف واضح للحاجة، ومؤشرات أولية على أهميتها |
| التطوير | هل فهمنا المشكلة، وما الذي تعلمناه؟ | افتراضات معلنة، ونتائج تجارب صغيرة |
| التجربة الميدانية | هل المخاطر الأخلاقية والتشغيلية والنظامية مقبولة؟ | خطة تجربة بحدود واضحة وشروط إيقاف |
| التوسع | هل سيستمر الحل ويحافظ على قيمته عند الحجم الأكبر؟ | دليل على التبني، وتكلفة فعلية، وجهة تشغيل مستعدة |
ومن أكثر صور القرار القيادي إضرارًا بالابتكار ألّا يُتخذ قرار أصلًا. فالفكرة التي لا تُقبل ولا تُرفض، وتبقى معلقة بين الاجتماعات، تموت دون أن يتعلم منها أحد، ويتعلم صاحبها ألّا يكرر المحاولة. وعدم اتخاذ القرار هو في حقيقته قرار، غير أنه قرار يُعفي صاحبه من المسؤولية ويُهدر فرصة التعلم. ونعرض في الفصل العاشر آليات الحوكمة التي تحول دون بقاء المبادرات في هذه المنطقة.
أجب عن البنود التالية بصدق عن آخر ثلاثة أشهر، ثم اطلب من فريقك أن يجيبوا عنها في تقييمك دون ذكر أسمائهم، وقارن بين الإجابات. فالفجوة بين تقديرك لنفسك وتقدير فريقك لك هي أهم ما تكشفه هذه الأداة.