د. عمر عبدالله الصمعاني/المكتبة المفتوحة/إدارة الابتكار Englishتحميل الفصل PDF
الفصل الرابع

استراتيجية الابتكار والاستشراف

نقف في هذا الفصل عند استراتيجية الابتكار بوصفها منظومة من الاختيارات تحدد أين تبحث المؤسسة عن القيمة، وبأي قدر من الطموح، وبأي وسائل. ونبيّن كيف ترسم الاستراتيجية «ماذا ولماذا» وتُوكل «كيف» إلى الناس، وكيف يمدّها الاستشراف بقراءة منهجية للمستقبل.

مدخل

حالة افتتاحية: خطة استراتيجية (حالة مركّبة)

تضمنت الخطة الاستراتيجية لإحدى الجهات هدفًا نصه: «أن نكون جهة مبتكرة ورائدة». وبعد عام، تلقت منصة الأفكار ما يزيد على ثلاثمئة مقترح في عشرات الاتجاهات، من تحسين مواقف السيارات إلى إنشاء تطبيقات جديدة. ولم تستطع لجنة التقييم المفاضلة بينها، لأن أحدًا لم يكن يعرف أيها أهم للجهة، فاختارت أكثرها جاذبية في العرض، ولم يُنفَّذ منها إلا القليل.

وفرت الأفكار وتحمّس أصحابها، غير أن الخلل كمن في غياب الاختيار. فعبارة «أن نكون مبتكرين» أمنية لم ترتقِ إلى مرتبة الاستراتيجية؛ إذ تخلو من تحديد المواضع التي ينبغي أن يبحث فيها الناس، وما ستُعرض الجهة عن الاستثمار فيه، والمعايير التي يُحكم بها على الأفكار. ومن هذه الأسئلة ننطلق إلى الاستراتيجية التي تجيب عنها.

أهداف الفصل

يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:

  1. تعريف استراتيجية الابتكار بوصفها مجموعة اختيارات مترابطة.
  2. اشتقاق ساحات البحث وأسئلة التحدي من أهداف المؤسسة.
  3. تحديد مكونات استراتيجية الابتكار وصياغتها في صفحة واحدة.
  4. الموازنة بين الآفاق الزمنية للابتكار وفق طبيعة المؤسسة.
  5. توظيف الاستشراف في بناء الاستراتيجية ومراجعتها.

٤-١ما استراتيجية الابتكار؟

استراتيجية الابتكار مجموعة اختيارات مترابطة تحدد لماذا تحتاج المؤسسة إلى الابتكار، وأين ستبحث عن القيمة، وبأي مستوى من الطموح، وبأي وسائل، وكيف ستوزع مواردها. وقد لاحظ بيسانو أن كثيرًا من المؤسسات تستثمر في الابتكار دون استراتيجية واضحة، فتتراكم لديها مبادرات متفرقة يصعب الحكم عليها أو الموازنة بينها، وأن الاستراتيجية تُعرف بما تلتزم به من اختيارات، وبما تستبعده أيضًا (Pisano, 2015).

ويتضح من ذلك أن الاستراتيجية ليست قائمة رغبات، ولا عبارة عامة، ولا جدولًا بجميع المبادرات المقترحة. ويمكن اختصار جوهرها في سؤالين تستخدمهما أدبيات الاستراتيجية عمومًا: أين نعمل، وكيف ننجح (Lafley & Martin, 2013). وفي الابتكار يعني الأول الساحات التي تبحث فيها المؤسسة عن قيمة جديدة، ويعني الثاني الوسائل التي ستصل بها إليها: البناء الداخلي، أو الشراكة، أو الاستحواذ على قدرة جاهزة (Capron & Mitchell, 2012).

٤-٢من استراتيجية المؤسسة إلى ساحات البحث

تنبثق استراتيجية الابتكار من سياق المؤسسة نفسها؛ فهي تنطلق من غاياتها الكبرى، والتحديات التي تعيقها، والتحولات التي قد تمس قدرتها على أداء رسالتها. ومن الخطأ نسخ موضوعات ابتكار رائجة منفصلة عن هذه الغايات.

وتتحول الغايات العامة إلى ساحات بحث، وهي مجالات فرص محددة توجّه الاستكشاف، ثم إلى أسئلة تحدٍّ يستطيع الموظفون والشركاء الإسهام فيها. فبدل دعوة الجميع إلى اقتراح أي فكرة، يُوجَّه الاستكشاف إلى أسئلة مثل: كيف نجعل الوصول إلى الخدمة أبسط لفئة لا تصلها القنوات الحالية؟ كيف نقلل الزمن الضائع بين وحدتين؟ وتحدد هذه الأسئلة ماذا ولماذا، وتترك الحل مفتوحًا.

غاية المؤسسةتحسين جودة الحياة للمستفيدينمن الخطة الاستراتيجية للمؤسسة
↓
ساحة البحثالوصول إلى الخدمات لكبار السنمجال فرص ذو أولوية
↓
سؤال التحديكيف نُمكّن كبير السن من إنجاز خدمته دون الحاجة إلى الحضور أو إلى مساعدة دائمة؟يحدد المشكلة ولا يفرض الحل
↓
ما تحدده الاستراتيجيةالمشكلة، والفئة، وحدود التجربة، ومعايير القيمة
ما يبقى للناسطريقة الحل: إجراء، أو قناة، أو شراكة، أو تقنية
شكل ٤-١ من غاية المؤسسة إلى سؤال التحدي: الاستراتيجية تحدد «ماذا ولماذا» وتترك «كيف». (مثال توضيحي)

وبهذا تتسق الاستراتيجية مع ما عرضه الفصل الثالث عن الاستقلالية المعرفية ضمن حدود؛ فساحات البحث وأسئلة التحدي هي الحدود الواضحة التي تمنح الناس حرية التفكير داخلها، وتجعل إسهاماتهم قابلة للمقارنة والتقييم.

٤-٣مكونات الاستراتيجية

تتضمن استراتيجية الابتكار الجيدة ستة مكونات، يجيب كل منها عن سؤال محدد:

جدول ٤-١ مكونات استراتيجية الابتكار
المكوّنالسؤال الذي يجيب عنهمثال على الصياغة
المسوّغلماذا نحتاج إلى الابتكار الآن؟تزايد الطلب مع ثبات الموارد
النتائج المستهدفةما القيمة التي نريد تحقيقها؟خفض زمن الحصول على الخدمة إلى النصف
ساحات البحثأين نبحث، وأين لن نبحث الآن؟ثلاث ساحات ذات أولوية، واستبعاد صريح لما سواها
مستوى الطموحكيف نوزع جهدنا بين القريب والبعيد؟غالبية الجهد للتحسين، وجزء محدد للرهانات المستقبلية
وسائل الإنجازكيف سنصل؟تطوير داخلي، وشراكات مع جامعات وشركات ناشئة
المبادئ والحدودما المخاطر المقبولة، وما الذي لا يجوز التضحية به؟لا تجربة تمس سلامة البيانات الشخصية

ويحتاج كل مكوّن إلى قدرات تدعمه، من بيانات وخبرات وتمويل وحوكمة، وهي موضوع الفصول التالية من هذا الجزء.

٤-٤مستوى الطموح وتوازن الآفاق

يقدم تقسيم المبادرات إلى ثلاثة آفاق زمنية لغة مفيدة للموازنة بين الحاضر والمستقبل (Baghai et al., 1999).

الأفق الأولتحسين القائم
المقصد
تعظيم القيمة من الخدمات والقدرات الحالية
عدم اليقين
منخفض
معيار النجاح
الكفاءة والجودة والرضا
الأفق الثانيالتوسع المجاور
المقصد
نقل قدرات قائمة إلى فئات أو مجالات جديدة
عدم اليقين
متوسط
معيار النجاح
التبني في الفئة الجديدة ونمو القيمة
الأفق الثالثبناء المستقبل
المقصد
إنشاء أسس جديدة للقيمة قد تعيد تعريف عمل المؤسسة
عدم اليقين
مرتفع
معيار النجاح
جودة التعلم أولًا، ثم القيمة
شكل ٤-٢ آفاق الابتكار الثلاثة. المصدر: بتصرف عن Baghai et al. (1999).

وتُفهم الآفاق إطارًا مرنًا للتفكير، وتُفهم نسب التوزيع الشائعة، كنسبة ٧٠/٢٠/١٠، تقديرات استرشادية؛ فالتوزيع يعتمد على القطاع وسرعة التغير ونضج المؤسسة ومستوى المخاطر المقبول. وقيمة النموذج الأساسية أنه يجعل الاستثمار في المستقبل ظاهرًا ومقصودًا، ويمنع هيمنة الأفق الأول لأنه الأسهل في التنبؤ والقياس.

وفي الجهات العامة، تقترح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية النظر إلى المحفظة من خلال أربعة مقاصد: ابتكار تحسيني يرفع أداء القائم، وابتكار موجّه بمهمة يحشد الجهود نحو نتيجة كبرى محددة، وابتكار تكيفي يستجيب لتغيرات ناشئة، وابتكار استباقي يستكشف قضايا مستقبلية لم تتضح بعد (OECD, 2022). وتصلح الأولويات الوطنية للبحث والتطوير والابتكار التي عرضها الفصل الثاني مثالًا على الابتكار الموجّه بمهمة.

٤-٥الموجَّه والصاعد

الابتكار الموجَّه من القيادة يحدد تحديات ذات أولوية ويحشد الموارد حولها، وميزته الوضوح والارتباط بالاستراتيجية، وخطره أن يفترض القادة فهمًا كاملًا للواقع فيغلقوا مساحة الاكتشاف. والابتكار الصاعد من الموظفين يستفيد من المعرفة القريبة من العمل والمستفيدين، وخطره أن ينتج أفكارًا محلية كثيرة غير مرتبطة بالأولويات، كما في الحالة الافتتاحية.

والمنهج المتوازن يجمع بينهما: تحدد الاستراتيجية ساحات البحث والحدود من الأعلى، ويملأ الموظفون والمستفيدون والشركاء هذه الساحات بالفرص والحلول من الأسفل. وهذا الجمع هو التطبيق المؤسسي لمبدأ «ماذا ولماذا من القيادة، وكيف من الناس»؛ فيبقى الابتكار الصاعد منضبطًا بالأولويات، ويبقى التوجيه القيادي مفتوحًا على حلول لم تُرسم سلفًا. كما أن وضوح الساحات يمنح المشاركين معنى لإسهامهم، إذ يعرفون إلى أي غاية يصب جهدهم.

٤-٦الاستشراف

تُبنى الاستراتيجية على افتراضات عن المستقبل، وكثيرًا ما تكون هذه الافتراضات ضمنية: أن المستفيدين سيستمرون في السلوك نفسه، وأن الأنظمة لن تتغير، وأن التقنية المتاحة ستبقى كما هي. والاستشراف هو الجهد المنظم لجعل هذه الافتراضات صريحة واختبارها أمام بدائل محتملة.

وقد نبّه أنسوف مبكرًا إلى أن المفاجآت الاستراتيجية تسبقها في الغالب إشارات ضعيفة، أي معلومات أولية غامضة عن تغير قادم، وأن المؤسسة التي تتعلم رصدها تكسب وقتًا للاستعداد قبل أن تتضح الصورة للجميع (Ansoff, 1975). ومن أدوات الاستشراف الأوسع استخدامًا تخطيط السيناريوهات، الذي يرسم عدة مستقبلات معقولة ومختلفة بدل التنبؤ بمستقبل واحد، ليختبر قرارات المؤسسة أمامها جميعًا (Schoemaker, 1995).

الإشاراترصد منتظم لمعلومات أولية عن تغير محتمل في المستفيدين أو التقنية أو الأنظمة.
الاتجاهاتتجميع الإشارات المتقاربة في اتجاهات وتقدير سرعتها وأثرها.
السيناريوهاترسم عدة مستقبلات معقولة بحسب أهم عوامل عدم اليقين.
الخياراتما الذي نفعله الآن في كل الأحوال، وما الذي نستكشفه، وما الذي نراقبه؟
شكل ٤-٣ من الإشارة إلى الخيار: كيف يغذي الاستشراف استراتيجية الابتكار.

وتُقاس قيمة الاستشراف بما يغيّره في القرار. فالمخرج المطلوب منه أسئلة تحدٍّ جديدة، أو تعديل في ساحات البحث، أو مبادرات استكشافية في الأفق الثالث. وهنا يتصل الاستشراف بمصفوفة رصد الواقع الخارجي التي قدمها الفصل الثاني، فهي أداته للرصد المنتظم، وتخطيط السيناريوهات أداته الدورية.

٤-٧الاستراتيجية وثيقة حية

تتغير الافتراضات والأسواق والتقنيات والتشريعات، ولذلك تُراجَع استراتيجية الابتكار دوريًا، وعند ظهور إشارة قوية تغيّر فهم المؤسسة لواقعها. وغاية المراجعة التحقق من أن ساحات البحث ما زالت الأهم، وأن الموارد لا تتركز كلها في الأفق الأول، وأن التجارب لم تكشف خطأ في افتراض استراتيجي.

وتؤدي الاستراتيجية وظيفتها حين تتجاوز من كتبها إلى من ينفذها. فينبغي أن تُترجم إلى أسئلة تحدٍّ واضحة، ومعايير تقييم معلنة، وأولويات تمويل، ورسائل تشرح لماذا اختيرت هذه الساحات، وأن يعرف كل قطاع أو وحدة دوره فيها: اكتشاف الفرص، أو تقديم الخبرة، أو تشغيل التجارب، أو تبني الحلول.

تطبيق مهني

اكتب أسماء خمس مبادرات ابتكارية تعمل عليها مؤسستك الآن، واسأل عن كل منها: أي ساحة بحث في الاستراتيجية تخدم؟ وأي سؤال تحدٍّ تجيب عنه؟ فإن وجدت مبادرات لا تخدم أي ساحة، فإما أن الاستراتيجية تغفل أولوية حقيقية تحتاج إلى إضافتها، وإما أن المبادرة تستهلك موارد خارج الاتجاه.

أداة الفصل: استراتيجية الابتكار في صفحة واحدة

صُغ استراتيجية الابتكار لمؤسستك في هذه الصفحة الواحدة، ثم ناقشها وانشرها. فإذا تعذّر عليك ملء خانة منها بوضوح، فهناك قرار لم يُتخذ بعد.

لوحة استراتيجية الابتكارتُراجع مرة في السنة على الأقل
١. المسوّغلماذا نحتاج إلى الابتكار الآن؟ ما التغير أو التحدي أو الطموح؟
٢. النتائج المستهدفةما القيمة التي نريدها خلال ثلاث سنوات، وكيف سنعرف أننا حققناها؟
٣. ساحات البحثثلاث إلى خمس ساحات ذات أولوية، ولكل منها سؤال تحدٍّ.
٤. ما لن نفعله الآنساحات أو أنواع مبادرات مستبعدة صراحة.
٥. مستوى الطموحالنسبة التقريبية للجهد في كل أفق، وسبب هذا التوزيع.
٦. وسائل الإنجازتطوير داخلي، وشراكات، وغيرها، ومن يقود كلًّا منها.
٧. المبادئ والحدودالمخاطر المقبولة، والضوابط الأخلاقية والنظامية، وما لا يجوز التضحية به.
٨. الافتراضات الاستراتيجية ومحفزات المراجعةما الذي نفترضه عن المستقبل؟ وما الإشارة التي إن ظهرت راجعنا الاستراتيجية؟

خلاصة الفصل

مصطلحات الفصل

استراتيجية الابتكارInnovation strategy
مجموعة اختيارات مترابطة تحدد لماذا تبتكر المؤسسة، وأين، وبأي طموح، وبأي وسائل.
ساحة البحثSearch field / Innovation arena
مجال فرص ذو أولوية يوجّه جهود الاستكشاف.
سؤال التحديChallenge question
صياغة لمشكلة ذات أولوية تحدد المطلوب ولا تفرض الحل.
آفاق الابتكارThree horizons
تقسيم المبادرات بحسب بُعدها عن الأعمال القائمة ودرجة عدم اليقين فيها.
الابتكار الموجّه بمهمةMission-oriented innovation
حشد الجهود والموارد نحو نتيجة كبرى محددة.
الإشارات الضعيفةWeak signals
معلومات أولية غامضة عن تغير قادم.
تخطيط السيناريوهاتScenario planning
رسم عدة مستقبلات معقولة لاختبار القرارات أمامها.

أسئلة للمراجعة والمناقشة

  1. لماذا لا تُعد عبارة «أن نكون مؤسسة مبتكرة» استراتيجية؟ أعد صياغتها بما يحقق شروط الاستراتيجية. تطبيق
  2. اشتق من إحدى غايات مؤسستك ساحة بحث وسؤال تحدٍّ يحدد المشكلة ولا يفرض الحل. تطبيق
  3. كيف يتوزع جهد مؤسستك الحالي على الآفاق الثلاثة؟ وهل يتسق هذا التوزيع مع ما تواجهه من تغيرات؟ تحليل
  4. ما العلاقة بين ساحات البحث ومبدأ الاستقلالية المعرفية ضمن حدود الذي عرضه الفصل الثالث؟ تحليل
  5. اختر إشارة ضعيفة في قطاعك، وابنِ حولها سيناريوهين مختلفين، ثم حدد خيارًا يصلح في الحالتين. تقويم

مراجع الفصل

  1. Ansoff, H. I. (1975). Managing strategic surprise by response to weak signals. California Management Review, 18(2), 21–33. https://doi.org/10.2307/41164635
  2. Baghai, M., Coley, S., & White, D. (1999). The alchemy of growth: Practical insights for building the enduring enterprise. Perseus Books.
  3. Capron, L., & Mitchell, W. (2012). Build, borrow, or buy: Solving the growth dilemma. Harvard Business Review Press.
  4. Lafley, A. G., & Martin, R. L. (2013). Playing to win: How strategy really works. Harvard Business Review Press.
  5. OECD. (2022). Tackling policy challenges through public sector innovation: A strategic portfolio approach. https://doi.org/10.1787/052b06b7-en
  6. Pisano, G. P. (2015). You need an innovation strategy. Harvard Business Review, 93(6), 44–54.
  7. Schoemaker, P. J. H. (1995). Scenario planning: A tool for strategic thinking. Sloan Management Review, 36(2), 25–40.