نقف في هذا الفصل عند استراتيجية الابتكار بوصفها منظومة من الاختيارات تحدد أين تبحث المؤسسة عن القيمة، وبأي قدر من الطموح، وبأي وسائل. ونبيّن كيف ترسم الاستراتيجية «ماذا ولماذا» وتُوكل «كيف» إلى الناس، وكيف يمدّها الاستشراف بقراءة منهجية للمستقبل.
تضمنت الخطة الاستراتيجية لإحدى الجهات هدفًا نصه: «أن نكون جهة مبتكرة ورائدة». وبعد عام، تلقت منصة الأفكار ما يزيد على ثلاثمئة مقترح في عشرات الاتجاهات، من تحسين مواقف السيارات إلى إنشاء تطبيقات جديدة. ولم تستطع لجنة التقييم المفاضلة بينها، لأن أحدًا لم يكن يعرف أيها أهم للجهة، فاختارت أكثرها جاذبية في العرض، ولم يُنفَّذ منها إلا القليل.
وفرت الأفكار وتحمّس أصحابها، غير أن الخلل كمن في غياب الاختيار. فعبارة «أن نكون مبتكرين» أمنية لم ترتقِ إلى مرتبة الاستراتيجية؛ إذ تخلو من تحديد المواضع التي ينبغي أن يبحث فيها الناس، وما ستُعرض الجهة عن الاستثمار فيه، والمعايير التي يُحكم بها على الأفكار. ومن هذه الأسئلة ننطلق إلى الاستراتيجية التي تجيب عنها.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
استراتيجية الابتكار مجموعة اختيارات مترابطة تحدد لماذا تحتاج المؤسسة إلى الابتكار، وأين ستبحث عن القيمة، وبأي مستوى من الطموح، وبأي وسائل، وكيف ستوزع مواردها. وقد لاحظ بيسانو أن كثيرًا من المؤسسات تستثمر في الابتكار دون استراتيجية واضحة، فتتراكم لديها مبادرات متفرقة يصعب الحكم عليها أو الموازنة بينها، وأن الاستراتيجية تُعرف بما تلتزم به من اختيارات، وبما تستبعده أيضًا (Pisano, 2015).
ويتضح من ذلك أن الاستراتيجية ليست قائمة رغبات، ولا عبارة عامة، ولا جدولًا بجميع المبادرات المقترحة. ويمكن اختصار جوهرها في سؤالين تستخدمهما أدبيات الاستراتيجية عمومًا: أين نعمل، وكيف ننجح (Lafley & Martin, 2013). وفي الابتكار يعني الأول الساحات التي تبحث فيها المؤسسة عن قيمة جديدة، ويعني الثاني الوسائل التي ستصل بها إليها: البناء الداخلي، أو الشراكة، أو الاستحواذ على قدرة جاهزة (Capron & Mitchell, 2012).
تنبثق استراتيجية الابتكار من سياق المؤسسة نفسها؛ فهي تنطلق من غاياتها الكبرى، والتحديات التي تعيقها، والتحولات التي قد تمس قدرتها على أداء رسالتها. ومن الخطأ نسخ موضوعات ابتكار رائجة منفصلة عن هذه الغايات.
وتتحول الغايات العامة إلى ساحات بحث، وهي مجالات فرص محددة توجّه الاستكشاف، ثم إلى أسئلة تحدٍّ يستطيع الموظفون والشركاء الإسهام فيها. فبدل دعوة الجميع إلى اقتراح أي فكرة، يُوجَّه الاستكشاف إلى أسئلة مثل: كيف نجعل الوصول إلى الخدمة أبسط لفئة لا تصلها القنوات الحالية؟ كيف نقلل الزمن الضائع بين وحدتين؟ وتحدد هذه الأسئلة ماذا ولماذا، وتترك الحل مفتوحًا.
وبهذا تتسق الاستراتيجية مع ما عرضه الفصل الثالث عن الاستقلالية المعرفية ضمن حدود؛ فساحات البحث وأسئلة التحدي هي الحدود الواضحة التي تمنح الناس حرية التفكير داخلها، وتجعل إسهاماتهم قابلة للمقارنة والتقييم.
تتضمن استراتيجية الابتكار الجيدة ستة مكونات، يجيب كل منها عن سؤال محدد:
| المكوّن | السؤال الذي يجيب عنه | مثال على الصياغة |
|---|---|---|
| المسوّغ | لماذا نحتاج إلى الابتكار الآن؟ | تزايد الطلب مع ثبات الموارد |
| النتائج المستهدفة | ما القيمة التي نريد تحقيقها؟ | خفض زمن الحصول على الخدمة إلى النصف |
| ساحات البحث | أين نبحث، وأين لن نبحث الآن؟ | ثلاث ساحات ذات أولوية، واستبعاد صريح لما سواها |
| مستوى الطموح | كيف نوزع جهدنا بين القريب والبعيد؟ | غالبية الجهد للتحسين، وجزء محدد للرهانات المستقبلية |
| وسائل الإنجاز | كيف سنصل؟ | تطوير داخلي، وشراكات مع جامعات وشركات ناشئة |
| المبادئ والحدود | ما المخاطر المقبولة، وما الذي لا يجوز التضحية به؟ | لا تجربة تمس سلامة البيانات الشخصية |
ويحتاج كل مكوّن إلى قدرات تدعمه، من بيانات وخبرات وتمويل وحوكمة، وهي موضوع الفصول التالية من هذا الجزء.
يقدم تقسيم المبادرات إلى ثلاثة آفاق زمنية لغة مفيدة للموازنة بين الحاضر والمستقبل (Baghai et al., 1999).
وتُفهم الآفاق إطارًا مرنًا للتفكير، وتُفهم نسب التوزيع الشائعة، كنسبة ٧٠/٢٠/١٠، تقديرات استرشادية؛ فالتوزيع يعتمد على القطاع وسرعة التغير ونضج المؤسسة ومستوى المخاطر المقبول. وقيمة النموذج الأساسية أنه يجعل الاستثمار في المستقبل ظاهرًا ومقصودًا، ويمنع هيمنة الأفق الأول لأنه الأسهل في التنبؤ والقياس.
وفي الجهات العامة، تقترح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية النظر إلى المحفظة من خلال أربعة مقاصد: ابتكار تحسيني يرفع أداء القائم، وابتكار موجّه بمهمة يحشد الجهود نحو نتيجة كبرى محددة، وابتكار تكيفي يستجيب لتغيرات ناشئة، وابتكار استباقي يستكشف قضايا مستقبلية لم تتضح بعد (OECD, 2022). وتصلح الأولويات الوطنية للبحث والتطوير والابتكار التي عرضها الفصل الثاني مثالًا على الابتكار الموجّه بمهمة.
الابتكار الموجَّه من القيادة يحدد تحديات ذات أولوية ويحشد الموارد حولها، وميزته الوضوح والارتباط بالاستراتيجية، وخطره أن يفترض القادة فهمًا كاملًا للواقع فيغلقوا مساحة الاكتشاف. والابتكار الصاعد من الموظفين يستفيد من المعرفة القريبة من العمل والمستفيدين، وخطره أن ينتج أفكارًا محلية كثيرة غير مرتبطة بالأولويات، كما في الحالة الافتتاحية.
والمنهج المتوازن يجمع بينهما: تحدد الاستراتيجية ساحات البحث والحدود من الأعلى، ويملأ الموظفون والمستفيدون والشركاء هذه الساحات بالفرص والحلول من الأسفل. وهذا الجمع هو التطبيق المؤسسي لمبدأ «ماذا ولماذا من القيادة، وكيف من الناس»؛ فيبقى الابتكار الصاعد منضبطًا بالأولويات، ويبقى التوجيه القيادي مفتوحًا على حلول لم تُرسم سلفًا. كما أن وضوح الساحات يمنح المشاركين معنى لإسهامهم، إذ يعرفون إلى أي غاية يصب جهدهم.
تُبنى الاستراتيجية على افتراضات عن المستقبل، وكثيرًا ما تكون هذه الافتراضات ضمنية: أن المستفيدين سيستمرون في السلوك نفسه، وأن الأنظمة لن تتغير، وأن التقنية المتاحة ستبقى كما هي. والاستشراف هو الجهد المنظم لجعل هذه الافتراضات صريحة واختبارها أمام بدائل محتملة.
وقد نبّه أنسوف مبكرًا إلى أن المفاجآت الاستراتيجية تسبقها في الغالب إشارات ضعيفة، أي معلومات أولية غامضة عن تغير قادم، وأن المؤسسة التي تتعلم رصدها تكسب وقتًا للاستعداد قبل أن تتضح الصورة للجميع (Ansoff, 1975). ومن أدوات الاستشراف الأوسع استخدامًا تخطيط السيناريوهات، الذي يرسم عدة مستقبلات معقولة ومختلفة بدل التنبؤ بمستقبل واحد، ليختبر قرارات المؤسسة أمامها جميعًا (Schoemaker, 1995).
وتُقاس قيمة الاستشراف بما يغيّره في القرار. فالمخرج المطلوب منه أسئلة تحدٍّ جديدة، أو تعديل في ساحات البحث، أو مبادرات استكشافية في الأفق الثالث. وهنا يتصل الاستشراف بمصفوفة رصد الواقع الخارجي التي قدمها الفصل الثاني، فهي أداته للرصد المنتظم، وتخطيط السيناريوهات أداته الدورية.
تتغير الافتراضات والأسواق والتقنيات والتشريعات، ولذلك تُراجَع استراتيجية الابتكار دوريًا، وعند ظهور إشارة قوية تغيّر فهم المؤسسة لواقعها. وغاية المراجعة التحقق من أن ساحات البحث ما زالت الأهم، وأن الموارد لا تتركز كلها في الأفق الأول، وأن التجارب لم تكشف خطأ في افتراض استراتيجي.
وتؤدي الاستراتيجية وظيفتها حين تتجاوز من كتبها إلى من ينفذها. فينبغي أن تُترجم إلى أسئلة تحدٍّ واضحة، ومعايير تقييم معلنة، وأولويات تمويل، ورسائل تشرح لماذا اختيرت هذه الساحات، وأن يعرف كل قطاع أو وحدة دوره فيها: اكتشاف الفرص، أو تقديم الخبرة، أو تشغيل التجارب، أو تبني الحلول.
اكتب أسماء خمس مبادرات ابتكارية تعمل عليها مؤسستك الآن، واسأل عن كل منها: أي ساحة بحث في الاستراتيجية تخدم؟ وأي سؤال تحدٍّ تجيب عنه؟ فإن وجدت مبادرات لا تخدم أي ساحة، فإما أن الاستراتيجية تغفل أولوية حقيقية تحتاج إلى إضافتها، وإما أن المبادرة تستهلك موارد خارج الاتجاه.
صُغ استراتيجية الابتكار لمؤسستك في هذه الصفحة الواحدة، ثم ناقشها وانشرها. فإذا تعذّر عليك ملء خانة منها بوضوح، فهناك قرار لم يُتخذ بعد.