نلمّ في هذا الفصل شتات أفكار الكتاب في ميدان تطبيقي واحد هو الجامعة، وننتصر لأطروحة محددة: أن منظومة الابتكار الجامعي تُبنى من الداخل، انطلاقًا من مقومات الجامعة وحاجاتها وخصوصيتها. ثم نتتبّع ما تقتضيه هذه الأطروحة في استراتيجية مفهومة ومشتركة، وتكامل المنظومات المتوازية داخل الجامعة، والبيئة اليومية في القاعة والإدارة، والتحفيز والتقدير، واستمرارية المبادرات، وإسهام الأستاذ الباحث والموظف، والحوكمة التي تجمع ذلك كله.
في صباح يوم دراسي عادي، يقف معمل فاب لاب في إحدى الجامعات هادئًا: أجهزة حديثة كلفت ملايين الريالات، وفني واحد يرتب المواد، وطالبان من كلية الهندسة يعملان على مشروع تخرج. وعلى بعد مئتي متر، في قاعة دراسية مزدحمة، يراجع مئة وخمسون طالبًا من تخصصات مختلفة لاختبار منتصف الفصل. لم يدخل أغلبهم المعمل قط، ولم يطلب منهم أي مقرر ذلك، ولا يعرف كثير منهم بوجوده. وفي اجتماع مجلس الجامعة في الأسبوع نفسه، عُرض مقترح لإنشاء مركز جديد لريادة الأعمال على غرار مركز في جامعة عالمية رائدة، بمؤشرات أداء نُقلت من تقرير تلك الجامعة.
تملك هذه الجامعة الموارد والطموح معًا، وما ينقصها هو الصلة بين ما أنشأته وما يعيشه طلابها يومًا بيوم، وطريقة تفكير تنطلق من حاجاتها هي. ونرى أن هذه الحالة متكررة في جامعات كثيرة، وأن الطريق منها إلى منظومة فاعلة يمر بمراجعة المنطق الذي تُبنى به المنظومة، قبل إنشاء أي كيان جديد.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
حين تريد جامعة أن تبني منظومة للابتكار، يبدو أسهل الطرق أن تنظر إلى جامعات ناجحة وتنقل ما لديها: مسرعة كمسرعتها، ومعمل كمعملها، ومؤشرات كمؤشراتها. وقد فسر ديماجيو وباول هذا الميل بما سمياه المحاكاة المؤسسية: فحين تكون الأهداف غامضة والبيئة غير مؤكدة، تميل المؤسسات إلى تقليد المؤسسات التي تراها ناجحة أو مشروعة، فتتشابه في أشكالها مع الوقت، سواء أفاد ذلك كفاءتها أم لا (DiMaggio & Powell, 1983). ومن صور ذلك مختبرات ابتكار حكومية أُنشئ بعضها محاكاةً للجهات الأخرى وطلبًا للشرعية (Tõnurist et al., 2017).
وذهب أندروز وبريتشيت وولكوك أبعد من ذلك، فوصفوا ظاهرة سموها المحاكاة الشكلية: أن تتبنى المؤسسة أشكال المؤسسات الناجحة، من هياكل وبرامج ومسميات، دون القدرة التي تجعلها تعمل. فتبدو المؤسسة من الخارج كأنها تملك ما تملكه المؤسسات الناجحة، وتبقى من الداخل عاجزة عن أداء وظيفتها. فالمحاكاة المؤسسية ميل إلى التقليد تحت عدم اليقين، والمحاكاة الشكلية ما ينتج حين يُنقل الشكل دون الوظيفة. وقدموا بديلًا سموه التكيف التكراري الموجّه بالمشكلة، يقوم على مبادئ أربعة: حلول محلية لمشكلات محلية، والبحث عن المحاولات الناجحة داخل النظام نفسه، والتجريب والتعلم والتكيف المستمر، والتوسع بالانتشار (Andrews et al., 2013).
وتفسر هذه الأدبيات ما يحدث في كثير من الجامعات: فالمسرعة المنقولة من جامعة أخرى تفترض طلابًا يأتون إليها بمشروعات جاهزة، وثقافة ريادية في الكليات، وشبكة من المستثمرين حولها. فإذا لم تتوافر هذه الشروط، بقيت المسرعة شكلًا بلا وظيفة. وكذلك المؤشرات المنقولة: فعدد الشركات الناشئة الذي يناسب جامعة في منظومة ريادية ناضجة قد يدفع جامعة أخرى إلى تضخيم أرقام لا تعكس واقعها. والمشكلة ليست في التعلم من الآخرين، فهو ضروري، وإنما في أن يحل التقليد محل التشخيص.
نقترح في هذا الكتاب منطقًا معاكسًا: أن تبدأ استراتيجية الابتكار في الجامعة من تشخيص مقوماتها وحاجاتها وخصوصيتها، ثم تُصمم الاستراتيجية، ثم تُبنى منظومة الأفكار والمبادرات التي تفعّلها، بطريقة متدرجة تتكيف مع ما تتعلمه. ويستند هذا المنطق إلى ما يعرف في الإدارة الاستراتيجية بمنظور الموارد، الذي يرى أن الميزة المستدامة تأتي من موارد المؤسسة وقدراتها التي يصعب على غيرها تقليدها (Barney, 1991). فما يميز جامعة عن غيرها، كتخصصاتها القوية، ومنطقتها ومشكلاتها، وعلاقاتها، وطلابها، هو ما يجب أن تُبنى عليه منظومتها.
وتتوفر أدوات للتقييم الذاتي تساعد الجامعات على هذا التشخيص. ومن أبرزها إطار طورته المفوضية الأوروبية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للجامعات الريادية، يتيح للجامعة أن تقيّم نفسها في مجالات منها: القيادة والحوكمة، والقدرة التنظيمية والحوافز، والتعليم والتعلم الريادي، ودعم الطلاب رواد الأعمال، وتبادل المعرفة والتعاون، والتدويل، وقياس الأثر (European Commission & OECD, 2012). وقيمة هذا الإطار أنه أداة للتأمل الذاتي تساعد الجامعة على أن ترى نفسها بمعاييرها هي، ويفقد كثيرًا من فائدته حين يُستعمل للمقارنة والترتيب.
ويحتاج التشخيص كذلك إلى أن يسمع من الطلاب والأساتذة مباشرة. ففي دراسة نُشرت عام ٢٠٢٣ على مئة وواحد من أعضاء هيئة التدريس في جامعة سعودية، رأى المشاركون احتياجات الطلبة ذوي السمات الإبداعية في ثلاثة أبعاد: تنمية الشخصية الإبداعية، وبيئة جامعية محفزة، ودعم العملية الإبداعية وتطوير المنتجات، ومن صور هذا الدعم التدريب المرتبط باهتمامات الطلاب، والتعرف على الفرص المتسقة مع رؤية المملكة ٢٠٣٠ (الصمعاني، ٢٠٢٣). وهذا النوع من المعرفة المحلية هو ما لا يمكن استعارته من تقرير جامعة أخرى. ويعرض الجدول ٢٠-١ أسئلة التشخيص الأساسية.
| المجال | أسئلة التشخيص |
|---|---|
| المقومات المميزة | ما التخصصات القوية؟ ما المشكلات التي تتميز بها المنطقة؟ ما العلاقات القائمة مع الجهات والشركات؟ |
| الطلاب | ما اهتماماتهم واحتياجاتهم؟ أين يقضون وقتهم؟ ما الذي يعرفونه عن جهات الابتكار، وما الذي يمنعهم من الوصول إليها؟ |
| الأساتذة | من يمارس التعليم الإبداعي فعلًا؟ ما الذي يحتاجونه؟ ما الذي يحتسبه نظام التقويم والترقية من جهدهم؟ |
| الجهات القائمة | ما الذي تقدمه كل جهة؟ من يستفيد منها فعلًا؟ ما صلتها بالمقررات وبالجهات الأخرى؟ |
| المحاولات الناجحة | أين توجد تجارب ناجحة داخل الجامعة نفسها، في مقرر أو قسم أو نادٍ طلابي، يمكن البناء عليها؟ |
| الباحثون والموظفون | هل تُحتسب شراكات الأساتذة البحثية مع الجهات؟ هل توجد قناة لأفكار الموظفين في تحسين خدمات الجامعة؟ |
| التكلفة والاستدامة | ما التكلفة الكلية لكل جهة؟ وما الذي تحققه مقابلها؟ |
ويستحق السؤال عن المحاولات الناجحة تأكيدًا خاصًا. ففي كل جامعة أساتذة يحولون مقرراتهم إلى مساحات للإبداع دون أن يطلب منهم أحد، وأندية طلابية تنظم مشروعات حقيقية، وأقسام لها علاقات حية مع جهات خارجية. وهذه هي البذور التي ينصح منهج التكيف التكراري بالبحث عنها والبناء عليها، لأنها أثبتت أنها تعمل في سياق الجامعة نفسها.
ولا يكفي أن تُكتب الاستراتيجية من الداخل؛ يلزم أيضًا أن تكون مفهومة ومشتركة. ففي مسح شمل أكثر من أحد عشر ألف مدير في أكثر من أربعمئة شركة، لم يستطع إلا نحو ثلث كبار المديرين أن يذكروا الأولويات الثلاث الأهم لمؤسساتهم ذكرًا صحيحًا (Sull et al., 2015). وإذا كان هذا حال المديرين، فالأرجح أن تكون الفجوة أوسع عند الأستاذ في قسمه، والموظف في إدارته، والطالب في قاعته. والاستراتيجية التي لا يعرفها هؤلاء لا توجّه ما يفعلونه كل يوم، مهما كانت محكمة في وثيقتها.
ولذلك تحتاج استراتيجية الابتكار الجامعي إلى أن تُصاغ في أولويات قليلة، وبلغة يفهمها غير المتخصص، وأن تُبنى بمشاركة من سيعملون بها، وأن تقنعهم بما تعنيه لكل منهم: للطالب في رحلته، وللأستاذ في مقرره وبحثه، وللموظف في خدمته. فالمشاركة في بنائها أول ما يصنع الالتزام بها، والفهم المشترك هو ما يجعل القرارات الصغيرة المتفرقة في الأقسام والإدارات تسير في اتجاه واحد.
تعمل في الجامعة الواحدة منظومات عدة، لكل منها منطقها: جهات الابتكار وريادة الأعمال بمسابقاتها وبرامجها، وجهات رعاية الموهوبين بمعاييرها وخدماتها، والتعليم الرسمي بخططه ومقرراته واختباراته، والإدارات بإجراءاتها. وكثيرًا ما تعمل هذه المنظومات متجاورة: فلا تعرف جهة رعاية الموهوبين ما تقدمه المسرعة، ولا يعرف الأستاذ في قاعته ما يجري في المعمل، ولا يحتسب النظام الأكاديمي ما ينجزه الطالب خارجه. فيعيش الطالب في عوالم منفصلة، ويضطر إلى أن يربط بينها بنفسه إن استطاع.
وقد قدم ويك تفسيرًا مبكرًا لهذه الظاهرة، فوصف المؤسسات التعليمية بأنها أنظمة مترابطة ارتباطًا رخوًا: وحداتها يستجيب بعضها لبعض، لكن كلًّا منها يحتفظ بهويته واستقلاله، فلا ينتقل ما يحدث في إحداها إلى غيرها إلا قليلًا (Weick, 1976). ولم ير ويك في ذلك عيبًا خالصًا؛ فالارتباط الرخو يسمح لكل وحدة بأن تجرّب وتتكيف دون أن تتعطل المؤسسة كلها. غير أن ثمنه في الابتكار واضح: تنجح المبادرة في وحدة، فلا تنتقل إلى غيرها، وتبقى قيمتها محصورة في من صادفها.
ويلتقي هذا التفسير مع ما وجده كلارك حين درس خمس جامعات أوروبية التي نجحت في التحول إلى جامعات ريادية، وحدد خمسة عناصر اشتركت فيها (Clark, 1998)، يوضحها الشكل ٢٠-١.
والعنصر الرابع هو مفتاح الحالة الافتتاحية. فقد أكد كلارك أن الوحدات الطرفية، كالمراكز والحاضنات، لا تكفي وحدها، وأن التحول لا يكتمل إلا حين يتبناه القلب الأكاديمي، أي الأقسام والكليات حيث يجري التعليم والبحث. والجامعة في الحالة الافتتاحية بنت أطرافها وتركت قلبها: معمل وسط الحرم، وقاعات لا صلة لها به.
والمطلوب إذن تصميم نقاط ربط مقصودة بين هذه المنظومات، مع احتفاظ كل منها بكيانها، فدمجها في جهة واحدة يُفقدها مرونتها. وتعني نقاط الربط أن تعرف كل جهة ما قبلها وما بعدها، وأن يُحتسب في التعليم الرسمي شيء مما ينجزه الطالب خارجه، وأن تتبادل الجهات المعلومات عن الطالب بموافقته. ومن الصور الممكنة لهذا الربط أن يُنظر إلى الجهات المتفرقة من زاوية الطالب نفسه، بوصفها محطات في رحلة واحدة يقطعها، كما يوضح الشكل ٢٠-٢.
وتتغير المحطات وأسماؤها من جامعة إلى أخرى، غير أن الرحلة تقوم على ثلاثة مبادئ. الأول أن المنظومة تذهب إلى الطالب في مواضع وجوده، في القاعة والمقرر والسكن والنادي، بدل أن تنتظره في مبانيها. والثاني أن كل محطة تعرف ما قبلها وما بعدها: فالأستاذ يعرف إلى أين يحيل طالبًا لديه فكرة، والمسرعة تعرف المقررات التي تأتيها منها المشروعات. والثالث أن الرحلة تتسع لمراحل مختلفة من النضج: فالطالب في مرحلة التفكير يحتاج إلى غير ما يحتاجه من بلغ مرحلة الممارسة، ولا يُطلب من الأول ما يُطلب من الثاني.
قد تملك الجامعة جهات ابتكار متكاملة، ثم يقضي الطالب أغلب وقته في بيئة لا تدعوه إلى أن يفكر: محاضرة تُلقى، وواجب يقيس الحفظ، واختبار يكافئ الإجابة الواحدة. وقد يحمل موظف فكرة لتحسين إجراء، فلا يجد في إدارته من يسمعها. فالبيئة اليومية، في القاعة والمكتب، هي التي تحدد في النهاية هل يجرّب الناس أم يكفّون عن المحاولة.
وتبدأ هذه البيئة من الأستاذ. ففي دراسة على طلاب في عدة جامعات سعودية، ارتبط دعم أعضاء هيئة التدريس في التدريس اليومي بثقة الطلاب بقدراتهم الإبداعية وبسلوكهم الابتكاري (Alsamani & Alqahtani, 2026). فالأستاذ في قاعته أقرب نقطة في المنظومة إلى كل طالب، والمقرر هو البوابة التي يمر بها الجميع.
وتعرض مراجعة منهجية لبيئات التعلم الإبداعية في التعليم المدرسي أساسًا ملامح تتكرر فيها: مرونة في استخدام المكان والوقت، وتوافر المواد، والتعلم خارج القاعة، وأساليب قائمة على اللعب تتيح للمتعلم قدرًا من الاستقلالية، وعلاقات قائمة على الاحترام بين المعلم والمتعلم، وفرص للتعاون بين الأقران، وشراكات مع جهات خارجية، ووعي باحتياجات المتعلمين، وتخطيط غير مقيد بقوالب جامدة (Davies et al., 2013). وأكثر هذه الملامح لا يحتاج إلى مبانٍ ولا إلى ميزانيات، ويحتاج إلى أستاذ يرى طلابه شركاء في التعلم.
وتظهر هذه البيئة بوضوح في المهام الطلابية. فقد بيّنت أبحاث الممارسات التعليمية عالية الأثر أن ممارسات مثل المشروعات البحثية للطلاب، والتعلم المرتبط بخدمة المجتمع، والتدريب الميداني، ومشروعات التخرج، ترتبط بانخراط أعمق وتعلم أفضل (Kuh, 2008). وفي المقابل، رصدت دراسة نوعية مع معلمي الموهوبين أن التركيز على الدرجات والاختبارات المقننة يضيّق المساحة المتاحة للإبداع (Alsamani, 2019)، والواجب الذي يقيس الحفظ وحده قد يعيد إنتاج هذا العائق في الجامعة. وتحويل بعض الواجبات إلى مشروعات تعالج مشكلات حقيقية يجعل المقرر قناة لالتقاط المشكلات والأفكار، وجهة الابتكار امتدادًا للقاعة. وتتعدد صور ذلك، من مشروع في مقرر قائم، إلى مقرر مشترك في الإبداع وريادة الأعمال يُقيَّم بالمشروع، والتشخيص هو ما يحدد أيها يناسب الجامعة.
ويحتاج هذا الدعم إلى أن يتسع لاختلاف الطلاب. فالمتفوق تحصيليًا يختلف عن المبدع في مجال أدائي كالفنون والتصميم والبرمجة، وكلاهما يختلف عن المبتكر الذي ينتج مشروعًا أو نموذجًا ملموسًا. وأكثرهم عرضةً للإغفال الموهوبُ الذي لا تنعكس قدراته على معدله، لأن الأنظمة التي لا ترى غير الدرجات لا تراه. والبيئة التي تعامل الجميع بمعيار واحد تخسر بعضهم دون أن تعلم.
والإدارة جزء من هذه البيئة. فالقرار الذي يتأخر بلا سبب، والرد الذي لا يُعلَّل، والإجراء الذي يطلب من صاحب الفكرة موافقات متتالية، رسائل تعلّم الطالب والأستاذ والموظف أن المبادرة عبء. والجامعة التي تحتفي بالابتكار في مناسباتها ثم تعرقله في إجراءاتها تعلّم بإجراءاتها أكثر مما تعلّم بخطابها.
يتعلم الناس ما تقدّره المؤسسة مما تحتسبه وتكافئه، أكثر مما تعلنه. ومن أسباب ضعف إقبال الطلاب على جهات الابتكار أن جهدهم فيها لا يظهر في أي مكان: لا في سجلهم الأكاديمي، ولا في شهادة، ولا في ما يقدمونه لجهات التوظيف.
ويحتل التقدير مكانة خاصة لدى الموهوبين والمبتكرين. فقد وصف روّاد أعمال مبتكرون سعوديون المجتمع الداعم بأنه يبدأ بالاعتراف بخصوصية المبتكر وتقدير موهبته، ثم يستثمر فيه، ويمكّن مبادراته، ويوفر له بيئة مرنة يبني فيها هويته الابتكارية (الصمعاني، ٢٠٢٦). والغاية أن يشعر الطالب بأن الابتكار جزء أصيل من رحلته الجامعية: أنه مدعو إليه، ومرحب به فيه، ومقدَّر عليه.
وصور الاعتراف كثيرة، ولا يلزم أن تكون مكلفة: سجل تصدره الجامعة يوثق مشاركة الطالب في المشروعات والتحديات إلى جانب سجله الأكاديمي، وشهادات مصغرة تعترف بكفاءات محددة اكتسبها في برنامج قصير (OECD, 2021)، وتخصص فرعي يتكامل مع تخصصه الأساسي، ويوم سنوي يعرض فيه الطلاب ما أنجزوه مع مشرفيهم. وتختار كل جامعة منها، أو من غيرها، ما يتسق مع أنظمتها.
ولا يقل الاعتراف بجهد الأساتذة أهمية عن الاعتراف بجهد الطلاب. فالأستاذ الذي يحول مقرره إلى مساحة للابتكار، ويشرف على مشروعات حقيقية، يبذل جهدًا يفوق ما يتطلبه التدريس التقليدي. فإذا لم يحتسب نظام التقويم والترقية هذا الجهد، بقي التوجه معتمدًا على حماس أفراد قليلين، وانتهى بانتقالهم أو تعبهم.
ومن صور التحفيز الممكنة هنا أن يدخل الأستاذ مشروعات الطلاب شريكًا فيها إلى جانب دوره مقيّمًا: يشارك في الإشراف على فريق، ويحمل معه مشكلة من مجال بحثه، ويشترك معه في ما ينتج عنه من نشر علمي أو براءة اختراع أو نموذج أولي. فالطالب يجد مرشدًا قريبًا من عمله، والأستاذ يجد أسئلة بحثية حية، وزملاء صغارًا يتعلم منهم كما يعلّمهم. ويكتمل ذلك بتفاصيل لا تكلف كثيرًا: أن يُذكر اسم المشرف مع فريقه حين تُعرض المشروعات، وأن يُحتسب إشرافه في ملف أدائه، وأن يُعطى وقتًا محميًا لهذا العمل.
تبدأ مبادرات كثيرة في الجامعات بحماس: مسابقة ناجحة، أو برنامج يلقى إقبالًا، أو أستاذ يحول مقرره إلى مساحة للابتكار. ثم تتراجع بعد سنة أو سنتين: ينتقل المسؤول، أو ينتهي التمويل الأولي، أو تتغير الأولويات. والاستمرار لا يأتي تلقائيًا بعد النجاح الأول. فقد راجع ويلتسي ستيرمان وزملاؤه مئة وخمسًا وعشرين دراسة عن استدامة البرامج والابتكارات بعد تطبيقها، فوجدوا أن قليلًا من الدراسات التي قاست ذلك سجّلت استمرار البرامج كاملة، وأن الاستدامة تتأثر بخصائص الابتكار نفسه، وبسياق المؤسسة، وبالقدرات المتاحة لها من تمويل وكوادر ورعاة، وبالعمليات والتفاعلات بين الأطراف (Wiltsey Stirman et al., 2012).
ويعني ذلك أن الاستمرارية تُصمَّم منذ البداية. فالمبادرة التي تقوم على شخص واحد تنتهي بانتقاله، والتي تقوم على تمويل استثنائي تنتهي بانقطاعه. أما التي تدخل في الأنظمة الاعتيادية، فتُدرج في الخطط الدراسية، ويُحتسب جهد العاملين فيها في التقويم، ويُخصص لها بند في الميزانية الدورية، وتُقاس ضمن مؤشرات الجامعة، فتبقى بعد أن يغادر من أسسها. وهذا معنى المأسسة: أن تصبح المبادرة جزءًا من الطريقة المعتادة للعمل، فتستمر بعد أن يفتر حماس من بدأها.
ولا تعني المأسسة إبقاء كل مبادرة إلى الأبد. فبعض المبادرات يحسن إيقافها حين لا تحقق ما قُصد منها، وهذا جزء من إدارة المحفظة. والسؤال الذي يميز الاستمرارية الصحية: هل تستمر المبادرة لأنها تنتج قيمة، أم لأن أحدًا لم يقرر إيقافها؟
عرضنا في الأقسام السابقة الأستاذ معلّمًا، والموظف في بيئته الإدارية، ونخص هذا القسم بالأستاذ باحثًا، والموظف مبتكرًا في خدمات الجامعة. غير أن للجامعة ثلاث رسالات، هي التعليم والبحث وخدمة المجتمع، وكل منها منبع للابتكار. وقد وصف إتزكوفيتز ولايدسدورف الجامعة في اقتصاد المعرفة بأنها أحد ثلاثة أطراف، مع الحكومة والصناعة، تتداخل أدوارها في إنتاج الابتكار (Etzkowitz & Leydesdorff, 2000). والمنظومة التي تقتصر على الطلاب تُغفل طرفين آخرين داخل الجامعة نفسها: الأستاذ بوصفه باحثًا، والموظف الذي يدير خدماتها.
تميل جامعات كثيرة إلى قياس إسهامها في الابتكار ببراءات الاختراع والشركات الناشئة المنبثقة من أبحاثها. وتكشف مراجعة واسعة لأدبيات العلاقة بين الجامعة والصناعة أن هذه الصورة ضيقة. فما يسميه الباحثون الانخراط الأكاديمي، كالبحث المشترك مع الجهات، والبحث التعاقدي، والاستشارات، والعلاقات غير الرسمية، أوسع انتشارًا بين الأساتذة من التسويق التجاري، وأقرب إلى عملهم البحثي المعتاد. ويمارسه الأساتذة في الغالب ليحصلوا على موارد وأسئلة تخدم أجندتهم البحثية (Perkmann et al., 2013).
ويعني ذلك أن الجامعة التي لا ترى من الابتكار البحثي إلا البراءات تغفل أكثر ما يقدمه أساتذتها فعلًا. وقد يكون أقصر طريق إلى أثر البحث مشكلة حقيقية تحملها جهة في المنطقة إلى فريق بحثي مستعد لها. ومن صور دعم ذلك: احتساب البحث المشترك والاستشارات في التقويم والترقية، وتيسير إجراءات التعاقد مع الجهات، وربط أولويات البحث في الجامعة بمشكلات منطقتها.
والجامعة كذلك مؤسسة تقدم خدمات: قبول وتسجيل، وإسكان، ومكتبات، وخدمات إلكترونية، وإجراءات مالية وإدارية. وما عرضه هذا الكتاب عن إدارة الابتكار في المؤسسات ينطبق عليها كما ينطبق على أي مؤسسة خدمية: التقاط المشكلات من المستفيدين، وإدارة الأفكار، والتجربة الميدانية، والقياس. فالموظف الذي يعيش هذه الإجراءات يوميًا أعرف الناس بمواطن الهدر فيها، والطالب الذي يمر بها أعرف الناس بما يعانيه منها.
ومن المفارقة أن تدعو جامعة طلابها إلى الابتكار، وهي تعالج طلباتهم بإجراءات لم تُراجع منذ سنوات. فالجامعة التي تمارس الابتكار في عملها اليومي تعلّم بالقدوة ما تعلّمه المقررات بالشرح. وما قيل عن تحفيز الأساتذة يصدق على الموظفين: فأكثر ما يحفزهم قليل الكلفة، كنسبة الفكرة إلى صاحبها، وإشراكه في تنفيذها، وإظهار أثرها في خدمة الطالب.
ولتحويل هذا المنهج إلى ممارسة، تحتاج الجامعة إلى جهة تتولى التكامل. ومن صيغها الممكنة وحدة استراتيجية للابتكار ترتبط برئيس الجامعة مباشرة، مهمتها أن تبني استراتيجية الابتكار من الداخل بالمنهج الذي عرضه هذا الفصل، وأن تربط الأجزاء المتباعدة، وأن تتابع التنفيذ وتعدّله. وتترك هذه الوحدة المبادرات لأصحابها وللجهات القائمة، وتنحصر قيمتها في التوجيه والتكامل. وتختلف المبادرات التي قد تدعمها من جامعة إلى أخرى بحسب مقوماتها وحاجاتها. ونجمع هنا ما يجعل جهة التكامل فاعلة، أيًّا كانت صيغتها، من أدوات عرضتها فصول الكتاب:
والسمة الأهم لهذه الحوكمة أن تكون ديناميكية: أن تراجع نفسها دوريًا، وتعدل ما لا يعمل، وتوسع ما ينجح، كما يقترح منهج التكيف التكراري. فالاستراتيجية التي تُكتب مرة وتُنفذ كما هي لسنوات تعيد إنتاج منطق النموذج المستعار، حتى لو كانت مكتوبة من الداخل.
تُقاس منظومة الابتكار الجامعي بعدد من وجدوا طريقهم، طلابًا وأساتذة وموظفين، من المشكلة إلى الفكرة إلى التجربة، وبما شعروا به في الطريق، أكثر مما تُقاس بعدد ما أنشأته الجامعة من جهات.
لا تتحول المنظومة دفعة واحدة. ويقترح الشكل ٢٠-٣ منطقًا من ثلاث مراحل، يطبق التوسع المتدرج والتوسع بالجذب. والثابت في هذا المنطق ترتيب المراحل وما تسأل عنه كل مرحلة. أما المبادرات التي تملؤها، ومدة كل مرحلة، فيحددها تشخيص كل جامعة. والمبادرات التي ذكرها هذا الفصل أمثلة تُعين على التفكير، ويُكيَّف كل منها بحسب ما يكشفه التشخيص.
وتعني هذه الخارطة أن أول ما تفعله الجامعة أن تفهم ما لديها وتربطه، قبل أن تنشئ أي جهة. وقد تكتشف في المرحلة الأولى أنها تملك أكثر مما تحتاج من الكيانات، وأقل مما تحتاج من الصلات بينها وبين طلابها. وهذا الاكتشاف وحده قد يوفر عليها ملايين كانت ستُنفق على كيان جديد معزول.
وبهذا تلتقي خيوط الكتاب في مؤسسة واحدة: فهو يبدأ من المشكلة قبل النموذج، ومن الإنسان، طالبًا وأستاذًا وموظفًا، قبل المبنى، ويبني المنظومة صلاتٍ قبل أن يبنيها كيانات. والجامعة التي تفعل ذلك تصبح هي نفسها مؤسسة مبتكرة، إلى جانب أنها تخرّج المبتكرين.
استخدم هذه الأداة مع فريق يضم ممثلين للقيادة والأقسام والجهات القائمة والطلاب. قيّم كل بعد على ثلاثة مستويات: غائب، أو جزئي، أو قائم. ثم اختر بعدين فقط للعمل عليهما في السنة الأولى، والأولوية لما يقع في قلبها الأكاديمي، أي الأقسام والكليات.
| البعد | سؤال التشخيص | التقييم | الخطوة التالية |
|---|---|---|---|
| الاستراتيجية من الداخل | هل تنبع ساحات الابتكار من مقومات الجامعة ومشكلات منطقتها؟ | ||
| وضوح الاستراتيجية | هل يستطيع الطلاب والأساتذة والموظفون ذكر أولويات الابتكار في الجامعة؟ هل شاركوا في بنائها؟ | ||
| التكامل بين المنظومات | هل تعرف جهات الابتكار ورعاية الموهوبين والأقسام ما يقدمه بعضها؟ هل يُحتسب في التعليم الرسمي شيء مما ينجزه الطالب خارجه؟ | ||
| رحلة الطالب | هل يعرف الطالب أين يذهب بفكرته؟ كم خطوة يحتاج ليصل إلى من يساعده؟ | ||
| البيئة اليومية | كم مقررًا يتضمن مشروعات تعالج مشكلات حقيقية؟ هل تُجيب الإدارات عن الأفكار في موعد معلن وبرد معلل؟ | ||
| دعم الأستاذ | هل يشعر الطلاب بأن أساتذتهم يشجعون أفكارهم؟ هل يُحتسب جهد الأساتذة؟ | ||
| الاعتراف والتوثيق | هل يظهر جهد الطالب الابتكاري في سجل أو شهادة؟ | ||
| الاستمرارية | هل تعتمد المبادرات القائمة على أفراد أو تمويل استثنائي؟ هل حُسبت التكلفة الكلية لكل جهة؟ | ||
| الباحثون والموظفون | هل يُحتسب انخراط الأساتذة البحثي مع الجهات؟ هل توجد قناة لأفكار الموظفين في تحسين الخدمات؟ | ||
| القياس | هل تقيس الجامعة التدفق والأثر، أم نشاط كل جهة وحدها؟ | ||
| الشراكات | هل تأتي إلى الجامعة مشكلات حقيقية من منطقتها بانتظام؟ |