نلتفت في هذا الفصل إلى الوجه الأكثر إغفالًا في إدارة الابتكار: أثره في من لم يُسألوا عنه. ونقترح إطارًا يُدمج المسؤولية في رحلة المبادرة، ثم نمضي منه إلى أخلاقيات التجريب على الناس، وحوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي، والإنصاف في ملكية الأفكار، والأثر البيئي للابتكار.
أطلقت مدينة تطبيقًا يرصد عيوب الطرق آليًا من هواتف السكان في أثناء القيادة، ويرتب أعمال الصيانة بحسب عدد البلاغات في كل حي. وبدا التطبيق نجاحًا واضحًا: آلاف البلاغات، واستجابة أسرع، وتكلفة أقل من الجولات الميدانية. وبعد عام، لاحظ أحد المهندسين أن الصيانة تركزت في الأحياء الأحدث والأعلى دخلًا، بينما تراجعت في الأحياء القديمة. وكان السبب أن سكان الأحياء القديمة، وكثير منهم من كبار السن، أقل استخدامًا للتطبيق. فقد أعاد التطبيق توزيع الخدمة دون أن يقرر أحد ذلك.
لم يكن في الحالة ظلم مقصود؛ فقد صُمم التطبيق بحسن نية، ونجح في كل ما قيس به. غير أن المقياس نفسه، أي عدد البلاغات، كان يعكس من يستخدم التطبيق، وبقي من يحتاج إلى الصيانة خارج الصورة. ومن هذه المفارقة ننطلق إلى السؤال الذي يشغل هذا الفصل: كيف تُدمج المسؤولية في إدارة الابتكار بوصفها جزءًا من جودته؟
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
نبه عالم الاجتماع ميرتون منذ ثلاثينيات القرن الماضي إلى أن كل فعل اجتماعي هادف ينتج آثارًا لم يقصدها فاعله، بسبب نقص المعرفة، والخطأ في التقدير، والتركيز على النتائج القريبة دون البعيدة (Merton, 1936). والابتكار، بطبيعته، فعل في أرض غير معروفة، ولذلك تكون آثاره غير المقصودة أكثر احتمالًا.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك ما كشفه أوبرماير وزملاؤه في خوارزمية تُستخدم على نطاق واسع في النظام الصحي الأمريكي لتحديد المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية إضافية. فقد استخدمت الخوارزمية تكاليف العلاج السابقة مقياسًا بديلًا للحاجة الصحية، ولأن ما يُنفق على علاج المرضى السود كان أقل لأسباب تتعلق بالوصول إلى الخدمة، قدّرت الخوارزمية حاجتهم بأقل من حقيقتها. ووجد الباحثون أن تصحيح المقياس كان سيرفع نسبة المرضى السود الذين يحصلون على الرعاية الإضافية من نحو ثمانية عشر في المئة إلى نحو ستة وأربعين في المئة (Obermeyer et al., 2019). وهذه الحالة صورة أخرى لما عرضه الفصل السادس عشر من أن المؤشر قد يلتهم الهدف: فالمقياس البديل يحمل افتراضات قد لا يراها من يستخدمه.
ويواجه من يريد التحكم في هذه الآثار مأزقًا صاغه كولنغريدج: ففي المراحل المبكرة، يكون تغيير الابتكار سهلًا، لكن آثاره غير معروفة بعد. وفي المراحل المتأخرة، تكون آثاره واضحة، لكن تغييره يصبح صعبًا ومكلفًا لأنه انتشر وارتبطت به مصالح وأنظمة (Collingridge, 1980). ويوضح الشكل ١٩-١ هذا المأزق.
التغيير سهل ورخيص، لكن الآثار غير معروفة، فلا يُعرف ما الذي يجب تغييره.
الآثار واضحة، لكن التغيير صعب ومكلف، لأن الابتكار ارتبط بأنظمة ومصالح وعادات.
أن تُطرح أسئلة المسؤولية مبكرًا، وتُراقب الآثار في أثناء التجربة والتوسع، وتُبنى القدرة على التعديل قبل أن يتصلب الحل.
ويتطابق هذا المأزق مع منحنى تكلفة التغيير الذي عرضه الفصل السابع عشر: فالمسؤولية، كالتعلم، أرخص في البداية. ولهذا أضاف الفصل الثاني عشر عدسة المسؤولية إلى عدسات تقييم الحل، لتُطرح أسئلتها منذ المفهوم الأول.
اقترح ستيلغو وأوين وماكناتن إطارًا للابتكار المسؤول يقوم على أربعة أبعاد، تُمارس في أثناء الابتكار نفسه (Stilgoe et al., 2013). ويعرضها الشكل ١٩-٢ مع السؤال الذي يطرحه كل منها.
ماذا لو نجح الحل على نطاق واسع؟ من قد يتضرر؟
ما الذي نفترضه دون أن نلاحظ؟ من لا نراه؟
هل سمعنا من الفئات الأقل حضورًا؟
ما الذي سيجعلنا نغير المسار؟ ومن يملك القرار؟
وتتسق هذه الأبعاد مع ما بناه الكتاب في فصوله السابقة. فالإشراك امتداد لفهم من يعيش المشكلة في الفصل الحادي عشر، والاستجابة امتداد لمعايير الإيقاف في الفصلين العاشر والرابع عشر، والانعكاسية، أي المراجعة النقدية للذات والافتراضات، امتداد لما عرضه الفصل الثامن عن الأمان النفسي الذي يسمح للفريق بأن يعترف بما لا يعرفه. فالابتكار المسؤول هو إدارة الابتكار الجيدة نفسها، وقد اتسعت دائرة من تهتم بهم.
وفي الحالة الافتتاحية، كان سؤال الاستباق كافيًا لكشف المشكلة: من لا يستخدم التطبيق؟ وهل يحتاجون إلى الصيانة أقل من غيرهم؟ وكان الإشراك سيضيف قناة بديلة للبلاغ، كالهاتف أو مراقب الحي، ويضيف جولات ميدانية دورية للأحياء الأقل استخدامًا.
دعا الفصل الرابع عشر إلى التجريب قبل التوسع، ونبه إلى أن المستفيد من خدمة عامة ليس موضوع اختبار. ويستند التوازن بين الأمرين إلى مبادئ أخلاقية راسخة في البحث على البشر. فقد حدد تقرير بلمونت ثلاثة مبادئ أساسية (National Commission for the Protection of Human Subjects of Biomedical and Behavioral Research, 1979):
وتترجم هذه المبادئ في تجارب الابتكار إلى أسئلة عملية: هل يعرف المشاركون أنهم في تجربة؟ هل يمكنهم الانسحاب منها دون أن يخسروا الخدمة؟ هل توجد شروط إيقاف إذا ظهر ضرر؟ هل اختيرت الفئة المشاركة لأنها الأنسب للتعلم، أم لأنها الأقل قدرة على الاعتراض؟ وفي الجامعات، تمر الأبحاث على البشر بلجان أخلاقيات البحث العلمي، ويُستحسن أن تُطبق مبادئها نفسها على المشروعات الطلابية التي تختبر حلولًا مع مستفيدين حقيقيين.
قبل أي تجربة مع مستفيدين، اسأل نفسك: لو كنت أنا أو أحد أفراد أسرتي في المجموعة التي ستُجرى عليها التجربة، فما الذي سأريد أن أعرفه مسبقًا؟ وما الذي سأريد أن يكون مضمونًا لي؟ اكتب الإجابة، واجعلها جزءًا من بطاقة التجربة.
تعتمد مبادرات ابتكار كثيرة اليوم على البيانات الشخصية وعلى الذكاء الاصطناعي، وهما مصدران لقيمة كبيرة ولمخاطر كبيرة معًا. وقد وضعت المملكة إطارًا نظاميًا لحماية البيانات الشخصية بصدور نظام حماية البيانات الشخصية (نظام حماية البيانات الشخصية، ٢٠٢١)، ونشرت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي مبادئ لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي تهدف إلى توجيه تطويره واستخدامه بما يحفظ الحقوق ويعزز الثقة (الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، ٢٠٢٣). وعلى المستوى الدولي، تتقاطع هذه الأطر مع مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية للذكاء الاصطناعي، التي تؤكد قيمًا مثل احترام حقوق الإنسان والعدالة، والشفافية وقابلية التفسير، والمتانة والأمان، والمساءلة (OECD, 2019).
ولا يغني الامتثال لهذه الأطر عن أسئلة يطرحها فريق الابتكار بنفسه، أهمها:
ويعيد هذا القسم إلى أطروحة عرضها الفصل الثاني: أن الذكاء الاصطناعي يرفع قيمة الإنسان بدل أن يلغيها. فكلما تولت الأدوات جزءًا أكبر من العمل، زادت أهمية الحكم البشري في تحديد ما يجب أن تفعله، ولمن، وبأي ثمن.
تثير إدارة الابتكار أسئلة عن ملكية الأفكار والحلول: لمن تكون فكرة الموظف التي طورتها المؤسسة؟ ولمن يكون مشروع الطالب الذي نشأ في مقرر أو في معمل الجامعة؟ وما نصيب المبتكر من قيمة ما ابتكره؟ وغموض الإجابة عن هذه الأسئلة يضر بالطرفين: فالمبتكر الذي لا يعرف حقوقه قد يحجب أفكاره أو يأخذها إلى حيث تُحفظ له، والمؤسسة التي لا تحدد سياستها تواجه نزاعات بعد أن تنجح الفكرة.
ويتطلب الإنصاف هنا سياسة واضحة ومعلنة مسبقًا تحدد: ما الذي تملكه المؤسسة، وما الذي يبقى للمبتكر، وكيف تُقسَّم العوائد إن وُجدت، وكيف يُنسب الفضل. ويتصل ذلك مباشرة بما عرضه الفصل العاشر عن عدالة الإجراء ونسبة الفكرة إلى صاحبها، وبما عرضه الفصل السابع عن التقدير بوصفه من أول احتياجات المبتكر. وفي الجامعة خاصة، تحتاج هذه السياسة إلى أن تكون مفهومة للطلاب، وأن تشجعهم على تطوير أفكارهم داخل منظومتها.
وتتصل الملكية الفكرية كذلك بالابتكار المفتوح الذي عرضه الفصل الثامن عشر: فالمؤسسة التي تتيح بياناتها أو تتعاون مع شركاء تحتاج إلى قواعد واضحة لما يُشارك، وما يُحمى، وكيف تُحفظ خصوصية الأفراد في البيانات المتاحة.
يمتد سؤال المسؤولية إلى أثر الابتكار في البيئة، وهو من أطول آثاره بقاءً وأصعبها تداركًا. وقد عرّف آدامز وزملاؤه الابتكار الموجّه بالاستدامة بأنه إحداث تغييرات مقصودة في فلسفة المؤسسة وقيمها، وفي منتجاتها وعملياتها وممارساتها، بهدف تحقيق قيمة بيئية واجتماعية إلى جانب القيمة الاقتصادية. واستخلصوا من مراجعة منهجية لمئة وسبعة وعشرين مصدرًا ثلاثة سياقات يتدرج فيها هذا الابتكار (Adams et al., 2016):
ويفيد هذا التدرج مؤسسات القطاع العام والجامعات خاصة. فرقمنة خدمة تغني المستفيد عن التنقل والورق تحسين تشغيلي له أثر بيئي مباشر. وإعادة تصميم خدمة حول مبدأ المشاركة في الموارد بدل امتلاكها تحول مؤسسي. أما معالجة مشكلة بيئية في المنطقة بالشراكة مع جهات أخرى فبناء للمنظومة، وهو المستوى الذي يتصل بالابتكار المفتوح. وقد جعلت المملكة استدامة البيئة والاحتياجات الأساسية إحدى أولوياتها الوطنية الأربع للبحث والتطوير والابتكار (وكالة الأنباء السعودية، ٢٠٢٢)، فأصبح الأثر البيئي سؤالًا يُطرح على المبادرات منذ بدايتها، بعد أن كان يُترك لما بعد التنفيذ.
الابتكار المسؤول هو إدارة الابتكار الجيدة حين تتسع دائرة من تهتم بهم: من يستخدم الحل، ومن لا يستخدمه، ومن يتأثر به دون أن يُسأل عنه.
أضف هذه الأسئلة إلى بوابات نظام الابتكار في مؤسستك، بحيث يجيب عنها الفريق في كل مرحلة بقدر ما تسمح المعرفة المتاحة. وقيمتها في النقاش الذي تفتحه، أكثر من استيفائها قائمةَ امتثال شكلية.
| المرحلة | أسئلة المسؤولية |
|---|---|
| فهم المشكلة | من يعيش المشكلة؟ ومن الفئات الأقل حضورًا فيها؟ هل سمعنا منهم مباشرة؟ |
| تطوير الحل | من قد يتضرر إن نجح الحل؟ ما المقاييس البديلة التي نعتمد عليها؟ وماذا تمثل فعلًا؟ |
| التجربة | هل يعرف المشاركون أنهم في تجربة؟ هل يمكنهم الانسحاب؟ ما شروط الإيقاف؟ هل توزعت الأعباء بإنصاف؟ |
| البيانات والذكاء الاصطناعي | هل نلتزم بنظام حماية البيانات الشخصية؟ من الغائب عن البيانات؟ هل يمكن تفسير القرار؟ من المسؤول عنه؟ |
| الأثر البيئي | ما أثر الحل في استهلاك الطاقة والمواد والهدر؟ هل يمكن أن يحقق قيمة بيئية إلى جانب قيمته الأساسية؟ |
| التوسع | هل راقبنا الآثار غير المقصودة في التجربة؟ هل بقيت لدينا القدرة على التعديل بعد التوسع؟ |
| الملكية والإنصاف | هل يعرف صاحب الفكرة حقوقه؟ هل نُسب إليه الفضل؟ هل القواعد معلنة لكل الأطراف؟ |