من حدود المؤسسة إلى ما وراءها يمتد النظر في هذا الفصل؛ فنتتبع كيف تفيد المؤسسة من المعرفة والأفكار القائمة خارجها، وإلى أي حد ينبغي أن تنفتح، وما القدرة التي يتطلبها استيعاب ما يرد إليها، وما أشكال الشراكة المتاحة لها، ثم كيف تعمل منظومات الابتكار التي تجمع الجامعات والحكومة والقطاع الخاص والمجتمع.
عانت شركة خدمات لوجستية سنوات من مشكلة في تحسين جدولة أساطيلها، وعمل عليها فريقها التقني دون تقدم يذكر. ثم أطلقت تحديًا مفتوحًا بجائزة محدودة، فجاءها حل فعال من طالبة دراسات عليا في الرياضيات التطبيقية لا تعرف شيئًا عن اللوجستيات، لكنها رأت في المشكلة نموذجًا رياضيًا مألوفًا في مجالها. غير أن الشركة لم تستطع الإفادة من الحل: فلم يكن في فريقها من يفهم النموذج الرياضي بما يكفي لإدماجه في أنظمتها، ورأى بعض المهندسين أن حلًا من خارج المجال «لا يفهم واقعنا». وبقي الحل في تقرير التحدي.
نجحت الشركة في الانفتاح، وأخفقت في الاستيعاب؛ فقد جاءتها المعرفة من حيث لم تحتسب، غير أنها افتقرت إلى القدرة الداخلية على فهمها وتوظيفها، وإلى الثقافة التي تتقبل ما يرد من خارجها. وفي هذين الوجهين معًا ينعقد موضوع الفصل: كيف تنفتح المؤسسة، وكيف تستوعب ما ينفتح عليها.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
قامت مختبرات البحث في الشركات الكبرى خلال معظم القرن العشرين على منطق مغلق: أن تبتكر المؤسسة بنفسها، بأفضل العقول التي توظفها، وتحمي ما تنتجه، وتطوره حتى يصل إلى السوق. وقد لاحظ تشيسبرو أن هذا المنطق فقد كثيرًا من صلاحيته، لأن المعرفة أصبحت موزعة على نطاق واسع، والعقول المتميزة تنتقل بين المؤسسات، ولم يعد ممكنًا لمؤسسة واحدة أن تحتكر المعرفة التي تحتاجها. واقترح بديلًا سماه الابتكار المفتوح: أن تستخدم المؤسسة الأفكار الخارجية إلى جانب الداخلية، وأن تتيح أفكارها غير المستخدمة لغيرها (Chesbrough, 2003). وعرّفه لاحقًا مع بوغرز بأنه عملية ابتكار موزعة تقوم على تدفقات معرفة تُدار عن قصد عبر حدود المؤسسة (Chesbrough & Bogers, 2014).
ولكلمة «عن قصد» في هذا التعريف أهمية: فالابتكار المفتوح ليس أن تُفتح الأبواب لكل شيء، وإنما أن تُصمم تدفقات المعرفة بين المؤسسة ومحيطها. ويمكن التمييز بين ثلاثة اتجاهات لهذه التدفقات، يوضحها الشكل ١٨-١.
وقد عرض الفصل الحادي عشر صورة من الاتجاه الأول في المستخدمين الرائدين الذين يبتكرون لأنفسهم قبل أن تقدم لهم أي جهة حلًا. وعرض الفصل الثالث عشر صورة من الاتجاه الثاني في تقنيات زيروكس التي لم تجد لها مكانًا في نموذج الشركة فخرجت إلى شركات منبثقة.
إذا كان الانفتاح مفيدًا، فهل يزداد نفعه كلما زاد؟ درس لورسن وسالتر بيانات نحو ألفين وسبعمئة شركة صناعية بريطانية، وقاسا انفتاحها ببعدين: الاتساع، أي عدد المصادر الخارجية التي تستعين بها، والعمق، أي مدى اعتمادها على كل مصدر. فوجدا أن العلاقة بين الانفتاح والأداء الابتكاري تأخذ شكل قوس: تتحسن مع زيادة الانفتاح إلى حد معين، ثم تتراجع حين يتجاوز الانفتاح قدرة المؤسسة على متابعة مصادرها والإفادة منها (Laursen & Salter, 2006). فالمؤسسة التي تفتح قنوات مع كل جهة ممكنة قد تغرق في علاقات لا تستطيع إدارتها، كما تغرق المؤسسة التي تفتح منصة لكل الأفكار.
ومن أقوى حجج الانفتاح أن الحل قد يأتي من حيث لا يُتوقع. فقد درس جيبسن ولاخاني أكثر من مئة وستين مشكلة علمية طرحتها شركات على منصة تحديات مفتوحة بعد أن عجزت مختبراتها عن حلها، فوجدا أن احتمال الحل كان أعلى حين كان مجال تخصص المشارك بعيدًا عن مجال المشكلة (Jeppesen & Lakhani, 2010). فالمتخصص البعيد يرى المشكلة بأدوات مجاله، كما رأت الطالبة في الحالة الافتتاحية مشكلة الجدولة نموذجًا رياضيًا مألوفًا. ويرتبط ذلك بما عرضه الفصل الثاني عشر عن التشبيه البعيد بوصفه وسيلة لكسر التثبت.
وصول المعرفة إلى المؤسسة خطوة أولى، تتلوها القدرة على فهمها واستخدامها. وقد صاغ كوهين وليفنثال مفهوم القدرة الاستيعابية لوصف ذلك: قدرة المؤسسة على إدراك قيمة المعرفة الخارجية الجديدة، واستيعابها، وتطبيقها. وبيّنا أن هذه القدرة تتوقف على ما تملكه المؤسسة من معرفة سابقة ذات صلة؛ فالمؤسسة لا تستطيع أن تستوعب إلا ما يقترب مما تعرفه. ولهذا رأيا أن للبحث والتطوير الداخلي وجهين: فهو ينتج معرفة جديدة، ويبني القدرة على استيعاب معرفة الآخرين (Cohen & Levinthal, 1990).
ويترتب على هذا المفهوم نتيجة عملية مهمة: أن الابتكار المفتوح يقوم على قدرة داخلية تسنده وتستقبل ما يأتي به. فالمؤسسة التي تفرغ نفسها من الخبرة اعتمادًا على الشركاء والموردين تفقد القدرة على الحكم على ما يقدمونه، وعلى إدماجه في عملها. وهذا ما حدث في الحالة الافتتاحية: فلم يكن في الشركة من يفهم النموذج الرياضي بما يكفي لاستخدامه.
ويواجه الاستيعاب عائقًا آخر مصدره الاتجاهات هذه المرة: مقاومة ما يأتي من الخارج، أو ما يعرف بمتلازمة «لم يُبتكر هنا». فقد درس كاتز وألن فرق البحث والتطوير، فوجدا أن الفرق التي يطول بقاء أعضائها معًا يتراجع تواصلها مع المصادر الخارجية، ويتراجع أداؤها معه (Katz & Allen, 1982). ويحد من ذلك ما عرضه الفصل التاسع عن أنشطة الحدود، وما عرضه الفصل الثامن عن ثقافة تتسع لأنماط التفكير المختلفة. فاحترام المعرفة الآتية من الخارج وجه آخر لاحترام الأفكار الآتية من أصغر موظف في الداخل.
قبل أن تطلق تحديًا مفتوحًا أو تعقد شراكة، حدد بالاسم من في مؤسستك سيستقبل ما تأتي به: من سيقرأ الحلول، ومن يملك المعرفة لتقييمها، ومن سيدمجها في العمل. فإن لم تجد هؤلاء الأشخاص، فابدأ ببناء هذه القدرة قبل الانفتاح.
تتعدد أشكال الانفتاح، ولكل منها غرض يناسبه ومخاطر تصحبه. ويعرض الجدول ١٨-١ أبرزها.
| الشكل | يناسب | ما يحتاجه من المؤسسة | خطره |
|---|---|---|---|
| التحديات المفتوحة | مشكلة محددة يمكن صياغتها بوضوح، ويُحتمل أن تُحل من مجال بعيد | صياغة دقيقة للمشكلة، وقدرة على تقييم الحلول وإدماجها | حلول لا تُستخدم، كما في الحالة الافتتاحية |
| التعاون البحثي مع الجامعات | مشكلات تحتاج إلى معرفة علمية عميقة ووقت أطول | صبر على إيقاع البحث، وشخص يترجم بين لغة البحث ولغة العمل | أبحاث منشورة لا تتحول إلى تطبيق |
| العمل مع الشركات الناشئة | حلول تقنية سريعة التطور، وتجريب أساليب جديدة | إجراءات شراء وتعاقد مرنة تناسب حجم الشركة الناشئة | إجراءات تستنزف الشركة الناشئة قبل أن تبدأ |
| التطوير المشترك مع المستفيدين | خدمات تتوقف قيمتها على تجربة من يستخدمها | احترام وقت المستفيدين، ورد واضح على إسهاماتهم | مشاركة شكلية لا يؤثر رأي المستفيدين فيها |
| الشراكة مع القطاع الخاص في تقديم الخدمات | خدمات يملك فيها القطاع الخاص قدرة أو موارد لا تملكها الجهة | عقود تحدد القيمة العامة المطلوبة والمساءلة عنها | نقل المخاطر دون نقل القدرة على إدارتها |
| إتاحة البيانات والتقنيات | بيانات أو تقنيات لدى المؤسسة يمكن أن يبني عليها غيرها | معايير للخصوصية والجودة والملكية الفكرية | إتاحة ما لا ينبغي إتاحته، وهو ما يتناوله الفصل التاسع عشر |
ويتكرر في أغلب هذه الأشكال شرطان. الأول أن تكون المشكلة واضحة قبل الشراكة، كما بيّن الفصل الحادي عشر؛ فالشراكة حول مشكلة غامضة تنتهي غالبًا بتوقعات متعارضة. والثاني أن تملك المؤسسة شخصًا أو وحدة تعمل جسرًا بين الشريك والداخل، تفهم لغة الطرفين، وتتابع العلاقة، وتضمن أن ما يأتي من الخارج يصل إلى من يحتاجه.
تبتكر المؤسسة داخل منظومة أوسع من الجهات والأنظمة والعلاقات. وقد ظهر مفهوم المنظومة الوطنية للابتكار ليصف شبكة المؤسسات العامة والخاصة التي تتفاعل لإنتاج المعرفة ونشرها واستخدامها في بلد ما، وليؤكد أن أداء الابتكار الوطني يتوقف على جودة هذه التفاعلات بقدر ما يتوقف على قدرات كل جهة (Lundvall, 1992). ويركز نموذج الحلزون الثلاثي على ثلاثة أطراف رئيسة في هذه المنظومة، وعلى أن الابتكار ينشأ في تفاعلها، حتى يأخذ كل طرف أحيانًا شيئًا من أدوار الآخرين (Etzkowitz & Leydesdorff, 2000)، كما يوضح الشكل ١٨-٢.
وفي المملكة، تتشكل هذه المنظومة حول الأولويات الوطنية للبحث والتطوير والابتكار التي عرضها الفصل الثاني، وحول دور هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار ممكّنًا ومنظّمًا للقطاع (وكالة الأنباء السعودية، ٢٠٢٢). ويعني ذلك أن المؤسسة، جامعة كانت أو جهة حكومية أو شركة، تستطيع أن تربط ساحات البحث في استراتيجيتها بهذه الأولويات، فتجد شركاء وتمويلًا وطلبًا على حلولها.
وتحمل المنظومات مخاطر خاصة بها. فقد نبه أدنر إلى أن نجاح الابتكار قد يتوقف على أطراف أخرى في المنظومة لا تملكها المؤسسة: على شركاء يجب أن يبتكروا هم أيضًا لكي يعمل الحل، وعلى حلقات في سلسلة التبني يجب أن تقبل الحل قبل أن يصل إلى المستفيد النهائي (Adner, 2006). فالحل الحكومي الذي يتطلب تعديل أنظمة جهة أخرى، أو الحل الجامعي الذي يتطلب قبول جهة التدريب الميداني، معرض لمخاطر لا يراها من ينظر إلى مؤسسته وحدها.
إذا كانت منظومات الابتكار تُدرس عادة من زاوية المؤسسات، فإننا ننظر إليها في هذا الكتاب من زاوية الإنسان أيضًا: ماذا يحتاج المبتكر من المجتمع المحيط به؟ وفي دراسة ظاهراتية أُجريت مع عشرة من روّاد الأعمال السعوديين المبتكرين، حدد المشاركون أربع سمات للمجتمع الداعم: الاعتراف بخصوصية المبتكر وفهم نمطه الشخصي والمعرفي، والاستثمار فيه وتسويقه وربطه بالبيئات الاقتصادية المناسبة، والتمكين المالي والتشغيلي لمبادراته، وبناء هويته الابتكارية والريادية عبر بيئات مرنة تتيح التعلم العميق والممارسة الحقيقية (الصمعاني، ٢٠٢٦).
وتلتقي هذه السمات مع نتائج دراسة أخرى لتجارب المبتكرين البارزين، إذ عدّ أغلبهم شبكة العلاقات طريقًا إلى الفرص، وأجمعوا على أهمية التفاعل مع الأقران (Alsamani, 2023). فالمنظومة في نظر المبتكر أشخاص يعرفونه، وفرص يصل إليها، وأقران يتعلم معهم.
وللجامعة في هذه المنظومة موقع فريد، لأنها الطرف الذي يمر به أغلب المبتكرين في مرحلة تكوينهم. فحين تربط طلابها بمشكلات الجهات الحكومية والشركات في منطقتها، وتتيح لهم التدريب والمشروعات المشتركة، وتعرّفهم بالفرص المتسقة مع الأولويات الوطنية، فإنها تبني لهم شبكة العلاقات التي يحتاجونها قبل أن يتخرجوا. ونعود إلى هذا الدور بتفصيل في الفصل العشرين.
الانفتاح يأتي بالمعرفة، والقدرة الداخلية تستوعبها، والثقافة تقبلها. والمؤسسة التي تملك الأول وحده تجمع حلولًا في التقارير، والتي تملك الثلاثة تحولها إلى قيمة.
ارسم خريطة للأطراف الخارجية التي يمكن أن تسهم في مبادرة أو مجال ابتكاري في مؤسستك. اكتب لكل طرف ما يقدمه، وما يريده في المقابل، وشكل الشراكة المناسب، ومن في مؤسستك سيستقبل ما يأتي منه. ثم حدد الطرف الذي تعتمد عليه المبادرة ولا تملكه، فهو مصدر المخاطر الأول.
| الطرف | ما يقدمه | ما يريده | شكل الشراكة | من يستقبل في الداخل |
|---|---|---|---|---|
| هيئة تطوير المنطقة | مشكلات تنموية حقيقية، وبيانات، وتمويل محتمل | حلول قابلة للتطبيق، ومواهب محلية | تحديات سنوية للطلاب حول أولويات المنطقة | جهة التكامل، وأساتذة المقررات المرتبطة |
| الشركات الكبرى في المنطقة | تدريب ميداني، ومرشدون، ورعاية | خريجون جاهزون، وحلول لمشكلاتها | مشروعات تخرج مشتركة، وبرامج إرشاد | وحدة الشراكات، والمشرفون على المشروعات |
| الجهات الوطنية للابتكار ورعاية الموهبة | برامج، ومسابقات، وتمويل | مشاركة طلابية نوعية | ربط برامجها بالمسار الممتد للطالب | رعاية الموهوبين، والمسرعة |
| المبتكرون من الخريجين | إرشاد الأقران، وقصص قريبة | انتماء، وفرص للتواصل والاستثمار | شبكة خريجين مبتكرين | شؤون الخريجين |