للعلاقة بين الابتكار والمال وجهان متلازمان: فالابتكار سبيل إلى رفع كفاءة الإنفاق، والإنفاق على الابتكار نفسه مطالب بالكفاءة. وعلى هذين الوجهين تقوم مباحث الفصل، فنبيّن كيف تقلل المعرفة المبكرة تكلفة الخطأ، ولماذا يُحتكم إلى التكلفة الكلية للحل على امتداد عمره، ولماذا تتجاوز المشروعات الكبيرة ميزانياتها، وكيف تُقدَّر الجدوى بأبعاد متعددة، وما التكاليف التي لا تظهر في أي ميزانية.
قررت جهة حكومية إعادة بناء إحدى خدماتها الرئيسة رقميًا في مشروع واحد كبير مدته ثلاث سنوات، بعد دراسة جدوى مفصلة وعقد مع شركة كبرى. وفي السنة الثالثة، كان المشروع قد تجاوز ميزانيته بنحو الضعف، وتأخر إطلاقه عامًا، وحين أُطلق اكتشف المستخدمون أن كثيرًا من الخطوات التي بُني عليها تغيرت أنظمتها خلال مدة التنفيذ. وفي الوقت نفسه، كان فريق صغير في إدارة أخرى قد اختبر خلال ستة أسابيع تعديلًا على خطوة واحدة في خدمة مشابهة، بتكلفة لا تُذكر، فاختصر مدة إنجازها إلى النصف، ثم عممه تدريجيًا على بقية الفروع.
يكمن الفرق بين المشروعين في طريقة التعامل مع عدم اليقين، أكثر مما يكمن في الكفاءة الفنية لمن نفذهما: فالأول التزم بكل شيء قبل أن يعرف، والثاني تعلّم قبل أن يلتزم. ومن هذه المفارقة ننطلق إلى تفسير ما يجعل الطريقة الثانية في الغالب أكفأ إنفاقًا، وإن بدت الأولى أكثر انضباطًا.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
تتجه الحكومات، ومنها المملكة ضمن رؤية ٢٠٣٠، إلى رفع كفاءة الإنفاق العام، أي تحقيق قيمة أكبر بالموارد المتاحة (رؤية المملكة العربية السعودية ٢٠٣٠، ٢٠١٦). وللابتكار مع هذا التوجه علاقة ذات وجهين.
فالابتكار من جهة وسيلة لكفاءة الإنفاق: فكثير من الابتكارات في القطاع العام تقلل التكلفة، أو تختصر الوقت، أو تمنع الهدر، أو تحقق نتيجة أفضل بالتكلفة نفسها. وقد كان التعديل الذي أجراه الفريق الصغير في الحالة الافتتاحية مثالًا على ذلك. ومن جهة أخرى، الإنفاق على الابتكار نفسه يحتاج إلى كفاءة: فالمراكز والمنصات والمسرعات والمشروعات الكبيرة تستهلك موارد، وقد لا تنتج ما يبرر تكلفتها.
ونجمع الوجهين في سؤال واحد: كيف تنفق المؤسسة على الابتكار بطريقة تجعل كل ريال يشتري أكبر قدر من التعلم والقيمة؟ ونبني في ذلك على ما عرضه الفصل العاشر من التمويل المرحلي ومنطق الخيارات الحقيقية، والفصل الرابع عشر من التجريب.
من أقدم الملاحظات في هندسة البرمجيات أن تكلفة تصحيح الخطأ تتزايد كلما تأخر اكتشافه. فقد بيّن بوهم أن تصحيح خطأ في المتطلبات بعد تشغيل النظام قد يكلف أضعاف تصحيحه في مرحلة تحديد المتطلبات، وقد يبلغ الفرق مئة ضعف في المشروعات الكبيرة (Boehm, 1981). ويصدق المنطق نفسه على الابتكار عامة، كما يوضح الشكل ١٧-١.
ويستنتج من ذلك مبدأ بسيط: أن الإنفاق المبكر على التعلم هو أرخص إنفاق في الابتكار. فقد درس تومكي وفوجيموتو ما سمياه التقديم المبكر لحل المشكلات في تطوير السيارات، فوجدا أن الشركات التي تكتشف المشكلات وتحلها في المراحل الأولى من التطوير، بالمحاكاة والنماذج الأولية، تختصر وقت التطوير وتكلفته مقارنة بالتي تكتشفها متأخرة (Thomke & Fujimoto, 2000).
وفي الحالة الافتتاحية، أُنفق أغلب المال بعد الالتزام، حين أصبح كل تغيير مكلفًا. أما الفريق الصغير، فأنفق القليل في منطقة التعلم الرخيص، ثم أنفق على التوسع بعد أن عرف ما ينجح. وهذا معنى فهم المشكلة قبل الحل، واختبار الافتراضات قبل البناء: فهذا أكفأ طرق إنفاق المال.
تقع المؤسسات كثيرًا في خطأ تقييم الحل بتكلفة إطلاقه وحدها: تكلفة البناء أو الشراء أو التأسيس. غير أن هذه التكلفة قد تكون الجزء الأصغر من التكلفة الحقيقية. ويقترح مفهوم التكلفة الكلية للملكية أن تُحسب تكلفة الحل على امتداد عمره: الشراء، والتشغيل، والصيانة، والتدريب، والدعم، والتحديث، والتكاليف الداخلية غير المباشرة، ثم تكلفة الإنهاء أو الاستبدال (Ellram, 1995).
ويفسر هذا المفهوم ظاهرة تتكرر في منظومات الابتكار: كيانات أُنشئت بميزانيات تأسيسية كبيرة، ثم لم تُحسب تكلفة تشغيلها السنوية، ولا الوقت البشري اللازم لتفعيلها، فبقيت قائمة بلا نشاط. فمعمل التصنيع الرقمي (فاب لاب) في جامعة يكلف، إلى جانب ثمن أجهزته، فنيين يشغلونه، ومواد استهلاكية، وصيانة، وساعات من أعضاء هيئة التدريس لإدماجه في المقررات، وجهدًا مستمرًا لاستقطاب الطلاب إليه. والمؤسسة التي تمول التأسيس وتُغفل هذه العناصر تشتري جهازًا، وتبقى المنظومة خارج حسابها. ويتصل ذلك بما عرضه الفصل الثالث عشر عن معادلة الاستدامة في نموذج العمل.
اختر كيانًا أو منصة للابتكار في مؤسستك، واحسب تكلفته الكلية في السنة الأخيرة: الميزانية المعتمدة له، ومعها وقت الموظفين الذين يعملون فيه أو معه، والتراخيص، والمساحات، والصيانة. ثم اقسم المجموع على عدد الحلول التي طُبقت فعلًا بفضله. قد يغيّر هذا الرقم طريقة نقاشكم عنه.
درس فليفبيرغ وزملاؤه قاعدة بيانات تضم أكثر من ستة عشر ألف مشروع كبير في قطاعات ودول مختلفة. فوجدوا أن نحو ثمانية ونصف في المئة منها فقط أُنجزت في حدود ميزانيتها وموعدها، وأن نحو نصف في المئة فقط أُنجزت في حدود الميزانية والموعد وحققت المنافع المتوقعة (Flyvbjerg & Gardner, 2023). وأرجعوا ذلك إلى عوامل متعددة، أبرزها تحيز التفاؤل الذي يجعل المخططين يقللون من التكاليف والمخاطر ويبالغون في المنافع، والضغط لإظهار المشروع جذابًا ليُعتمد (Flyvbjerg, 2014).
ويقترح فليفبيرغ وغاردنر عدة مبادئ للحد من ذلك، يتسق أكثرها مع منطق هذا الكتاب:
ولا يعني ذلك أن المشروعات الكبيرة خطأ في ذاتها؛ فبعض الحلول لا يمكن تقسيمها. لكنه يعني أن كل جزء يمكن اختباره صغيرًا قبل الالتزام الكبير ينبغي أن يُختبر.
تُختزل دراسات الجدوى أحيانًا في حساب مالي: التكلفة مقابل العائد. غير أن قرارات الاستثمار العام تحتاج إلى نظرة أوسع. ويقدم دليل الخزانة البريطانية لتقييم الاستثمارات العامة إطارًا من خمس حالات ينبغي أن يجيب عنها أي مقترح استثماري (HM Treasury, 2022). ويعرضها الجدول ١٧-١ مع ما يقابلها في هذا الكتاب.
| البعد | سؤاله | ما يقابله في الكتاب |
|---|---|---|
| الاستراتيجي | هل توجد حاجة حقيقية للتدخل؟ وهل يتسق مع الأولويات؟ | فهم المشكلة (ف١١)، وساحات البحث (ف٤) |
| الاقتصادي | هل هذا البديل يحقق أفضل قيمة للمجتمع مقارنة بالبدائل الأخرى، ومنها عدم التدخل؟ | مقارنة البدائل (ف١٢)، والقيمة العامة (ف١٣) |
| التجاري | هل يمكن شراء الحل أو تقديمه بشروط مناسبة وشراكات قابلة للتطبيق؟ | الموارد والشركاء في نموذج العمل (ف١٣) |
| المالي | هل التكلفة الكلية ممكنة ومغطاة على امتداد عمر الحل؟ | التكلفة الكلية (هذا الفصل)، ومعادلة الاستدامة (ف١٣) |
| الإداري | هل توجد القدرة والحوكمة اللازمتان للتنفيذ والتشغيل؟ | الحوكمة (ف١٠)، والملكية والتوسع (ف١٥) |
ونضيف إلى هذه الأبعاد، انطلاقًا من منطق هذا الكتاب، بعدًا سادسًا كثيرًا ما يُغفل: البعد الإنساني. هل يوجد من يملك الدافعية والقدرة على العمل على هذه المبادرة؟ وهل سيقبلها من سيستخدمونها ويشغلونها؟ فالمبادرة الجيدة اقتصاديًا التي لا يتبناها أحد تفشل كما تفشل المبادرة الضعيفة اقتصاديًا، وقد عرض الفصل الخامس عشر لماذا.
ويتناسب عمق الدراسة في كل بعد مع مرحلة المبادرة؛ فكما بيّن الفصل العاشر، تتدرج المعايير من الافتراضات إلى الأدلة، وتتدرج دراسة الجدوى معها: أسئلة مختصرة في بداية المبادرة، ودراسة أعمق قبل الالتزام بالتوسع.
تحسب المؤسسات ما تنفقه، ونادرًا ما تحسب ما تخسره. وفي إدارة الابتكار، توجد تكاليف كبيرة لا تظهر في أي ميزانية، يوضحها الشكل ١٧-٢.
وأثقل هذه التكاليف آخرها، وأصعبها حسابًا. فقد عرض الفصل السابع ما رواه أحد المبتكرين الناجحين عن صديق موهوب اضطر إلى وظيفة بعيدة عن شغفه فانطفأ اهتمامه بمشروعه (Alsamani, 2023). وكل مؤسسة فيها من توقف عن تقديم أفكاره لأنه تعلم أنها لا تُسمع. وهذه هي الأطروحة التي يقوم عليها هذا الكتاب في صورتها المالية؛ فالمنظومة التي تنفق على المدخلات الظاهرة وتُهمل الإنسان تدفع ثمنًا مضاعفًا: ثمن ما أنشأته، وثمن ما خسرته من قدرة الناس ورغبتهم في الابتكار.
أكفأ إنفاق على الابتكار هو الإنفاق المبكر على التعلم، والإنفاق المستمر على الإنسان. وأقل الإنفاق كفاءة هو تأسيس كيانات كبيرة قبل أن يُعرف من سيستخدمها، وكيف ستعمل، ومن سيتحمل تكلفتها.
املأ هذه الورقة لأي مبادرة أو كيان يُقترح إنشاؤه أو التوسع فيه. واحرص على أن تُحسب التكلفة على امتداد خمس سنوات على الأقل، وأن تُقارن ببديلين: بديل أصغر، وبديل عدم التدخل.
| البند | السؤال | الإجابة |
|---|---|---|
| الحاجة | ما المشكلة التي يعالجها؟ وما الدليل عليها؟ | |
| تكلفة الإطلاق | البناء أو الشراء أو التأسيس | |
| تكلفة التشغيل السنوية | الأشخاص، والصيانة، والتراخيص، والمواد، والمساحات | |
| التكلفة البشرية الداخلية | وقت الموظفين أو الأساتذة اللازم لتفعيله | |
| التكلفة الكلية لخمس سنوات | مجموع ما سبق | |
| القيمة المتوقعة | ما الذي سيتحسن؟ وكيف سيُقاس؟ (الفصل ١٦) | |
| التقدير بالفئة المرجعية | ماذا حدث في مبادرات مشابهة هنا أو في جهات أخرى؟ | |
| البديل الأصغر | ما أصغر نسخة يمكن أن تختبر القيمة أولًا؟ وكم تكلف؟ | |
| بديل عدم التدخل | ماذا يحدث إن لم نفعل شيئًا؟ | |
| البعد الإنساني | من سيعمل عليه؟ ومن سيستخدمه؟ وهل يريدونه؟ | |
| المالك ومصدر التمويل الدائم | من يتحمل التكلفة بعد السنة الأولى؟ |