كيف تستوثق المؤسسة من أن ابتكارها يحقق قيمة، ومن أن قدرتها على الابتكار تنمو؟ حول هذا السؤال تنتظم مباحث الفصل: سلسلة النتائج، ومستويات القياس الثلاثة، وقياس الإنسان والبيئة، والأخطاء التي تجعل المؤشرات تلتهم الأهداف التي وُضعت لخدمتها، وصولًا إلى مفهوم النضج.
أضافت جهة حكومية إلى مؤشرات الأداء الفردية لموظفيها مؤشرًا جديدًا: تقديم فكرتين ابتكاريتين على الأقل في السنة عبر منصة الأفكار. وفي نهاية العام، أعلنت الجهة في تقريرها السنوي أن عدد الأفكار المقدمة بلغ أربعة أمثال ما كان عليه. غير أن فريق التقييم في المنصة وجد أن أغلب الأفكار مكررة أو عامة، وأن بعضها نُسخ من منصات جهات أخرى، وأن كثيرًا منها قُدم في الأسبوع الأخير من العام. ولم يستطع الفريق تقييم هذا العدد، فتراكمت الأفكار دون رد، ومن بينها أفكار جادة قليلة ضاعت في الزحام. وفي العام التالي، تحدث الموظفون عن المنصة بوصفها إجراء شكليًا لاستيفاء المؤشر.
حقق المؤشر هدفه الرقمي، وأضر بالغاية التي وُضع من أجلها؛ إذ قاس النشاط وأغفل القيمة، وكافأ الكثرة على حساب الجودة، وأغرق النظام بما يفوق طاقته على الاستجابة. ونسعى في هذا الفصل إلى بيان كيف يُصمَّم القياس ليكون سندًا للابتكار بدل أن يشوّهه.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
يصعب قياس الابتكار لثلاثة أسباب على الأقل. فنتائجه متأخرة: قد تمضي سنوات بين الفكرة وأثرها. وغير مؤكدة: فأغلب المبادرات لا تنجح، والنجاح القليل ثمرة محفظة كاملة من المبادرات. وصعبة النسبة: فحين يتحسن أداء المؤسسة، يصعب تحديد ما يعود منه إلى ابتكار بعينه. ولهذه الأسباب تميل المؤسسات إلى قياس ما يسهل قياسه: عدد الأفكار، والفعاليات، والمشاركين، والمبالغ المنفقة.
غير أن القياس ليس أداة محايدة. فقد لاحظ هاوزر وكاتز أن المؤسسات تصبح ما تقيسه: فالمؤشرات توجه انتباه الناس وجهدهم، ويتصرفون بما يحسّن المؤشر حتى لو أضر ذلك بالغاية (Hauser & Katz, 1998). وقبل ذلك بعقود، نبه كير إلى ما سماه «حماقة مكافأة السلوك (أ) مع انتظار السلوك (ب)»: فالمؤسسات كثيرًا ما تكافئ سلوكًا، ثم تتعجب من غياب السلوك الذي كانت تريده (Kerr, 1975). والحالة الافتتاحية مثال مباشر: كوفئ تقديم الأفكار، وكان المنتظر ابتكارًا.
تساعد سلسلة النتائج، المعروفة في أدبيات التقييم بالنموذج المنطقي، على ربط ما تنفقه المؤسسة بما تحققه (W. K. Kellogg Foundation, 2004). ويوضح الشكل ١٦-١ حلقاتها مطبقة على الابتكار.
وتتركز أغلب تقارير الابتكار في الحلقتين الأوليين، لأنهما الأسهل قياسًا والأقرب إلى سيطرة المؤسسة. أما النتائج والأثر، فهي ما يهم، لكنها تتطلب جهدًا أكبر لقياسها. وقد عرض الفصل الثاني صورة من هذه الفجوة على المستوى الوطني: الفجوة بين ترتيب المملكة في مدخلات الابتكار وترتيبها في مخرجاته في مؤشر الابتكار العالمي. والمؤسسة التي تقيس مدخلاتها وأنشطتها وحدها قد ترى نفسها ناجحة وهي لا تنتج شيئًا.
وتبقى المدخلات والأنشطة ضرورية لفهم الكفاءة، على أن كل مؤشر في الحلقات الأولى يحتاج إلى أن يُقرأ مع مؤشر في الحلقات الأخيرة: فعدد الأفكار وحده لا يقول شيئًا، أما نسبة ما طُبق منها وما حققه من نتائج فتقول الكثير.
تحتاج إدارة الابتكار إلى قياس على ثلاثة مستويات، لكل منها أسئلته ومؤشراته، كما يوضح الجدول ١٦-١.
| المستوى | السؤال | مؤشرات مقترحة |
|---|---|---|
| المبادرة | هل تتعلم المبادرة ما يكفي لتستحق الاستمرار؟ | عدد الافتراضات الحرجة التي اختُبرت، وما ثبت منها وما سقط؛ كلفة كل تجربة ومدتها؛ مؤشرات النتيجة الخاصة بالمبادرة بعد التطبيق |
| المحفظة | هل تتدفق المبادرات وتتوازن وتحقق قيمة مجتمعة؟ | توزيع المبادرات على الأنواع والآفاق؛ متوسط مدة بقاء المبادرة في كل مرحلة؛ نسبة القرارات التي صدرت في موعدها؛ عدد المبادرات المتوقفة بقرار؛ نسبة ما وصل إلى التطبيق؛ القيمة المتحققة من المطبق |
| النظام والقدرة | هل تنمو قدرة المؤسسة على الابتكار المتكرر؟ | المناخ الإبداعي؛ مشاركة الوحدات المختلفة؛ زمن الرد على الأفكار؛ نسبة الأفكار التي تلقى أصحابها ردًا معللًا؛ نسبة الحلول المطبقة التي ما زالت مستخدمة بعد عام |
ويستحق مؤشران في هذا الجدول تأكيدًا خاصًا، لأنهما يقيسان ما نعدّه في هذا الكتاب من أخطر أعطال المنظومة. الأول نسبة القرارات التي صدرت في موعدها، ومعها متوسط عمر الأفكار التي لم يُتخذ فيها قرار؛ فهما يقيسان مباشرة حجم منطقة اللاقرار التي عرضها الفصل الخامس. والثاني نسبة الحلول المطبقة التي ما زالت مستخدمة بعد عام؛ فهو يميز بين التطبيق الحقيقي والتطبيق الشكلي الذي عرضه الفصل الخامس عشر.
ويُلاحظ أن مؤشرات المبادرة في مراحلها الأولى تقيس التعلّم، أما مؤشرات النتيجة فموضعها المراحل اللاحقة. فمطالبة مبادرة في مرحلة الاستكشاف بعائد مالي تشبه تطبيق معايير بوابة التوسع على بوابة الفرصة.
إذا كان الإنسان قلب منظومة الابتكار، كما نرى في هذا الكتاب، فإن قياسه جزء أصيل من قياس المنظومة. والمقصود بذلك قياس ما يعيشه الناس في بيئتهم: هل يجدون التقدير والفرصة والدعم؟ أما إحصاء ما يقدمه كل موظف من أفكار، كما في الحالة الافتتاحية، فيقيس شيئًا آخر.
وتوجد لذلك أدوات بحثية راسخة. فقد طور إيكفال مقياسًا لـالمناخ الإبداعي يقيس أبعادًا مثل التحدي، والحرية، ودعم الأفكار، والثقة والانفتاح، والوقت المتاح للأفكار، وتقبل المخاطرة، والصراع بوصفه بعدًا سلبيًا (Ekvall, 1996). وطورت أمابيل وزملاؤها أداة لقياس بيئة العمل الإبداعية، تقيس الممكّنات والمعيقات (Amabile et al., 1996). وتتيح هذه الأدوات للمؤسسة أن تعرف أين تقف، وأن تتابع أثر ما تفعله لتحسين بيئتها.
ويمكن أن تُقاس كذلك تجربة المبتكر في النظام مباشرة، بمؤشرات مستمدة من احتياجاته التي عرضها الجدول ٧-١:
وفي الجامعة، يمكن قياس ما بيّنته دراسة عن دعم أعضاء هيئة التدريس، بسؤال الطلاب عن مدى تشجيع أساتذتهم لأفكارهم الإبداعية في المقررات، وعن ثقتهم بقدراتهم الإبداعية (Alsamani & Alqahtani, 2026). فهذا قياس لحلقة في المنظومة لا يظهر في تقارير الحاضنات والمسرعات، رغم أنه يمس كل الطلاب.
اختر عشر أفكار قُدمت في مؤسستك قبل ستة أشهر، وتتبع مصير كل منها: هل صدر فيها قرار؟ متى؟ هل عرف صاحبها السبب؟ هذا القياس البسيط يقول عن نظام الابتكار أكثر مما يقوله عدد الأفكار المقدمة.
صاغ عالم النفس كامبل ملاحظة أصبحت تعرف بقانونه: كلما زاد الاعتماد على مؤشر كمي في اتخاذ القرارات الاجتماعية، زادت الضغوط لتحريفه، وزاد تشويهه للعمليات التي وُضع لمراقبتها (Campbell, 1979). وتظهر هذه الظاهرة في قياس الابتكار بصور متكررة:
ويحد من هذه الأخطاء أن تُستخدم المؤشرات حزمةً متوازنة متعددة الأبعاد، وأن تُقرأ مؤشرات النشاط مع مؤشرات النتيجة، وأن تُفصل مؤشرات التعلم عن الحوافز الفردية، وأن تُراجع المؤشرات نفسها دوريًا بسؤال: هل ما زال هذا المؤشر يخدم الغاية، أم أصبح غاية بذاته؟ وتقترح بطاقة الأداء المتوازن فكرة قريبة: ألا يُختزل الأداء في بعد واحد، وأن تُقرأ الأبعاد المختلفة معًا (Kaplan & Norton, 1992).
المؤشر الذي يُربط بحافز فردي يتوقف عن قياس الواقع ويبدأ بتشكيله. فإذا كان الهدف أن يقدم الناس أفكارًا جيدة، فقس ما يحدث لأفكارهم بعد تقديمها.
تستخدم مؤسسات كثيرة نماذج النضج لتقييم إدارة الابتكار فيها، وهي نماذج تصف مستويات متتابعة من القدرة. ويقدم الشكل ١٦-٢ صيغة مبسطة لهذه المستويات، مستمدة من منطق هذا الكتاب.
ولنماذج النضج فائدة وحدود. ففائدتها أنها تعطي المؤسسة لغة مشتركة لوصف حالها، وتحدد الخطوة التالية. وحدودها أنها قد تتحول إلى سلم يُصعد شكليًا: فتستوفي المؤسسة متطلبات المستوى على الورق، كما قد تتحول شهادة المطابقة إلى مسرح للابتكار. ويوصي الدليل الدولي لتقييم إدارة الابتكار بأن يكون التقييم وسيلة لفهم الوضع واستخلاص ما يُحسّن (ISO, 2019). والسؤال الأهم في أي تقييم للنضج ليس «في أي مستوى نحن؟»، وإنما «ما الذي يمنعنا من الابتكار المتكرر، وما الخطوة التالية لإزالته؟».
ابنِ لوحة قياس لمنظومة الابتكار في مؤسستك بمؤشرين أو ثلاثة لكل خانة، لا أكثر. وتأكد من أن كل مؤشر في عمود الأنشطة يقابله مؤشر في عمود النتائج. ثم اسأل عن كل مؤشر: كيف يمكن أن يُستوفى شكليًا؟ فإن وجدت طريقة سهلة، فأعد صياغته.
| المستوى | المدخلات والأنشطة | المخرجات | النتائج والأثر |
|---|---|---|---|
| المبادرة | كلفة التجارب ومدتها | الافتراضات المختبرة وما ثبت منها | تحسن مؤشر المشكلة لدى المستفيدين |
| المحفظة | توزيع المبادرات على الأنواع والجهات | نسبة القرارات في موعدها؛ المبادرات المتوقفة بقرار | نسبة المطبق؛ القيمة المتحققة منه |
| النظام والقدرة | المقررات التي تتضمن مشروعات ابتكارية | زمن الرد على الأفكار؛ انتقال الطلاب بين الجهات | المناخ الإبداعي؛ ثقة الطلاب بقدراتهم الإبداعية؛ استمرار الحلول بعد عام |