بهذا الفصل تبلغ رحلة المبادرة أشق مراحلها: انتقال الحل الذي نجح في التجربة إلى الاستخدام الفعلي الواسع. ونستقصي فيه الفجوة بين اعتماد الابتكار وتطبيقه، والعوامل التي تُسرّع انتشار بعض الابتكارات دون غيرها، ومخاوف من يُطلب منهم التغيير، ثم جاهزية التوسع ونقل الملكية.
طوّر مركز التميز في التعليم بإحدى الجامعات نموذجًا لواجبات المشروعات الابتكارية: يحدد فيه الطالب مشكلة حقيقية في ميدان تخصصه، ويختبر حلًا لها مع مستفيدين فعليين. وجُرّب النموذج في ثلاثة مقررات مع أساتذة متحمسين، فكانت النتائج لافتة: مشروعات جادة، وتفاعل كبير، وطلاب أحالوا مشروعاتهم إلى مسرعة الأعمال. وبعد عرض النتائج على مجلس الجامعة، صدر تعميم بتطبيق النموذج في ستين مقررًا في الفصل الدراسي التالي. وبعد عام، كان النموذج «مطبقًا» في كل المقررات على الورق: فأغلب الأساتذة أعادوا تسمية واجباتهم القديمة لتطابق النموذج، ولم يتغير ما يفعله الطلاب فعلًا.
نجح النموذج حين تبناه من اختاره، وتعثر حين فُرض على من لم يُسأل عنه، ولم يُعط الوقت ولا الدعم ليفهمه. وتتكرر هذه القصة في المؤسسات بصور شتى، وهي مدخلنا إلى فهم ما يجعل الانتقال من النجاح المحدود إلى الاستخدام الواسع أعسر مراحل الرحلة.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
تميز أدبيات التنفيذ بين اعتماد الابتكار، أي قرار المؤسسة باستخدامه، وتطبيقه، أي استخدامه الفعلي المتسق من الناس المستهدفين. وقد بيّنت كلاين وسورّا أن كثيرًا من الابتكارات تُعتمد ثم لا تُطبق، أو تُطبق تطبيقًا شكليًا. ورأتا أن فاعلية التطبيق تتوقف على أمرين: مناخ التطبيق، أي مدى ما يلمسه الناس من أن استخدام الابتكار متوقع ومدعوم ومكافأ، واتساق الابتكار مع قيمهم، أي مدى رؤيتهم له متوافقًا مع ما يؤمنون به في عملهم (Klein & Sorra, 1996). فإذا كان التطبيق متوقعًا ومطلوبًا والاتساق ضعيفًا، يمتثل الناس شكليًا دون اقتناع، وهذا ما حدث في الحالة الافتتاحية.
ويلاحظ كلاين ونايت أن كثيرًا من الابتكارات لا تفشل لأنها غير فعالة، وإنما لأنها لم تُطبق بالقدر الكافي من الجودة والاستمرار لتظهر فاعليتها (Klein & Knight, 2005). ويعني ذلك أن المؤسسة قد تحكم على ابتكار جيد بالفشل وهي في الحقيقة لم تطبقه. ولهذا يحتاج التوسع إلى إدارة تضاهي في عنايتها إدارة التطوير.
عرض الفصل الأول تعريف روجرز للابتكار. ومن أهم إسهاماته تحديد خمس خصائص للابتكار، كما يدركها المتبنون، تفسر قدرًا كبيرًا من الاختلاف في سرعة تبني الابتكارات (Rogers, 2003). ويعرضها الجدول ١٥-١ مع السؤال الذي تطرحه كل منها على فريق التوسع.
| الخاصية | معناها | سؤال التصميم |
|---|---|---|
| الميزة النسبية | مدى إدراك الناس أن الابتكار أفضل مما يستخدمونه | ما الذي يكسبه المستخدم نفسه، إلى جانب المؤسسة؟ |
| التوافق | اتساقه مع قيمهم وخبراتهم واحتياجاتهم وطريقة عملهم | ما الذي يجب أن يتخلى عنه المستخدم ليتبناه؟ |
| التعقيد | صعوبة فهمه واستخدامه | ما أبسط صورة يمكن أن يبدأ بها؟ |
| قابلية التجريب | إمكان تجربته على نطاق محدود قبل الالتزام | هل يستطيع المستخدم أن يجربه دون أن يخاطر بالكثير؟ |
| قابلية الملاحظة | وضوح نتائجه للآخرين | كيف يرى الآخرون نتائجه لدى زملائهم؟ |
وتؤكد هذه الخصائص أن مدار التبني على إدراك المتبنين لصفات الابتكار. فالنموذج في الحالة الافتتاحية كان أفضل بلا شك من منظور المركز، لكنه بدا لكثير من الأساتذة عبئًا إضافيًا معقدًا لا يتوافق مع مقررات صُممت للتلقين والاختبار، ولم تُتح لهم فرصة تجربته قبل الالتزام به. وقد وسّعت مراجعة غرينهالغ وزملائها هذه الخصائص في سياق مؤسسات الخدمات، وأضافت إليها عوامل مثل الاستعداد التنظيمي للتغيير، وقدرة المتبنين على تعديل الابتكار ليناسب سياقهم (Greenhalgh et al., 2004).
إذا كان الفصل السابع قد عرض احتياجات المبتكر، فإننا نعرض في هذا القسم احتياجات من يُطلب منه أن يتبنى ابتكار غيره. فالتبني تغيير في عمل إنسان، ويثير لديه أسئلة ومخاوف مشروعة. وقد طور هول وهورد، في سياق تطبيق الابتكارات التعليمية، نموذجًا لـمراحل المخاوف التي يمر بها الناس حين يُطلب منهم تبني ابتكار، وبيّنا أن هذه المخاوف تميل إلى التحول من مستوى إلى آخر، وقد تتداخل لدى الشخص الواحد، وأن الدعم الفعال هو الذي يستجيب للمرحلة التي يمر بها الشخص (Hall & Hord, 2015). ويوضح الشكل ١٥-١ هذه المراحل مجمّعة.
ما هذا؟ وما الذي سيتغير عليّ؟ هل أستطيع؟معلومات واضحة، وحوار عن الأثر على العمل والوقت، وطمأنة صادقة
كيف أنظم وقتي؟ كيف أتعامل مع هذه المشكلة العملية؟تدريب عملي، وأدوات جاهزة، ودعم قريب في أثناء التطبيق
هل يفيد هذا المستفيدين؟ كيف أحسّنه؟بيانات عن النتائج، وتبادل خبرات مع الزملاء، ومساحة للتطوير
والخطأ الشائع أن يُخاطَب الناس بأسئلة الأثر وهم ما زالوا في أسئلة الذات: أن تُعرض عليهم نتائج الابتكار وفوائده للمؤسسة، وهم يسألون كيف سيؤثر في وقتهم وعملهم وصورتهم أمام الآخرين. ففي الحالة الافتتاحية، عُرضت على الأساتذة نتائج المقررات الثلاثة، ولم يُسأل أحد عن الوقت الإضافي الذي سيتطلبه الإشراف على مشروعات طلاب حقيقية، ولا عن الدعم الذي يحتاجونه. فكان امتثالهم الشكلي استجابة لمخاوف لم يُجب عنها أحد، أكثر منه رفضًا للابتكار.
ويتسق ذلك مع ما عرضه الفصل الثامن عن الثقافة: فالتعميم الإداري يعمل في مستوى القيم المعلنة، بينما يبقى الافتراض الأساسي لدى الأستاذ أن التقويم السنوي والترقية لا يحتسبان هذا الجهد. وتغيير هذا الافتراض أصعب من أن يتحقق بتعميم، ويحتاج إلى آليات غرس الثقافة.
قبل أن تعمم ابتكارًا على زملائك، اجلس مع خمسة منهم ممن لم يشاركوا في تجربته، واسألهم: ما أول ما يقلقك فيه؟ ستعرف من إجاباتهم في أي مرحلة من مراحل المخاوف هم، وما الدعم الذي يحتاجونه قبل أي عرض للنتائج.
نبه الفصل الرابع عشر إلى أن التجربة في الظروف المثالية تظل صامتة عن الظروف المعتادة. ويسمي ليست هذه الظاهرة تأثير هبوط الجهد: فكثير من البرامج التي تحقق نتائج قوية في تجاربها الأولى تفقد جزءًا كبيرًا من أثرها حين تتوسع. ويرجع ذلك إلى أسباب يمكن توقعها، منها: أن النتيجة الأولى كانت إيجابية بالصدفة، وأن من شاركوا في التجربة لا يمثلون من سيستخدمون الحل لاحقًا، وأن ظروف التجربة تختلف عن ظروف التشغيل، وأن التكلفة ترتفع مع الحجم بدل أن تنخفض (List, 2022).
وفي الحالة الافتتاحية، اجتمع أكثر هذه الأسباب: فأساتذة المقررات الثلاثة متحمسون اختاروا التجربة، وأساتذة المقررات الستين لم يختاروها؛ والمقررات الثلاثة حظيت بدعم المركز المباشر، والستون لم تحظ به. ولذلك تُطرح قبل التوسع أسئلة الجاهزية: هل اختُبر الحل في ظروف تمثل الواقع؟ هل يعمل مع من لم يختاروه؟ ما تكلفته الفعلية بلا دعم استثنائي؟ من سيملكه ويشغله؟
ومن أهم ما يُحدد قبل التوسع التمييز بين جوهر الحل وأطرافه. فقد لاحظت مراجعة غرينهالغ وزملائها أن الابتكارات التي لها جوهر ثابت محدد وأطراف مرنة يمكن تعديلها تنتشر بسهولة أكبر من الابتكارات الجامدة كليًا أو المرنة كليًا (Greenhalgh et al., 2004). فالجوهر هو ما يجب أن يبقى كما هو لتبقى القيمة، والأطراف هي ما يمكن لكل وحدة أن تكيفه مع سياقها. ويوضح الشكل ١٥-٢ هذا التمييز.
ولو حُدد الجوهر بهذا الوضوح في الحالة الافتتاحية، لاستطاع كل أستاذ أن يكيف النموذج مع مقرره دون أن يفقد قيمته، ولأمكن التمييز بين التطبيق الحقيقي والتطبيق الشكلي بسؤال واحد: هل بقي الجوهر؟
يكثر في المؤسسات أن يطور فريق الابتكار حلًا، ثم «يسلمه» إلى الجهة التي ستشغله، فلا تتبناه. وقد عرضت الحالة الافتتاحية للفصل الثالث عشر صورة من ذلك. والسبب أن الملكية تُبنى في أثناء الرحلة، ولا تُسلَّم في نهايتها. ويتطلب بناؤها:
ولهذا كان «صوت التشغيل» أحد الأدوار الخمسة في فريق الابتكار، وكان سؤال «من سيشغله؟» من أسئلة بوابة التوسع.
للتوسع صور أوسع من الانتقال من وحدة واحدة إلى المؤسسة كلها دفعة واحدة؛ إذ يمكن التمييز بين ثلاثة مسارات، تتفاوت في سرعتها ومخاطرها:
وفي الجامعة، نقترح أن يبدأ إدماج الابتكار في المقررات بعدد محدود من المقررات المشتركة بين التخصصات، ثم يتوسع بالجذب والتدرج معًا: يُتاح النموذج للأساتذة الراغبين مع دعم من مركز التميز، وتُعرض مشروعات طلابهم في يوم الابتكار السنوي، ويُحتسب الإشراف عليها في التقويم السنوي. فإذا رأى الأساتذة الآخرون النتائج لدى زملائهم، ووجدوا الدعم والتقدير، تبنوه عن اقتناع. ونعود إلى هذا التصميم في الفصل العشرين.
التعميم الإداري يصنع الامتثال، والاقتناع يصنع التبني. وأسرع طريق إلى الامتثال الشكلي أن يُفرض ابتكار على من لم يُسأل عنه، ولم يُعط ما يحتاجه ليفهمه.
أجب عن الأسئلة التالية قبل أي قرار بالتوسع، وضع لكل بعد تقديرًا: جاهز، أو جاهز جزئيًا، أو غير جاهز. والبعد غير الجاهز يحدد ما يجب عمله قبل التوسع أو في أثنائه، دون أن يستلزم إيقافه بالضرورة.
| البعد | سؤال الفحص | التقدير |
|---|---|---|
| الدليل | هل اختُبر الحل في ظروف تمثل الواقع، ومع من لم يختاروه؟ | |
| الجوهر والأطراف | هل حُدد ما يجب أن يبقى ثابتًا وما يمكن تكييفه؟ | |
| الخصائص المدركة | هل يرى المتبنون ميزته، وتوافقه، وبساطته؟ وهل يستطيعون تجربته؟ | |
| مخاوف المتبنين | هل نعرف مخاوفهم الحالية؟ وهل الدعم مصمم لها؟ | |
| مناخ التطبيق | هل يُتوقع استخدام الحل ويُدعم ويُقدَّر في الأنظمة الرسمية؟ | |
| التكلفة | ما التكلفة الفعلية للتشغيل دون دعم استثنائي؟ ومن يتحملها؟ | |
| الملكية | من يملك الحل؟ وهل شارك في تطويره؟ وهل أُدمج في ميزانيته وإجراءاته؟ | |
| المسار | هل اختير مسار التوسع المناسب: متدرج، أو بالجذب، أو شامل؟ | |
| المتابعة | كيف سنعرف أن التطبيق حقيقي لا شكلي؟ |