بين الفكرة والاستثمار الكبير مسافةٌ من الافتراضات، والتجريب هو ما يحوّلها إلى معرفة قبل أن تلتزم المؤسسة بشيء يصعب الرجوع عنه. وفي هذا الأفق نتدرج من ترتيب الافتراضات بحسب خطورتها، إلى أنواع الاختبارات المتاحة، فتصميم تجربة تُثمر تعلّمًا حقيقيًا، ونختم بالأخطاء الشائعة في التجارب الميدانية.
طورت جهة خدمية نظامًا جديدًا لحجز المواعيد في فروعها، واختارت لتجربته فرعها الرئيس في العاصمة: أحدث الفروع، وأكثرها موظفين، وأقربها إلى فريق المشروع. وخُصص للتجربة ثلاثة موظفين إضافيين لمساعدة المراجعين، وحضر فريق التطوير يوميًا لحل أي مشكلة فورًا. وبعد ثلاثة أشهر، أُعلن نجاح التجربة: انخفض وقت الانتظار، وارتفع رضا المراجعين. ثم عُمم النظام على أربعين فرعًا. وفي أغلبها، تعطل العمل أسابيع: فالفروع الصغيرة لم يكن لديها من يساعد المراجعين، وشبكات بعضها أبطأ، ولم يكن فريق التطوير قادرًا على الحضور في كل مكان.
لم تكن التجربة فاشلة؛ كانت مصممة لتنجح. فقد اختُبر النظام في أفضل الظروف الممكنة، فأثبتت التجربة أنه يعمل في تلك الظروف، وبقيت صامتة عن الظروف التي سيعمل فيها فعلًا. وعلى هذا الفرق بين تجربة تُثبت وأخرى تُعلّم تدور مادة الفصل.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
في المشروعات المعتادة، تُبنى الخطة على معرفة، ويُقاس النجاح بالالتزام بها. أما في الابتكار، فتُبنى الخطة الأولى على افتراضات أكثر مما تُبنى على معرفة. وقد لاحظ ماكغراث وماكميلان أن كثيرًا من المشروعات الجديدة تفشل لأن أصحابها يعاملون افتراضاتهم كأنها حقائق، ثم يكتشفون خطأها بعد أن يكونوا قد استثمروا كل شيء. واقترحا ما سمياه التخطيط الموجه بالاكتشاف: أن تُكتب الافتراضات صراحة، وأن تُرتب المراحل بحيث تختبر كل مرحلة أهم الافتراضات قبل الانتقال إلى ما بعدها، فتتحول الافتراضات تدريجيًا إلى معرفة (McGrath & MacMillan, 1995).
وتؤيد الأدلة التجريبية هذا النهج. فقد أجرى كاموفو وزملاؤه تجربة عشوائية على مئة وست عشرة شركة ناشئة في إيطاليا، تلقى نصفها تدريبًا على اتخاذ القرارات بمنهج علمي: صياغة الفرضيات، واختبارها، والحكم على النتائج. فكانت الشركات المدرّبة أكثر ميلًا إلى تغيير اتجاهها أو التوقف حين لم تؤيد الأدلة فكرتها، وحققت إيرادات أعلى (Camuffo et al., 2020). فالمنهج التجريبي يترك احتمال نجاح الفكرة الأولى على حاله، وتكمن فائدته في معرفة متى يجب تغييرها.
وهذا هو المنطق الذي قامت عليه بوابات الفصل العاشر والتمويل المرحلي: فكل مرحلة تشتري معرفة تقلل عدم اليقين، وتُموَّل المرحلة التالية بحسب ما تعلمه الفريق. والتجريب هو الأداة التي يشتري بها الفريق هذه المعرفة. ويتسق ذلك مع مبدأ «إدارة عدم اليقين» من مبادئ إدارة الابتكار: التعامل مع المخاطر بمواجهتها والتعلم منها.
انتهى الفصل الثاني عشر بمفهوم قابل للاختبار يعلن افتراضاته الحرجة، ونبّه الفصل الثالث عشر إلى أن نموذج العمل نفسه يقوم على افتراضات. ويبدأ التجريب بجمع هذه الافتراضات كلها، ثم ترتيبها. ويمكن تصنيفها بحسب عدسات التقييم الأربع: افتراضات الرغبة (هل يريد الناس الحل؟)، والإمكان (هل يمكن بناؤه وتشغيله؟)، والاستدامة (هل يمكن أن يستمر؟)، والمسؤولية (هل هو عادل وآمن؟).
واختبار الافتراضات كلها دفعة واحدة متعذر وغير مُجدٍ. فالأولوية للافتراضات التي تجمع صفتين: أنها مهمة، أي أن خطأها يُسقط المبادرة كلها، وأن الدليل عليها ضعيف. ويقترح بلاند وأوسترفالدر ترتيبها على هذين البعدين (Bland & Osterwalder, 2019)، كما يوضح الشكل ١٤-١.
وتميل الفرق إلى البدء بما يسهل اختباره قبل ما يجب اختباره. فالفريق التقني يختبر الإمكان لأنه يجيده، ويؤجل افتراض الرغبة لأنه يتطلب الخروج إلى الناس. والنتيجة حل يعمل تقنيًا ولا يستخدمه أحد. وترتيب الافتراضات بهذا الشكل يقدّم الخطر على السهولة.
تتفاوت الاختبارات في كلفتها وفي قوة الدليل الذي تقدمه. ومبدأ الاختيار بسيط: ابدأ بأرخص اختبار يمكن أن يُسقط الافتراض، ولا تصعد إلى اختبار أكلف إلا إذا صمد الافتراض في الأرخص. ويوضح الشكل ١٤-٢ سلمًا لهذه الاختبارات.
وتتطلب كل درجة في السلم نموذجًا أوليًا بصورة ما. وقد نبه هود وهيل إلى أن السؤال الأهم في تصميم النموذج الأولي ليس «ما الذي نبنيه؟»، وإنما «ما الذي نريد أن نعرفه؟». وميّزا بين نماذج تختبر دور الحل في حياة المستخدم، ونماذج تختبر شكله وطريقة التفاعل معه، ونماذج تختبر طريقة تنفيذه تقنيًا (Houde & Hill, 1997). فلكل سؤال نموذجه: ما يجيب عن سؤال الإمكان يقصر عن سؤال الرغبة، وإتقان نموذج يجيب عن سؤال خاطئ هدر.
ومن أوسع المفاهيم انتشارًا في هذا الباب المنتج الأولي الكافي، أي أصغر نسخة من المنتج تتيح للفريق أن يتعلم أكبر قدر ممكن عن المستخدمين بأقل جهد (Ries, 2011). والكلمة المهمة في التعريف «يتعلم»: فالنسخة الأولية أداة لاختبار افتراض، لا نسخة منقوصة من المنتج النهائي تُطلق ثم يُضاف إليها.
قبل أن يطلب فريقك ميزانية لبناء نسخة أولية، اسأله: ما الافتراض الذي ستختبره هذه النسخة؟ وهل يوجد اختبار أرخص في درجة أدنى من السلم يمكن أن يُسقطه؟ كثير من الأسئلة تُجاب بمحادثات أو بتقديم يدوي للخدمة قبل كتابة أي برمجة.
الفرق بين تجربة تعلّم وتجربة تُثبت يكمن في التصميم قبل البدء. وتحتاج التجربة الجيدة إلى خمسة عناصر تُحدد مسبقًا:
والمقارنة أصعب هذه العناصر وأكثرها إهمالًا في القطاع العام. وقد دعا فريق الرؤى السلوكية في الحكومة البريطانية إلى استخدام التجارب العشوائية المقارنة في السياسات العامة، وبيّن أنها أقل كلفة وتعقيدًا مما يُظن في كثير من الحالات، وأنها تتيح للجهات أن تعرف ما الذي ينجح فعلًا قبل تعميمه (Haynes et al., 2012). وحين يتعذر التوزيع العشوائي، تبقى المقارنة بفروع أو فترات مشابهة أفضل بكثير من غيابها.
وفي الجامعة، يمكن أن تصبح هذه العناصر جزءًا من المشروعات التطبيقية في المقررات: فبدل أن يقدم الطالب حلًا ويدافع عنه، يقدم فرضية ويختبرها مع مستخدمين حقيقيين، ويُقيَّم على جودة التجربة وما تعلمه منها، حتى لو رُفضت فرضيته. وهذا يربط المقرر بمنظومة الابتكار، ويعلّم الطالب المنهج قبل أن يعلمه النتيجة.
التجربة الميدانية أعلى درجات السلم وأكلفها، وتُجرى حين تكون الافتراضات الأساسية قد صمدت في الاختبارات الأرخص. ووظيفتها أن تكشف كيف يعمل الحل في ظروف التشغيل الحقيقية، فهي أداة تعلّم أكثر منها أداة إثبات. وتتكرر فيها أخطاء معروفة:
ولكل تجربة ميدانية ثلاث نتائج ممكنة، كلها مفيدة إذا كانت التجربة مصممة جيدًا: أن يُعمم الحل، أو أن يُعدل ويُختبر مرة أخرى، أو أن يُوقف. ويتناول الفصل الخامس عشر الانتقال من التجربة إلى التوسع.
التجربة التي لا يمكن أن تفشل لا تُعلّم شيئًا. فإذا لم يستطع الفريق أن يحدد قبل البدء النتيجة التي ستجعله يوقف المبادرة أو يعدلها، فما يجريه عرض توضيحي، وإن سُمّي تجربة.
تكشف المؤسسات التي تجرب على نطاق واسع حقيقة تبدو محبطة: أن أغلب الأفكار تخفق. فقد ذكر كوهافي وتومكي أن نسبة التجارب التي تحقق نتائج إيجابية في محركات بحث كبرى تتراوح بين عشرة وعشرين في المئة فقط، وأن تغييرات صغيرة لم يتوقع أحد أثرها حققت أحيانًا عوائد كبيرة، كتعديل في طريقة عرض عناوين الإعلانات رفع إيرادات أحد المحركات بنحو اثني عشر في المئة (Kohavi & Thomke, 2017). ودلالة ذلك أن الخبرة والحدس، مهما بلغت قيمتهما، يظلان محتاجين إلى الاختبار، وأن المؤسسة التي تنفذ أفكارها دون اختبار تنفذ معها كثيرًا من الأفكار غير النافعة.
وثقافة التجريب أوسع من أدواتها؛ فهي تحتاج إلى ما عرضه الفصل الثامن: أمان نفسي يسمح للفريق بإعلان أن فرضيته رُفضت، وتمييز بين الفشل الذكي والفشل الذي يمكن تجنبه، وقيادة تسأل «ماذا تعلمنا؟» قبل أن تسأل «لماذا فشلنا؟». وتحتاج كذلك إلى احترام الناس الذين تُجرى عليهم التجارب: فالمستفيد من خدمة عامة ليس موضوع اختبار، وله حق في المعرفة والحماية من الضرر. ويتناول الفصل التاسع عشر أخلاقيات التجريب على الناس.
اكتب بطاقة لكل تجربة قبل أن تبدأ، واطلب من شخص من خارج الفريق أن يراجعها. وبعد انتهاء التجربة، أكمل الخانتين الأخيرتين دون تعديل ما كُتب قبلها.
| البند | السؤال | المثال |
|---|---|---|
| الافتراض المختبر | أي افتراض حرج تختبره التجربة؟ | أن الفروع ذات الموارد المعتادة تستطيع تشغيل النظام دون دعم إضافي |
| الفرضية | نعتقد أن... ستفعل... لأن... | نعتقد أن مراجعي فرع متوسط سيحجزون مواعيدهم دون مساعدة لأن الواجهة بسيطة |
| نوع الاختبار | أي درجة في السلم؟ ولماذا؟ | تجربة ميدانية في فرعين: متوسط وصغير |
| المقياس | ما السلوك الذي سنقيسه؟ | نسبة الحجوزات المكتملة دون تدخل موظف، ووقت الانتظار |
| معيار النجاح | ما الرقم الذي يؤيد الفرضية؟ (يُحدد قبل البدء) | سبعون في المئة من الحجوزات دون تدخل، وانخفاض وقت الانتظار بالربع |
| المقارنة | بماذا نقارن؟ | فرعان مشابهان يعملان بالنظام القديم في الفترة نفسها |
| المدة والحدود | متى تنتهي؟ وعلى من تُطبق؟ | ستة أسابيع، في الفرعين فقط، دون موظفين إضافيين |
| شروط الإيقاف | ما الذي يوقف التجربة مبكرًا؟ | تضاعف وقت الانتظار أسبوعين متتاليين |
| المالك المستقبلي | من سيتبنى الحل إن نجح؟ وهل يشارك؟ | إدارة الفروع، ممثلة في فريق التجربة |
| النتيجة | ماذا حدث؟ (بعد التجربة) | |
| ما تعلمناه والقرار | هل نعمم، أم نعدل، أم نوقف؟ |