د. عمر عبدالله الصمعاني/المكتبة المفتوحة/إدارة الابتكار Englishتحميل الفصل PDF
الفصل الرابع عشر

التجريب وتقليل المخاطر

بين الفكرة والاستثمار الكبير مسافةٌ من الافتراضات، والتجريب هو ما يحوّلها إلى معرفة قبل أن تلتزم المؤسسة بشيء يصعب الرجوع عنه. وفي هذا الأفق نتدرج من ترتيب الافتراضات بحسب خطورتها، إلى أنواع الاختبارات المتاحة، فتصميم تجربة تُثمر تعلّمًا حقيقيًا، ونختم بالأخطاء الشائعة في التجارب الميدانية.

مدخل

حالة افتتاحية: نظام مواعيد (حالة مركّبة)

طورت جهة خدمية نظامًا جديدًا لحجز المواعيد في فروعها، واختارت لتجربته فرعها الرئيس في العاصمة: أحدث الفروع، وأكثرها موظفين، وأقربها إلى فريق المشروع. وخُصص للتجربة ثلاثة موظفين إضافيين لمساعدة المراجعين، وحضر فريق التطوير يوميًا لحل أي مشكلة فورًا. وبعد ثلاثة أشهر، أُعلن نجاح التجربة: انخفض وقت الانتظار، وارتفع رضا المراجعين. ثم عُمم النظام على أربعين فرعًا. وفي أغلبها، تعطل العمل أسابيع: فالفروع الصغيرة لم يكن لديها من يساعد المراجعين، وشبكات بعضها أبطأ، ولم يكن فريق التطوير قادرًا على الحضور في كل مكان.

لم تكن التجربة فاشلة؛ كانت مصممة لتنجح. فقد اختُبر النظام في أفضل الظروف الممكنة، فأثبتت التجربة أنه يعمل في تلك الظروف، وبقيت صامتة عن الظروف التي سيعمل فيها فعلًا. وعلى هذا الفرق بين تجربة تُثبت وأخرى تُعلّم تدور مادة الفصل.

أهداف الفصل

يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:

  1. تفسير التجريب بوصفه وسيلة لتحويل الافتراضات إلى معرفة وتقليل عدم اليقين.
  2. ترتيب افتراضات المبادرة بحسب أهميتها وقوة الدليل عليها.
  3. اختيار نوع الاختبار المناسب لكل افتراض ومرحلة.
  4. تصميم تجربة بفرضية ومقياس ومعيار نجاح محددة مسبقًا.
  5. تجنب الأخطاء الشائعة في التجارب الميدانية.

١٤-١إدارة عدم اليقين بالتعلم

في المشروعات المعتادة، تُبنى الخطة على معرفة، ويُقاس النجاح بالالتزام بها. أما في الابتكار، فتُبنى الخطة الأولى على افتراضات أكثر مما تُبنى على معرفة. وقد لاحظ ماكغراث وماكميلان أن كثيرًا من المشروعات الجديدة تفشل لأن أصحابها يعاملون افتراضاتهم كأنها حقائق، ثم يكتشفون خطأها بعد أن يكونوا قد استثمروا كل شيء. واقترحا ما سمياه التخطيط الموجه بالاكتشاف: أن تُكتب الافتراضات صراحة، وأن تُرتب المراحل بحيث تختبر كل مرحلة أهم الافتراضات قبل الانتقال إلى ما بعدها، فتتحول الافتراضات تدريجيًا إلى معرفة (McGrath & MacMillan, 1995).

وتؤيد الأدلة التجريبية هذا النهج. فقد أجرى كاموفو وزملاؤه تجربة عشوائية على مئة وست عشرة شركة ناشئة في إيطاليا، تلقى نصفها تدريبًا على اتخاذ القرارات بمنهج علمي: صياغة الفرضيات، واختبارها، والحكم على النتائج. فكانت الشركات المدرّبة أكثر ميلًا إلى تغيير اتجاهها أو التوقف حين لم تؤيد الأدلة فكرتها، وحققت إيرادات أعلى (Camuffo et al., 2020). فالمنهج التجريبي يترك احتمال نجاح الفكرة الأولى على حاله، وتكمن فائدته في معرفة متى يجب تغييرها.

وهذا هو المنطق الذي قامت عليه بوابات الفصل العاشر والتمويل المرحلي: فكل مرحلة تشتري معرفة تقلل عدم اليقين، وتُموَّل المرحلة التالية بحسب ما تعلمه الفريق. والتجريب هو الأداة التي يشتري بها الفريق هذه المعرفة. ويتسق ذلك مع مبدأ «إدارة عدم اليقين» من مبادئ إدارة الابتكار: التعامل مع المخاطر بمواجهتها والتعلم منها.

١٤-٢الافتراضات الحرجة وترتيبها

انتهى الفصل الثاني عشر بمفهوم قابل للاختبار يعلن افتراضاته الحرجة، ونبّه الفصل الثالث عشر إلى أن نموذج العمل نفسه يقوم على افتراضات. ويبدأ التجريب بجمع هذه الافتراضات كلها، ثم ترتيبها. ويمكن تصنيفها بحسب عدسات التقييم الأربع: افتراضات الرغبة (هل يريد الناس الحل؟)، والإمكان (هل يمكن بناؤه وتشغيله؟)، والاستدامة (هل يمكن أن يستمر؟)، والمسؤولية (هل هو عادل وآمن؟).

واختبار الافتراضات كلها دفعة واحدة متعذر وغير مُجدٍ. فالأولوية للافتراضات التي تجمع صفتين: أنها مهمة، أي أن خطأها يُسقط المبادرة كلها، وأن الدليل عليها ضعيف. ويقترح بلاند وأوسترفالدر ترتيبها على هذين البعدين (Bland & Osterwalder, 2019)، كما يوضح الشكل ١٤-١.

أهمية الافتراض لنجاح المبادرة
اختبر أولًامهم، والدليل عليه ضعيف. هنا تكمن المخاطرة الحقيقية.
راقبمهم، والدليل عليه قوي. يكفي التحقق الدوري من أنه ما زال صحيحًا.
اختبر لاحقًاأقل أهمية، والدليل عليه ضعيف. لا يُستثمر فيه قبل اختبار الأهم.
تجاهل الآنأقل أهمية، والدليل عليه قوي.
قوة الدليل المتوفر ←
شكل ١٤-١ ترتيب الافتراضات بحسب أهميتها وقوة الدليل عليها، بتصرف عن Bland & Osterwalder (2019). الصف الأعلى أهمية عالية، والعمود الأيسر دليل قوي.

وتميل الفرق إلى البدء بما يسهل اختباره قبل ما يجب اختباره. فالفريق التقني يختبر الإمكان لأنه يجيده، ويؤجل افتراض الرغبة لأنه يتطلب الخروج إلى الناس. والنتيجة حل يعمل تقنيًا ولا يستخدمه أحد. وترتيب الافتراضات بهذا الشكل يقدّم الخطر على السهولة.

١٤-٣سلّم الاختبارات

تتفاوت الاختبارات في كلفتها وفي قوة الدليل الذي تقدمه. ومبدأ الاختيار بسيط: ابدأ بأرخص اختبار يمكن أن يُسقط الافتراض، ولا تصعد إلى اختبار أكلف إلا إذا صمد الافتراض في الأرخص. ويوضح الشكل ١٤-٢ سلمًا لهذه الاختبارات.

أقل كلفة، ودليل أضعفأعلى كلفة، ودليل أقوى ↓
محادثات ومقابلاتهل المشكلة حقيقية؟ ماذا يفعل الناس اليوم؟ (الفصل ١١)
نموذج ورقي أو رسمهل يفهم الناس الفكرة؟ ما أول ما يعترضون عليه؟
تقديم يدوي للخدمةيقدم الفريق الخدمة يدويًا لعدد قليل من المستفيدين قبل أتمتتها، ليعرف هل يستخدمونها فعلًا
نسخة أولية محدودةأقل نسخة تكفي لاختبار القيمة الأساسية مع مستخدمين حقيقيين
تجربة مقارنةمقارنة الحل ببديل أو بالوضع القائم، مع مجموعة مقارنة كلما أمكن
تجربة ميدانيةتطبيق الحل في ظروف التشغيل الحقيقية بحدود زمنية ومكانية واضحة
شكل ١٤-٢ سلّم الاختبارات من الأرخص إلى الأكلف. إعداد المؤلف.

وتتطلب كل درجة في السلم نموذجًا أوليًا بصورة ما. وقد نبه هود وهيل إلى أن السؤال الأهم في تصميم النموذج الأولي ليس «ما الذي نبنيه؟»، وإنما «ما الذي نريد أن نعرفه؟». وميّزا بين نماذج تختبر دور الحل في حياة المستخدم، ونماذج تختبر شكله وطريقة التفاعل معه، ونماذج تختبر طريقة تنفيذه تقنيًا (Houde & Hill, 1997). فلكل سؤال نموذجه: ما يجيب عن سؤال الإمكان يقصر عن سؤال الرغبة، وإتقان نموذج يجيب عن سؤال خاطئ هدر.

ومن أوسع المفاهيم انتشارًا في هذا الباب المنتج الأولي الكافي، أي أصغر نسخة من المنتج تتيح للفريق أن يتعلم أكبر قدر ممكن عن المستخدمين بأقل جهد (Ries, 2011). والكلمة المهمة في التعريف «يتعلم»: فالنسخة الأولية أداة لاختبار افتراض، لا نسخة منقوصة من المنتج النهائي تُطلق ثم يُضاف إليها.

تطبيق مهني

قبل أن يطلب فريقك ميزانية لبناء نسخة أولية، اسأله: ما الافتراض الذي ستختبره هذه النسخة؟ وهل يوجد اختبار أرخص في درجة أدنى من السلم يمكن أن يُسقطه؟ كثير من الأسئلة تُجاب بمحادثات أو بتقديم يدوي للخدمة قبل كتابة أي برمجة.

١٤-٤تصميم تجربة تعلّم

الفرق بين تجربة تعلّم وتجربة تُثبت يكمن في التصميم قبل البدء. وتحتاج التجربة الجيدة إلى خمسة عناصر تُحدد مسبقًا:

والمقارنة أصعب هذه العناصر وأكثرها إهمالًا في القطاع العام. وقد دعا فريق الرؤى السلوكية في الحكومة البريطانية إلى استخدام التجارب العشوائية المقارنة في السياسات العامة، وبيّن أنها أقل كلفة وتعقيدًا مما يُظن في كثير من الحالات، وأنها تتيح للجهات أن تعرف ما الذي ينجح فعلًا قبل تعميمه (Haynes et al., 2012). وحين يتعذر التوزيع العشوائي، تبقى المقارنة بفروع أو فترات مشابهة أفضل بكثير من غيابها.

وفي الجامعة، يمكن أن تصبح هذه العناصر جزءًا من المشروعات التطبيقية في المقررات: فبدل أن يقدم الطالب حلًا ويدافع عنه، يقدم فرضية ويختبرها مع مستخدمين حقيقيين، ويُقيَّم على جودة التجربة وما تعلمه منها، حتى لو رُفضت فرضيته. وهذا يربط المقرر بمنظومة الابتكار، ويعلّم الطالب المنهج قبل أن يعلمه النتيجة.

١٤-٥التجربة الميدانية وأخطاؤها

التجربة الميدانية أعلى درجات السلم وأكلفها، وتُجرى حين تكون الافتراضات الأساسية قد صمدت في الاختبارات الأرخص. ووظيفتها أن تكشف كيف يعمل الحل في ظروف التشغيل الحقيقية، فهي أداة تعلّم أكثر منها أداة إثبات. وتتكرر فيها أخطاء معروفة:

ولكل تجربة ميدانية ثلاث نتائج ممكنة، كلها مفيدة إذا كانت التجربة مصممة جيدًا: أن يُعمم الحل، أو أن يُعدل ويُختبر مرة أخرى، أو أن يُوقف. ويتناول الفصل الخامس عشر الانتقال من التجربة إلى التوسع.

تنبيه

التجربة التي لا يمكن أن تفشل لا تُعلّم شيئًا. فإذا لم يستطع الفريق أن يحدد قبل البدء النتيجة التي ستجعله يوقف المبادرة أو يعدلها، فما يجريه عرض توضيحي، وإن سُمّي تجربة.

١٤-٦ثقافة التجريب

تكشف المؤسسات التي تجرب على نطاق واسع حقيقة تبدو محبطة: أن أغلب الأفكار تخفق. فقد ذكر كوهافي وتومكي أن نسبة التجارب التي تحقق نتائج إيجابية في محركات بحث كبرى تتراوح بين عشرة وعشرين في المئة فقط، وأن تغييرات صغيرة لم يتوقع أحد أثرها حققت أحيانًا عوائد كبيرة، كتعديل في طريقة عرض عناوين الإعلانات رفع إيرادات أحد المحركات بنحو اثني عشر في المئة (Kohavi & Thomke, 2017). ودلالة ذلك أن الخبرة والحدس، مهما بلغت قيمتهما، يظلان محتاجين إلى الاختبار، وأن المؤسسة التي تنفذ أفكارها دون اختبار تنفذ معها كثيرًا من الأفكار غير النافعة.

وثقافة التجريب أوسع من أدواتها؛ فهي تحتاج إلى ما عرضه الفصل الثامن: أمان نفسي يسمح للفريق بإعلان أن فرضيته رُفضت، وتمييز بين الفشل الذكي والفشل الذي يمكن تجنبه، وقيادة تسأل «ماذا تعلمنا؟» قبل أن تسأل «لماذا فشلنا؟». وتحتاج كذلك إلى احترام الناس الذين تُجرى عليهم التجارب: فالمستفيد من خدمة عامة ليس موضوع اختبار، وله حق في المعرفة والحماية من الضرر. ويتناول الفصل التاسع عشر أخلاقيات التجريب على الناس.

أداة الفصل: بطاقة التجربة

اكتب بطاقة لكل تجربة قبل أن تبدأ، واطلب من شخص من خارج الفريق أن يراجعها. وبعد انتهاء التجربة، أكمل الخانتين الأخيرتين دون تعديل ما كُتب قبلها.

أداة الفصل بطاقة التجربة (مثال من الحالة الافتتاحية، كما كان ينبغي أن تُصمم)
البندالسؤالالمثال
الافتراض المختبرأي افتراض حرج تختبره التجربة؟أن الفروع ذات الموارد المعتادة تستطيع تشغيل النظام دون دعم إضافي
الفرضيةنعتقد أن... ستفعل... لأن...نعتقد أن مراجعي فرع متوسط سيحجزون مواعيدهم دون مساعدة لأن الواجهة بسيطة
نوع الاختبارأي درجة في السلم؟ ولماذا؟تجربة ميدانية في فرعين: متوسط وصغير
المقياسما السلوك الذي سنقيسه؟نسبة الحجوزات المكتملة دون تدخل موظف، ووقت الانتظار
معيار النجاحما الرقم الذي يؤيد الفرضية؟ (يُحدد قبل البدء)سبعون في المئة من الحجوزات دون تدخل، وانخفاض وقت الانتظار بالربع
المقارنةبماذا نقارن؟فرعان مشابهان يعملان بالنظام القديم في الفترة نفسها
المدة والحدودمتى تنتهي؟ وعلى من تُطبق؟ستة أسابيع، في الفرعين فقط، دون موظفين إضافيين
شروط الإيقافما الذي يوقف التجربة مبكرًا؟تضاعف وقت الانتظار أسبوعين متتاليين
المالك المستقبليمن سيتبنى الحل إن نجح؟ وهل يشارك؟إدارة الفروع، ممثلة في فريق التجربة
النتيجةماذا حدث؟ (بعد التجربة)
ما تعلمناه والقرارهل نعمم، أم نعدل، أم نوقف؟

خلاصة الفصل

مصطلحات الفصل

التخطيط الموجه بالاكتشافDiscovery-driven planning
تخطيط يكتب الافتراضات صراحة، ويرتب المراحل لاختبار أهمها أولًا.
الافتراض الحرجCritical assumption
افتراض يُسقط خطؤه المبادرة كلها.
النموذج الأوليPrototype
تمثيل للحل يُبنى للإجابة عن سؤال محدد عن دوره أو شكله أو تنفيذه.
المنتج الأولي الكافيMinimum viable product
أصغر نسخة من المنتج تتيح أكبر قدر من التعلم بأقل جهد.
التجربة العشوائية المقارنةRandomized controlled trial
تجربة يُوزع فيها المشاركون عشوائيًا بين الحل والبديل، لعزل أثر الحل.
التجربة الميدانيةPilot
تطبيق الحل في ظروف التشغيل الحقيقية بحدود واضحة قبل تعميمه.

أسئلة للمراجعة والمناقشة

  1. ما الفرق بين تجربة تُثبت وتجربة تُعلّم؟ وضّح إجابتك بالحالة الافتتاحية. فهم
  2. اكتب خمسة افتراضات لمبادرة تعمل عليها، ورتبها على الشكل ١٤-١. تطبيق
  3. اختر الافتراض الأول في ترتيبك، وحدد أرخص اختبار يمكن أن يُسقطه. تطبيق
  4. حلل آخر تجربة ميدانية في مؤسستك في ضوء الأخطاء الخمسة في القسم ١٤-٥. تحليل
  5. «التجارب العشوائية المقارنة ترف لا يناسب الجهات الحكومية». قوّم هذه العبارة. تقويم

مراجع الفصل

  1. Bland, D. J., & Osterwalder, A. (2019). Testing business ideas: A field guide for rapid experimentation. Wiley.
  2. Camuffo, A., Cordova, A., Gambardella, A., & Spina, C. (2020). A scientific approach to entrepreneurial decision making: Evidence from a randomized control trial. Management Science, 66(2), 564–586. https://doi.org/10.1287/mnsc.2018.3249
  3. Haynes, L., Service, O., Goldacre, B., & Torgerson, D. (2012). Test, learn, adapt: Developing public policy with randomised controlled trials. Cabinet Office Behavioural Insights Team.
  4. Houde, S., & Hill, C. (1997). What do prototypes prototype? In M. G. Helander, T. K. Landauer, & P. V. Prabhu (Eds.), Handbook of human-computer interaction (2nd ed., pp. 367–381). Elsevier.
  5. Kohavi, R., & Thomke, S. (2017). The surprising power of online experiments. Harvard Business Review, 95(5), 74–82.
  6. McGrath, R. G., & MacMillan, I. C. (1995). Discovery-driven planning. Harvard Business Review, 73(4), 44–54.
  7. Ries, E. (2011). The lean startup: How today's entrepreneurs use continuous innovation to create radically successful businesses. Crown Business.