نسلك في هذا الفصل الطريق من المشكلة المفهومة إلى حل جدير بالاختبار؛ فنبيّن كيف تُحدَّد متطلبات الحل، وكيف تُولَّد البدائل ويُفاضَل بينها، وما العوائق التي تحبس التفكير في الحل الأول، ولماذا تنزع المؤسسات إلى رفض الجديد من غير قصد، ثم كيف تستوي الفكرة مفهومًا قابلًا للاختبار.
نظمت إحدى الجهات هاكاثونًا لمدة ثمانٍ وأربعين ساعة حول سؤال: كيف يمكن تقليل هدر الطعام في المناسبات؟ وفي الساعة الأولى، اقترح أحد المشاركين في كل فريق تقريبًا تطبيقًا يربط أصحاب المناسبات بالجمعيات الخيرية، فانطلقت الفرق تبني نسخًا متقاربة منه. وقدّم فريق واحد فكرة مختلفة: تقدير كمية الطعام المطلوبة قبل المناسبة بناءً على بيانات المناسبات السابقة، لتقليل الفائض من الأصل. غير أن الفريق لم يستطع إثبات دقة التقدير في يومين، فرأت لجنة التحكيم الفكرة غير ناضجة، وفاز تطبيق مصقول يشبه تطبيقات قائمة. وبعد عام، كانت فكرة التقدير المسبق تُطبَّق في عدد من قاعات المناسبات، بمبادرة جهة أخرى.
اجتمعت في هذه الحالة ثلاث ظواهر هي موضوع هذا الفصل: تثبّت الفرق على أول حل خطر لها، وقِصر المرحلة التي يُبحث فيها عن البدائل، وميل المقيّمين إلى تفضيل المألوف المكتمل على الجديد غير المكتمل. ومردّ هذه الظواهر إلى أنماط معروفة في التفكير البشري أكثر منه إلى تقصير فردي، وفي وسع المؤسسة أن تصمم عملها على نحو يحدّ منها.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
انتهى الفصل السابق بسؤال تحدٍّ يفتح باب الحلول دون أن يحددها. وقبل أن يبدأ توليد الأفكار، يحتاج الفريق إلى خطوة وسيطة كثيرًا ما تُهمل: تحديد متطلبات الحل، أي ما يجب أن يحققه أي حل ليُعد ناجحًا، بصرف النظر عن شكله. وفي منهجيات تطوير المنتجات، تُترجم احتياجات المستخدمين إلى مواصفات مستهدفة قابلة للقياس قبل البدء في تصميم المفاهيم، لتكون مرجعًا لمقارنة البدائل (Ulrich et al., 2020).
وتنقسم المتطلبات عادة إلى نوعين: متطلبات لازمة لا يُقبل حل لا يحققها، ومتطلبات مرغوبة يُفاضَل بها بين الحلول. ففي مثال الخدمة الحكومية في الفصل السابق، قد يكون من المتطلبات اللازمة أن يعرف المراجع كل المستندات المطلوبة قبل بدء الطلب، وأن يعمل الحل لمن لا يجيد التقنية. ومن المرغوبة أن يقلل عدد المستندات نفسها.
وتحقق هذه الخطوة فائدتين. فهي تمنع الفريق من الحكم على الأفكار بالانطباع، لأنها تضع معيارًا متفقًا عليه قبل ظهور الأفكار. وهي توسع البحث، لأن المتطلب يصف ما يجب تحقيقه دون كيف، فيترك المجال لحلول مختلفة الشكل تحقق الغاية نفسها. ويُلاحظ هنا مرة أخرى منطق الاستقلالية ضمن حدود: المتطلبات حدود واضحة، والحل مساحة مفتوحة داخلها.
ميّز غيلفورد بين نوعين من التفكير: التفكير التباعدي الذي ينتج إجابات متعددة ومتنوعة لسؤال واحد، والتفكير التقاربي الذي يصل إلى الإجابة الأنسب (Guilford, 1967). ويحتاج تطوير الحلول إلى الاثنين، لكن الخلط بينهما في وقت واحد يضعفهما معًا: فالحكم على كل فكرة لحظة ظهورها يوقف تدفق الأفكار، والاستمرار في التوليد دون حسم يمنع الوصول إلى قرار. ولهذا دعا أوزبورن إلى تأجيل الحكم في مرحلة التوليد، كما عرض الفصل السابع (Osborn, 1953). ويوضح الشكل ١٢-١ هذا التعاقب.
وتقدم الأبحاث إرشادات محددة لتصميم مرحلة التوسيع. فالعصف الذهني الجماعي، على شيوعه، أقل إنتاجًا للأفكار مما يُظن. فقد وجد ديل وشتروبه أن الأفراد الذين يعملون منفردين ثم تُجمع أفكارهم ينتجون أفكارًا أكثر من العدد نفسه من الأشخاص يعملون في مجموعة تفاعلية. وكان السبب الرئيس ما سمياه إعاقة الإنتاج: فلا يتكلم في المجموعة إلا شخص واحد في كل لحظة، وينسى الآخرون أفكارهم أو يتخلون عنها وهم ينتظرون دورهم (Diehl & Stroebe, 1987).
ويظل للعمل الجماعي موضعه. فقد قارن جيروترا وتيرويش وأولريتش بين فرق تعمل مجتمعة طوال الوقت، وفرق «هجينة» يفكر أعضاؤها منفردين أولًا ثم يجتمعون لمناقشة الأفكار وتطويرها. ووجدوا أن الفرق الهجينة أنتجت أفكارًا أكثر، وكانت أفضل أفكارها أعلى جودة (Girotra et al., 2010). والقاعدة العملية: فكّر منفردًا، ثم ابنِ مع الآخرين.
ويستحق الذكاء الاصطناعي التوليدي هنا وقفة. فهو أداة قوية لتوسيع البدائل بسرعة، لكن الفصل الثاني عرض دراسة وجدت أن أفكاره رفعت إبداع كل كاتب على حدة، وجعلت النتائج أكثر تشابهًا فيما بينها (Doshi & Hauser, 2024). والتوسيع يحتاج إلى التنوع أكثر مما يحتاج إلى الكثرة. ولذلك يُستحسن أن يولّد الأفراد أفكارهم أولًا، ثم يُستعان بالذكاء الاصطناعي لتطويرها وتحديها، فلا يتحول إلى نقطة بداية مشتركة تتقارب حولها أفكار الجميع.
لم تكن الأفكار قليلة في الحالة الافتتاحية؛ فالمشكلة أن أغلب الفرق تبنت أول فكرة طُرحت، ثم أمضت بقية الوقت في تحسينها. ويسمي الباحثون هذه الظاهرة التثبّت. فقد وجد يانسون وسميث أن المصممين الذين عُرض عليهم مثال لحل قبل أن يبدؤوا، أنتجوا تصاميم تحمل خصائص ذلك المثال، بما فيها عيوبه، أكثر مما فعل من لم يُعرض عليهم أي مثال (Jansson & Smith, 1991). فالحل الأول، أو الحل المعروف، يعمل كالمغناطيس: يجذب التفكير إليه ويصعّب الابتعاد عنه.
وتساعد عدة أساليب في كسر هذا التثبت:
حين يتحمس فريقك لفكرة، اطلب منه قبل المضي فيها أن يكتب ثلاثة حلول مختلفة جذريًا للمشكلة نفسها، تتجاوز تحسين الفكرة الأولى. فإن بقيت الفكرة الأولى الأفضل بعد المقارنة، فقد اختيرت عن وعي.
تقول المؤسسات إنها تبحث عن الأفكار الجديدة، ثم ترفضها حين تراها. وقد يقع ذلك بحسن نية. فقد وجد مولر وزملاؤه أن الناس يحملون تحيزًا ضمنيًا ضد الإبداع حين يشعرون بعدم اليقين، حتى وهم يعلنون تقديرهم له، وأن هذا التحيز يضعف قدرتهم على التعرف على الفكرة الإبداعية حين تُعرض عليهم (Mueller et al., 2012). فالفكرة الجديدة بطبيعتها غير مثبتة، وعدم اليقين الذي تحمله يجعلها تبدو أضعف مما هي.
ويتأثر التقييم كذلك بمن يقيّم. فقد درس بيرغ قدرة فئات مختلفة على التنبؤ بنجاح أفكار جديدة في مجال فني، فوجد أن المبدعين كانوا أدق من المديرين في الحكم على أفكار زملائهم، وأن المديرين مالوا إلى التقليل من قيمة الأفكار الأكثر جدة. غير أن المبدعين بالغوا في تقدير أفكارهم هم (Berg, 2016). وتقترح هذه النتائج أن يشارك في التقييم من يملك خبرة قريبة من العمل الإبداعي، وأن يتوزع تقييم الفكرة على أطراف متعددة بدل أن ينفرد به صاحبها أو الإدارة.
وتفسر هذه الأبحاث نتيجة الحالة الافتتاحية: فلجنة التحكيم قارنت فكرة جديدة غير مكتملة بفكرة مألوفة مصقولة، فانتصر المألوف. ويحد من هذا التحيز أن يُقيّم كل حل بحسب مرحلته، كما بيّن الفصل العاشر في تدرج معايير البوابات: فالسؤال في هذه المرحلة ليس «هل ثبت أن الفكرة تنجح؟»، وإنما «هل تستحق أن تُختبر؟». ويجمع الشكل ١٢-٢ العدسات التي يُنظر بها إلى الحل في هذه المرحلة.
والعدسة الأولى تأتي أولًا عمدًا. فالحل الممكن تقنيًا والمستدام ماليًا يفقد قيمته إن لم يعالج مشكلة يهتم بها أحد، ووظيفة العدسات في هذه المرحلة تحديد ما يجب اختباره، قبل أي إقصاء نهائي: فالحل الذي يبدو مرغوبًا ولا يُعرف إن كان ممكنًا يحتاج إلى تجربة على الإمكان، وهكذا.
الفكرة جملة أو صورة في الذهن، أما المفهوم فوصف للحل واضح بما يكفي ليفهمه الآخرون ويختبروه. ويتضمن المفهوم الجيد: لمن الحل، وأي مشكلة يحل، وكيف يعمل في خطوطه الرئيسة، وما القيمة التي يقدمها مقارنة بالبدائل القائمة، ثم أهم من ذلك كله: الافتراضات التي يقوم عليها، أي ما يجب أن يكون صحيحًا لينجح.
ففي فكرة التقدير المسبق لكمية الطعام في الحالة الافتتاحية، تقوم الفكرة على افتراضات مثل: أن بيانات المناسبات السابقة متاحة ودقيقة بما يكفي، وأن أصحاب المناسبات سيقبلون كمية أقل مما اعتادوه، وأن القاعات لديها حافز لتقليل الكميات. وكل افتراض من هذه يمكن اختباره بتجربة صغيرة. وإعلان الافتراضات بهذا الوضوح هو ما كان سيغير حكم لجنة التحكيم: فبدل أن ترى فكرة «غير مثبتة»، كانت سترى فكرة واضحة الافتراضات وخطة لاختبارها.
ومن هنا يتفرع الطريق إلى فصلين. فإذا كان الحل يحتاج إلى نموذج مختلف لتقديم القيمة أو تمويلها، فالفصل الثالث عشر يتناول ابتكار نموذج العمل. ثم يتناول الفصل الرابع عشر كيف تُرتب الافتراضات بحسب خطورتها، وتُصمم التجارب لاختبارها بأقل كلفة.
يُحكم على الفكرة بما نعرفه عن افتراضاتها، أيًّا كانت جِدّتها أو ألفتها. والمفهوم الجيد يعلن بوضوح ما الذي يجب أن يكون صحيحًا، وكيف سنعرف.
اكتب لكل حل مرشح بطاقة مفهوم في صفحة واحدة، قبل أن يُبنى أي نموذج أولي. واعرض البطاقات على من يعيش المشكلة وعلى من سيشغل الحل. ركّز النقاش على خانة الافتراضات: أيها أخطر، وأيها لم نتحقق منه بعد.
| البند | السؤال | المثال |
|---|---|---|
| سؤال التحدي | ما السؤال الذي يجيب عنه المفهوم؟ | كيف يمكن تقليل هدر الطعام في المناسبات؟ |
| المتطلبات اللازمة | ما الذي يجب أن يحققه أي حل؟ | تقليل الفائض دون أن يشعر الضيوف بنقص |
| لمن؟ | من المستخدم، ومن المستفيد؟ | أصحاب المناسبات، وقاعات المناسبات |
| كيف يعمل؟ | الخطوط الرئيسة في جملتين أو ثلاث | تقدير الكمية المطلوبة من بيانات مناسبات مشابهة، وتقديمه عند الحجز |
| القيمة مقارنة بالبدائل | لماذا هو أفضل مما يفعله الناس اليوم؟ | يقلل الفائض من الأصل بدل التصرف فيه بعد حدوثه، ويوفر التكلفة |
| البدائل التي دُرست | ما الحلول الأخرى التي قورن بها؟ | تطبيق ربط بالجمعيات؛ عبوات للضيوف |
| العدسات | ما المعروف وغير المعروف في الرغبة والإمكان والاستدامة والمسؤولية؟ | الرغبة غير مؤكدة لدى أصحاب المناسبات؛ الإمكان يتوقف على البيانات |
| الافتراضات الحرجة | ما الذي يجب أن يكون صحيحًا لينجح؟ | توفر البيانات؛ قبول أصحاب المناسبات كمية أقل؛ حافز القاعات |
| الاختبار الأول | ما أصغر تجربة تختبر أخطر افتراض؟ | مقارنة التقدير بالاستهلاك الفعلي في عشر مناسبات |