بهذا الفصل نستهلّ رحلة المبادرة من نقطة بدئها الصحيحة: المشكلة، وهي سابقة على الفكرة. ونتتبع فيه مصادر الفرص، وسبل فهم المشكلة من منظور من يعيشها، وطرائق صياغتها وإعادة صياغتها، ثم معايير انتقاء ما يستحق الاستثمار من بين المشكلات.
تلقت جهة حكومية شكاوى متكررة من طول مدة إنجاز إحدى خدماتها. فشكّلت فريقًا لتطوير الخدمة، وانطلق الفريق من فرضية بدت بديهية: أن المشكلة في بطء النظام الإلكتروني. وبعد ثمانية أشهر وتكلفة كبيرة، أُطلق نظام أسرع بكثير، ولم تنخفض الشكاوى. وحين جلس عضو جديد في الفريق مع عدد من المراجعين، وتتبع رحلتهم خطوة خطوة، اكتشف أن أغلب التأخير لم يكن في النظام: فثلث الطلبات كانت تُعاد لأن المراجعين لا يعرفون المستندات المطلوبة، وكانوا يكتشفون ذلك بعد أيام من التقديم. وكان الحل الذي أنهى معظم الشكاوى قائمة واضحة بالمستندات تظهر قبل بدء الطلب.
لم يكن الفريق مقصرًا في عمله؛ فقد حل بكفاءة المشكلة التي حددها. لكنه حل المشكلة الخطأ. وموضوع هذا الفصل هو الخطوة التي كان ينبغي أن تسبق عمله فأُغفلت: فهم المشكلة قبل التماس حلها.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
صحح الفصل الأول تصورًا شائعًا مفاده أن الابتكار يبدأ بالأفكار، وبيّن أن البداية الأدق حاجة أو مشكلة أو فرصة، وأن الفكرة تأتي بعدها فرضيةً للحل. والحالة الافتتاحية تبين ثمن تجاهل ذلك: فالفريق بدأ بفكرة الحل، ثم استثمر فيها، ولم يراجع المشكلة إلا بعد أن فشل الحل.
ولهذه الحالة نظائر كثيرة. ففي استطلاع شمل مئة وستة من كبار التنفيذيين في إحدى وتسعين مؤسسة عامة وخاصة في سبع عشرة دولة، رأى خمسة وثمانون في المئة منهم أن مؤسساتهم ضعيفة في تشخيص المشكلات، ورأى سبعة وثمانون في المئة أن هذا الضعف يكلفها كثيرًا (Wedell-Wedellsborg, 2017). وتميل المؤسسات إلى القفز إلى الحل لأن الحل يبدو عملًا منتجًا، أما التوقف عند المشكلة فيبدو تأخيرًا.
ولاكتشاف المشكلة جانب إبداعي يغفله كثيرون. ففي دراسة كلاسيكية، تابع غتزلز وتشيكسنتميهاي طلاب فنون طُلب منهم رسم لوحة من مجموعة أشياء متاحة. فكان الطلاب الذين قضوا وقتًا أطول في استكشاف الأشياء واختيارها، وغيّروا تصورهم في أثناء العمل، أكثر أصالة في لوحاتهم بحسب تقدير المحكمين، وكانوا بعد سبع سنوات أكثر نجاحًا في مسيرتهم الفنية (Getzels & Csikszentmihalyi, 1976). فطريقة التعامل مع المشكلة قبل حلها كانت جزءًا من الإبداع نفسه. ولهذا يبدأ نموذج مسار المبتكر، الذي عرضه الفصل السابع، مرحلة التفكير بتحديد المشكلة قبل توليد الأفكار.
يرى دركر أن الابتكار المنهجي يقوم على البحث المنظم عن التغيرات التي تخلق فرصًا. وحدد سبعة مصادر لهذه الفرص، أربعة منها داخل المؤسسة أو قطاعها، وثلاثة في البيئة الأوسع (Drucker, 1985)، كما يوضح الشكل ١١-١.
ويلاحظ دركر أن المصادر الأولى أقرب وأقل مخاطرة، وأن المعرفة الجديدة، رغم جاذبيتها، أطول المصادر طريقًا إلى التطبيق وأعلاها مخاطرة. ويهم ذلك المؤسسات التي تحصر الابتكار في التقنية الجديدة؛ فكثير من الفرص الأقرب يكمن في الشكاوى، والأخطاء المتكررة، والإجراءات التي يتجاوزها الناس، والنتائج غير المتوقعة التي لم يسأل أحد عن سببها. وقد ربط الفصل الرابع البيئة الأوسع بالاستشراف ومصفوفة رصد الواقع الخارجي، أما هذا الفصل فيركز على المصادر القريبة.
ومن المصادر التي تستحق اهتمامًا خاصًا المستخدمون الرائدون. وقد عرّفهم فون هيبل بأنهم من يواجهون حاجة قبل أن يواجهها أغلب الناس بأشهر أو سنوات، ويتوقعون منفعة كبيرة من حلها، فكثيرًا ما يبتكرون لأنفسهم حلولًا قبل أن تقدمها لهم أي جهة (von Hippel, 1986). وفي كل مؤسسة مستخدمون رائدون: موظف بنى جدولًا يختصر عليه عملًا متكررًا، أو مراجع اعتاد إحضار مستند لم يُطلب منه لأنه يعرف أنه سيُطلب لاحقًا.
وأقرب الناس إلى المشكلات هم من يعملون فيها يوميًا. ومن ذلك أن الطالبة في الحالة الافتتاحية للفصل السابع لاحظت مشكلة حقيقية في أثناء تدريبها الميداني، لم يلاحظها من يعملون في الجهة منذ سنوات. فالتدريب الميداني، والمشروعات التطبيقية في المقررات، والعمل مع الجهات الخارجية، كلها مصادر للمشكلات يمكن للجامعة أن تحولها إلى مدخل منظم لمنظومة الابتكار.
إذا كانت المشكلة تعيش في تجربة إنسان، فإن فهمها يتطلب الاقتراب من هذه التجربة. ويعد هذا المبدأ أساس التفكير التصميمي، الذي يبدأ بفهم عميق لحياة الناس واحتياجاتهم قبل الانتقال إلى توليد الحلول (Brown, 2008). وتشير ليدكا إلى أن قيمة هذا النهج تكمن في معالجته تحيزات معروفة في التفكير أكثر مما تكمن في أدواته: كالاعتقاد بأن الآخرين يرون العالم كما نراه، والاكتفاء بأول تفسير معقول، والتعلق بالحل الأول (Liedtka, 2018).
ويعتمد فهم المشكلة على ثلاث أدوات رئيسة:
ومن أصدق مؤشرات الحاجة الحلول الالتفافية: الطرق التي يبتكرها الناس للتعامل مع مشكلة لم يحلها لهم أحد. فالموظف الذي يحتفظ بدفتر جانبي لأن النظام لا يتيح ما يحتاجه، والمراجع الذي يتصل بصديق يعمل في الجهة ليعرف حالة طلبه، كلاهما يدل على حاجة حقيقية يبذل الناس جهدًا لتلبيتها. والحاجة التي لا يبذل الناس أي جهد للالتفاف عليها قد لا تكون بالأهمية التي تبدو عليها.
ويقدم إطار المهمة المطلوب إنجازها زاوية مكملة. فيقترح كريستنسن وزملاؤه أن يُسأل: ما الذي يحاول الشخص إنجازه في ظرف معين؟ لأن الناس يستعينون بالخدمة أو المنتج لإنجاز تقدم في حياتهم (Christensen et al., 2016). فما يريده المراجع في الحالة الافتتاحية أن ينهي معاملته في زيارة واحدة دون مفاجآت، وما سرعة النظام إلا وسيلة جزئية إلى ذلك. وهذا الفرق في الصياغة هو ما كان سيغير مسار الفريق كله.
قبل اجتماعك المقبل عن مشكلة في مؤسستك، اقض ساعة واحدة مع من يعيشها: موظف ينفذ الإجراء، أو مستفيد يمر به. لا تعرض حلًا، ولا تسأل عن رأيه في فكرة. اطلب منه أن يريك كيف يعمل، ودوّن كل ما يفاجئك.
الطريقة التي تُصاغ بها المشكلة تحدد الحلول التي يمكن رؤيتها. ويضرب فيديل فيديلسبورغ مثالًا مشهورًا: يشتكي سكان مبنى من بطء المصعد. فإذا صيغت المشكلة على أنها «المصعد بطيء»، اتجهت الحلول إلى تسريعه أو استبداله بتكلفة كبيرة. أما إذا صيغت على أنها «الانتظار مزعج»، فقد يكفي وضع مرآة بجوار المصعد، إذ ينشغل المنتظرون بالنظر فيها فلا يشعرون بطول الانتظار (Wedell-Wedellsborg, 2017). ولا يعني ذلك أن الصياغة الثانية صحيحة دائمًا؛ فقد يكون المصعد بطيئًا فعلًا. والمقصود أن للمشكلة الواحدة صياغات متعددة، وأن البحث عنها يكشف حلولًا لم تكن مرئية. ويوضح الشكل ١١-٢ إعادة التأطير في الحالة الافتتاحية.
«النظام الإلكتروني بطيء.»
الحلول الممكنة: تطوير النظام، أو زيادة الخوادم، أو استبداله.
«المراجعون لا يعرفون ما يحتاجونه قبل أن يبدؤوا، فتُعاد طلباتهم.»
الحلول الممكنة: قائمة مستندات واضحة، أو تحقق فوري عند التقديم، أو إلغاء مستندات لا حاجة إليها.
وتساعد في إعادة التأطير أسئلة بسيطة: هل ننظر إلى المشكلة من زاوية من يعيشها أم من زاوية من يقدم الخدمة؟ ما الذي يحدث قبل المشكلة وبعدها؟ هل هي عرض لمشكلة أعمق؟ هل يوجد من لا يعاني منها رغم أنه في الظرف نفسه، ولماذا؟ والسؤال المتكرر «لماذا؟» حتى الوصول إلى سبب جذري أداة مفيدة هنا، بشرط ألا يتحول إلى بحث عن مذنب.
وفي القطاع العام خصوصًا، تكون كثير من المشكلات من النوع الذي سماه ريتل وويبر المشكلات الشائكة: لا يمكن صياغتها صياغة نهائية، ويتأثر فهمها بالحلول المقترحة لها، ولا توجد قاعدة واضحة لمعرفة متى حُلت، وكل محاولة لحلها تغير المشكلة نفسها (Rittel & Webber, 1973). ومع هذا النوع، يصبح التأطير عملية مستمرة تتجدد مع تقدم العمل، ويصبح التجريب الصغير، الذي يتناوله الفصل الرابع عشر، أداة لفهم المشكلة بقدر ما هو أداة لاختبار الحل.
وتنتهي هذه المرحلة بصياغة واضحة للمشكلة يمكن أن يبني عليها الفريق. وتتضمن الصياغة الجيدة: من يعاني؟ وفي أي ظرف؟ وما الذي يحاول إنجازه؟ وما الذي يعيقه؟ وما الدليل على ذلك؟ ثم تتحول إلى سؤال تحدٍّ يفتح باب الحلول دون أن يحددها، يبدأ غالبًا بصيغة «كيف يمكن أن...؟»، كما عرض الفصل الرابع في الانتقال من ساحات البحث إلى أسئلة التحدي.
تكتشف المؤسسة من المشكلات أكثر مما تقدر على العمل عليه، ولذلك تحتاج إلى طريقة لاختيار ما يستحق الاستثمار. ويقترح أولويك معيارًا بسيطًا: أن تُقاس كل حاجة ببعدين، هما أهميتها لمن يعيشها، ومدى رضاه عن الطريقة الحالية لتلبيتها. والفرص الأكبر هي الحاجات المهمة التي لا يرضى الناس عن حلولها الحالية (Ulwick, 2002). ويوضح الشكل ١١-٣ هذا المنطق.
ونضيف إلى هذين البعدين ثلاثة أسئلة: هل تقع المشكلة في إحدى ساحات البحث التي حددتها الاستراتيجية في الفصل الرابع؟ وما قوة الدليل على وجودها وحجمها؟ وهل يوجد في المؤسسة من يملك الدافعية والقدرة على العمل عليها؟ فالمشكلة المهمة التي لا يتحمس لها أحد، أو التي تقع خارج أولويات المؤسسة، قد تنتهي في منطقة اللاقرار مهما كانت قيمتها.
الوقت الذي يُقضى في فهم المشكلة هو أرخص مراحل الابتكار وأكثرها أثرًا، وإن بدا تأخيرًا للحل. فتغيير صياغة المشكلة في البداية لا يكلف شيئًا، وتغيير الحل بعد بنائه يكلف كثيرًا.
املأ هذه البطاقة قبل أن تبدأ أي نقاش عن الحلول. وإذا وجدت نفسك تكتب حلًا في أي خانة، فاحذفه وعد إلى المشكلة. واطلب من شخص يعيش المشكلة أن يقرأ البطاقة ويقول لك هل تصفه.
| البند | السؤال | المثال |
|---|---|---|
| من يعاني؟ | من يعيش المشكلة تحديدًا، وفي أي ظرف؟ | مراجعون يتقدمون بطلب الخدمة لأول مرة |
| ما الذي يحاول إنجازه؟ | ما المهمة أو التقدم الذي يسعى إليه؟ | إنهاء المعاملة في زيارة واحدة دون مفاجآت |
| ما الذي يعيقه؟ | أين يتعثر في رحلته؟ | يكتشف نقص المستندات بعد أيام من التقديم |
| الحلول الالتفافية | ماذا يفعل الناس اليوم للتعامل مع المشكلة؟ | الاتصال بمعارف في الجهة، أو إحضار كل المستندات احتياطًا |
| الدليل | ما الذي يثبت وجود المشكلة وحجمها؟ | ثلث الطلبات تُعاد لنقص المستندات |
| صياغات بديلة | اكتب صياغتين أخريين على الأقل | «الطلبات تُعاد» / «المراجع لا يعرف ما المطلوب» |
| الأهمية والرضا | ما أهمية الحاجة، وما الرضا عن حلها الحالي؟ | أهمية عالية، ورضا منخفض |
| الصلة بالاستراتيجية | في أي ساحة بحث تقع؟ | تحسين تجربة المستفيد |
| سؤال التحدي | كيف يمكن أن...؟ | كيف يمكن أن يعرف المراجع كل ما يحتاجه قبل أن يبدأ؟ |