نعالج في هذا الفصل الكيفية التي تُصنع بها قرارات الابتكار: لمن تؤول كل فئة من القرارات، وكيف تُصمَّم البوابات الفاصلة بين المراحل، وكيف يُنصَف أصحاب الأفكار حين تأتي النتيجة على غير ما يرجون، ولماذا تمضي مبادرات كان حقها الإيقاف، ثم كيف تُدار المبادرات مجتمعةً محفظةً متوازنة.
تجتمع لجنة الابتكار في إحدى المؤسسات مرة كل شهرين، وتضم ثمانية من كبار المديرين. وعلى جدول أعمالها في كل اجتماع ما بين خمس عشرة مبادرة وعشرين، يُخصص لكل منها عشر دقائق. تُعرض المبادرة، وتُطرح أسئلة عامة، ثم يُطلب من الفريق «مزيد من الدراسة». وبعد عامين، كانت المحفظة تضم اثنتين وأربعين مبادرة نشطة؛ لم تُوقف منها واحدة، ولم تُعمَّم منها واحدة. وكل فريق يعمل بربع الموارد التي يحتاجها، وينتظر الاجتماع المقبل.
لم تكن اللجنة متساهلة ولا متشددة؛ كانت غائبة عن القرار وهي حاضرة في الاجتماع. فلم تحدد ما الذي تقرره هي وما الذي تتركه للفرق، ولم تطلب في كل مرحلة دليلًا مختلفًا، ولم توقف ما يجب إيقافه لتحرر موارده لغيره. وعلى سدّ هذه الثغرات تقوم الحوكمة التي نبسطها في هذا الفصل.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
صُمّمت أكثر أدوات الحوكمة في المؤسسات للعمل المستقر: خطة سنوية، وميزانية تُعتمد مقدمًا، ومؤشرات أداء ثابتة، ومساءلة عن الانحراف عن الخطة. وتعمل هذه الأدوات جيدًا حين يكون الطريق معروفًا. أما في الابتكار، فالطريق نفسه مجهول، والانحراف عن الخطة الأولى قد يكون دليلًا على التعلم. ولهذا تفشل حوكمة الابتكار في اتجاهين: حين تُطبَّق عليه أدوات العمل المستقر فتخنقه، وحين يُعفى من الحوكمة كليًا فيستهلك الموارد دون نتيجة.
والحوكمة الملائمة للابتكار تقوم على فكرة بسيطة: أن الاستثمار في المبادرة شراءٌ لـتعلّم يقلل عدم اليقين، وأن كل قرار لاحق يُبنى على ما تعلمه الفريق. فلا يُطلب من المبادرة في بدايتها ما لا تملكه، ولا يُسمح لها في نهايتها بالاستمرار دون ما يجب أن تملكه. وهذا ما تبنيه الأقسام التالية.
ينشأ كثير من ارتباك الحوكمة عن غموض حقوق القرار: من يقرر الاستمرار في مبادرة؟ ومن يقرر طريقة تنفيذها؟ ومن يقرر توزيع الموارد بين المبادرات؟ وحين لا يُجاب عن هذه الأسئلة، تتجه القرارات كلها إلى أعلى، فتزدحم اللجان العليا بتفاصيل لا تملك معرفتها، كما في الحالة الافتتاحية. ويقترح الشكل ١٠-١ توزيعًا لحقوق القرار على ثلاثة مستويات، يطبق مبدأ الاستقلالية ضمن حدود: القيادة تحدد «ماذا» و«لماذا»، والفرق تملك «كيف».
ويظل دور القيادة العليا في هذا التوزيع أبعد أثرًا وإن قلّ عدد قراراتها: فهي التي تحدد أين تبحث المؤسسة، وكم تخاطر، وكيف توازن بين القريب والبعيد. وكثيرًا ما تُهمل هذه القرارات لأنها أصعب من مراجعة المبادرات المفردة. ويحدد المعيار الدولي لنظام إدارة الابتكار مسؤولية القيادة العليا عن وضع سياسة الابتكار واستراتيجيته، وتوفير الموارد، وتحديد الأدوار والصلاحيات (ISO, 2024)، وهو ما يتسق مع هذا التوزيع.
ويُستحسن أن تُكتب حقوق القرار وتُعلن، فيعرف الفريق ما يقرره بنفسه دون انتظار، ويعرف متى يجب أن يرجع إلى البوابة. وهذه الكتابة تحمي الطرفين: تحمي الفريق من التدخل في تفاصيل عمله، وتحمي المؤسسة من توسع المبادرة دون قرار.
من أوسع أدوات حوكمة الابتكار انتشارًا نظام المراحل والبوابات الذي طوره كوبر. ويقسم النظام رحلة المبادرة إلى مراحل، تفصل بينها بوابات يُتخذ عندها قرار بالاستمرار أو الإيقاف أو التعليق أو إعادة العمل، وفق معايير محددة مسبقًا (Cooper, 1990). وقيمة البوابة أنها تحول القرار من انطباع عام إلى سؤال محدد: هل حققت المبادرة ما يكفي من المعرفة لتستحق استثمار المرحلة التالية؟
والمبدأ الأهم في تصميم البوابات أن معاييرها تتغير من مرحلة إلى أخرى. ففي البوابات الأولى، يكفي أن تكون المشكلة مهمة والافتراضات معلنة. ومع كل بوابة، يُطلب دليل أقوى، حتى تصل المبادرة إلى بوابة التوسع وهي تملك أدلة على التبني والتكلفة والاستدامة. وقد عرض الجدول ٣-١ سؤال القائد ونوع الدليل في كل مرحلة، ويوضح الشكل ١٠-٢ منطق هذا التدرج.
وقد تعرض نظام المراحل والبوابات لنقد مفاده أنه يصبح بطيئًا وثقيل الإجراءات، ولا يناسب المبادرات شديدة الجدة التي يتغير فيها فهم المشكلة نفسها في أثناء العمل. واستجاب كوبر لهذا النقد بنماذج هجينة تجمع البوابات مع أساليب العمل المرن: مراحل أقصر، وبوابات أخف في المبادرات الصغيرة، ودورات قصيرة من البناء والاختبار داخل كل مرحلة (Cooper, 2014). والدرس أن البوابة أداة للتعلم والقرار في المقام الأول، وأن عمقها يتناسب مع حجم المخاطرة: فتجربة صغيرة منخفضة الكلفة لا تحتاج إلى البوابة نفسها التي يحتاجها تعميم حل على المؤسسة كلها، كما نبّه الفصل الثالث.
البوابة التي تنتهي دائمًا بالموافقة ليست بوابة. فإذا لم تتوقف أي مبادرة عند بوابة خلال عام كامل، فإما أن المؤسسة تختار أفكارها ببراعة نادرة، وإما أن البوابات لا تعمل.
عرض الفصل الخامس ثلاث وسائل لمنع منطقة اللاقرار: مدة معلنة للرد، ورد معلل، ومراجعة دورية. ويبقى سؤال: لماذا يؤثر الرد المعلل في صاحب الفكرة إلى هذا الحد، حتى حين يكون رفضًا؟ تجيب عن ذلك أبحاث عدالة الإجراء. فقد بيّن كيم وموبورن أن الناس يقبلون القرارات التي لا تكون في صالحهم، ويستمرون في التعاون، إذا رأوا أن الطريقة التي اتُّخذت بها عادلة. وتقوم هذه العدالة على ثلاثة مبادئ: الإشراك، أي إتاحة الفرصة لأصحاب الشأن لعرض آرائهم وأفكارهم؛ والشرح، أي بيان أسباب القرار؛ ووضوح التوقعات، أي إعلان ما سيُطلب لاحقًا ومعايير الحكم عليه (Kim & Mauborgne, 1997).
وتترجم هذه المبادئ إلى ممارسات محددة في حوكمة الابتكار:
وبهذا تصبح الحوكمة نفسها وسيلة لتلبية احتياجات المبتكر التي عرضها الفصل السابع، ولا سيما التقدير والفهم. فالمؤسسة التي ترفض الفكرة بعدل تحتفظ بصاحبها، والتي تقبلها دون أن تنسبها إليه قد تخسره.
تعاني محافظ الابتكار من مشكلة معاكسة لمنطقة اللاقرار: مبادرات تستمر رغم أن الأدلة لا تدعمها. وقد درس ستو هذه الظاهرة، التي سماها التصعيد في الالتزام. ففي تجربته، خصص المشاركون الذين كانوا مسؤولين شخصيًا عن قرار استثمار تعثّر أموالًا إضافية له أكثر مما خصصه من لم يكونوا مسؤولين عنه (Staw, 1976). فالإنسان يميل إلى الاستمرار في قرار اتخذه ليبرر قراره الأول، ولو جاءت الأدلة الجديدة بخلافه.
وفي حوكمة الابتكار، يظهر التصعيد في صور مألوفة: مبادرة يرعاها قائد كبير فلا يجرؤ أحد على اقتراح إيقافها، ومبادرة أُنفق عليها كثير فيُقال «لا يمكن أن نتوقف الآن»، ومبادرة يعمل عليها فريق متحمس فيُخشى أن يحبطه الإيقاف. وتحد ثلاث ممارسات من هذا التصعيد:
ومن هنا تُفهم الحالة الافتتاحية: فاللجنة التي لا توقف شيئًا توزع موارد الابتكار على مبادرات أكثر مما تستطيع تمويله، فتضعفها كلها.
إذا كانت البوابات تحكم المبادرة الواحدة، فإن إدارة المحفظة تحكم المبادرات مجتمعة. وقد وجد كوبر وإدجيت وكلاينشميت في دراستهم لممارسات الشركات أن إدارة المحفظة تسعى إلى ثلاثة أهداف: تعظيم القيمة الكلية، والتوازن بين أنواع المبادرات، والاتساق مع الاستراتيجية. ووجدوا كذلك أن من أكثر المشكلات شيوعًا وجود مبادرات أكثر مما تسمح به الموارد، فتتأخر كلها (Cooper et al., 2001). ويوضح الشكل ١٠-٣ هذه الأهداف.
ويرتبط التوازن بدرجات الابتكار التي عرضها الفصل الأول: التحسيني والمجاور والجذري. ويقترح ناجي وتف أن تتوزع الموارد بينها بنسب تناسب طبيعة المؤسسة (Nagji & Tuff, 2012). والنسبة الملائمة تختلف من مؤسسة إلى أخرى، لكن المحفظة التي تخلو من أحد الأنواع الثلاثة تحتاج إلى سؤال صريح عن السبب.
ومن أهم أدوات إدارة المحفظة التمويل المرحلي. فبدل أن تُعتمد للمبادرة ميزانيتها كاملة في البداية، تُمول مرحلة بمرحلة، ويرتبط تمويل كل مرحلة باجتياز بوابتها. وقد بيّن غومبرز أن شركات رأس المال الجريء تعتمد هذا الأسلوب لأنه يحافظ على قدرتها على المراجعة والإيقاف، وأنها تقصّر المدة بين جولات التمويل كلما زاد عدم اليقين (Gompers, 1995). ويقدم منطق الخيارات الحقيقية تفسيرًا لذلك: فالاستثمار الصغير في مرحلة مبكرة يشبه شراء خيار يتيح للمؤسسة أن تستثمر أكثر إن ظهرت الفرصة، أو أن تتوقف بخسارة محدودة إن لم تظهر (McGrath, 1999). وبهذا المنطق يغدو الفشل المبكر ثمنًا معقولًا لمعرفة يتعذر بلوغها دون تجربة.
ويمتد مفهوم المحفظة إلى ما هو أبعد من المبادرات داخل جهة واحدة. ففي المؤسسات التي تتعدد فيها جهات الابتكار، كالجامعة التي عرضها الفصل السادس بمسرعتها ومعمل التصنيع الرقمي (فاب لاب) ومراكزها، تدير كل جهة محفظتها وحدها، فتتكرر المبادرات وتضيع الأفكار في المسافات بينها. والبديل محفظة مشتركة: مدخل موحد للأفكار، وبوابات مشتركة، وانتقال للمبادرة من جهة إلى أخرى بحسب مرحلتها. ونعود إلى هذا التصميم في الفصل العشرين.
اكتب قائمة بكل المبادرات النشطة في مؤسستك، ثم اسأل عن كل منها: لو عُرضت علينا اليوم للمرة الأولى، بما نعرفه الآن، هل كنا سنبدؤها؟ المبادرات التي تكون إجابتها «لا» مرشحة للإيقاف، ومواردها مرشحة لمبادرات تستحقها أكثر.
اكتب لكل بوابة في نظامك ميثاقًا قصيرًا يجيب عن الأسئلة التالية، وأعلنه للفرق قبل أن تبدأ المرحلة. فإذا لم تستطع الإجابة عن أحد الأسئلة، فهذه فجوة في الحوكمة ينبغي سدها قبل أن تبدأ المرحلة.
| البند | السؤال | المثال |
|---|---|---|
| سؤال البوابة | ما الذي يجب أن نعرفه لنستثمر في المرحلة التالية؟ | هل توجد أدلة أولية على أن الحل يعالج المشكلة لدى المستفيدين؟ |
| الأدلة المطلوبة | ما الذي يقدمه الفريق تحديدًا؟ | نتائج تجربتين صغيرتين على الأقل، وما تعلمه الفريق منهما |
| صاحب القرار | من يقرر؟ ومن يُستشار؟ | لجنة المحفظة، بعد الاستماع إلى الفريق والراعي |
| مدة الرد | متى يصدر القرار بعد اكتمال الطلب؟ | خلال أسبوعين |
| القرارات الممكنة | ما الخيارات المتاحة؟ | الاستمرار، أو التعديل، أو الدمج، أو التعليق، أو الإيقاف |
| معايير الإيقاف | ما الذي يوقف المبادرة؟ (يُحدد عند بداية المرحلة) | عدم استخدام الحل من أكثر من نصف المستفيدين في التجربة |
| تمويل المرحلة التالية | ما الموارد التي يفتحها اجتياز البوابة؟ | ميزانية التجربة الميدانية ووقت عضوين متفرغين |
| إبلاغ الفريق | كيف يُبلّغ القرار؟ | رد مكتوب بالعناصر الأربعة، ونقاش مع الفريق |