ننتقل في هذا الفصل من الفرد إلى الجماعة: كيف تُكوَّن فرق الابتكار وتُنظَّم، وما الذي يميز الفريق الذي يبلغ بفكرته طور التطبيق. ثم نتّسع إلى المشاركة المؤسسية الأرحب: كيف تفتح المؤسسة باب الابتكار لعامليها جميعًا دون أن تغرق في أفكار تعجز عن الاستجابة لها.
كلّفت إحدى المؤسسات فريقًا من خمسة مهندسين متميزين في إدارة تقنية المعلومات بتطوير حل لتقليل أخطاء إدخال البيانات في خدمة يقدمها قسم العمليات. عمل الفريق بحماس أربعة أشهر، وبنى نظامًا متقدمًا للتحقق الآلي، وعرضه في اجتماع ختامي نال فيه إعجاب الحاضرين. غير أن موظفي العمليات رفضوا استخدامه بعد أسبوعين؛ فقد كان يضيف ثلاث شاشات إلى إجراء يؤدونه عشرات المرات يوميًا، ولم يسألهم أحد في أثناء التطوير عن طريقة عملهم. ولم تكن المشكلة في كفاءة المهندسين، وإنما في أن الفريق كله جاء من مكان واحد، وعمل داخل حدوده.
تكشف الحالة أن جودة الفريق تتطلب أكثر من جودة أفراده. فالفريق المبتكر يُصمَّم: من يضم، وما أدوار أعضائه، وكيف يتصل بمن هم خارجه، وأين يقع في الهيكل. وهذه الأسئلة محور الفصل، نعالجها تباعًا قبل أن نمضي إلى المشاركة الأوسع التي تفتح باب الابتكار لكل العاملين.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
حلل ووكتي وجونز وأوزي نحو عشرين مليون بحث علمي ومليوني براءة اختراع على مدى عقود، فوجدوا أن الفرق أصبحت تهيمن على إنتاج المعرفة في كل المجالات تقريبًا، وأن الأعمال التي تنتجها الفرق أكثر احتمالًا لأن تكون عالية التأثير من أعمال الأفراد (Wuchty et al., 2007). ويفسر ذلك أن المشكلات التي تستحق الابتكار أصبحت أعقد من أن يحيط بها تخصص واحد، وأن المعرفة اللازمة لحلها موزعة بين أشخاص مختلفين.
غير أن الفريق ليس مجموع أفراده. فقد ينتج فريق من المتوسطين ما يعجز عنه فريق من المتميزين، إذا عرف كيف يجمع معارف أعضائه ويصل إلى من يحتاج إليهم. والمبتكر يحتاج إلى بيئة؛ فالفريق هو البيئة الأقرب إليه، وفيه يجد أو يفقد كثيرًا مما يحتاجه.
ويظهر ذلك في تجارب المبتكرين أنفسهم. ففي الدراسة الظاهراتية عن تجارب المبتكرين السعوديين البارزين، عدّ تسعة من المشاركين الأحد عشر العمل مع فريق داعم من أسباب النجاح، كأن يتولى شريك المهام التشغيلية ليتفرغ المبتكر للتطوير (Alsamani, 2023).
جمع هولسهايغر وأندرسون وسالغادو نتائج أكثر من ثلاثين عامًا من البحث في تحليل بعدي لعوامل الابتكار على مستوى الفريق. ووجدوا أن العوامل المرتبطة بالعمليات داخل الفريق أقوى أثرًا من العوامل المرتبطة بتكوينه (Hülsheger et al., 2009). ويلخص الشكل ٩-١ أبرز هذه العوامل.
ولهذه النتيجة دلالة عملية مباشرة. فالمؤسسات تنفق جهدًا كبيرًا في اختيار أعضاء الفريق، ثم تتركه يعمل دون رؤية مشتركة، أو دون صلة بالمستفيدين، أو دون دعم فعلي للتجريب. وتدل نتائج البحث على أن ما يحدث داخل الفريق وحوله أهم من قائمة أسماء أعضائه. ويُلاحظ أن التنوع يفيد حين يكون تنوعًا في المعرفة المرتبطة بالمشكلة تحديدًا. وقد بيّنت مراجعة أخرى أن التنوع يعمل في الاتجاهين: يوسع المعرفة المتاحة للفريق، وقد يفتح الباب للانقسام، ونتيجته تتوقف على قدرة الفريق على تبادل المعلومات ودمجها (van Knippenberg & Schippers, 2007).
تتعدد تركيبات الفرق بتعدد مهامها، غير أن فرق الابتكار تحتاج في الغالب إلى أن تتوفر فيها خمسة أدوار، قد يجمع الشخص الواحد أكثر من دور منها في الفرق الصغيرة:
ويرتبط التكوين بالمرحلة. ففي استكشاف المشكلة، يحتاج الفريق إلى تنوع أوسع وقرب أكبر من المستفيدين. وفي تطوير الحل، يحتاج إلى عمق فني. وفي التوسع، يحتاج إلى أصحاب الخبرة التشغيلية. ولذلك يُستحسن أن يُنظر إلى تكوين الفريق بوصفه قرارًا يُراجَع مع تقدم المبادرة من مرحلة إلى أخرى.
ويضاهي ذلك أهميةً الطريقةُ التي يدخل بها الأعضاء إلى الفريق. فالفريق الذي ينضم إليه أعضاؤه باختيارهم، لاهتمامهم بالمشكلة، يبدأ بدافعية تختلف عن فريق كُلّف أعضاؤه دون أن يُسألوا. وتسمح كثير من المؤسسات بالجمع بين الطريقين: تحدد القيادة المشكلة والأدوار المطلوبة، وتفتح الباب لمن يرغب في التطوع لها. وهذا تطبيق آخر للاستقلالية ضمن حدود.
كان التواصل الخارجي من أقوى عوامل الابتكار في التحليل البعدي السابق. وقد درس أنكونا وكالدويل هذا الجانب في فرق تطوير المنتجات، فوجدا أن الفرق الأنجح لم تكن الأكثر تواصلًا مع الخارج بالضرورة، وإنما التي أدت أنواعًا محددة من الأنشطة الخارجية، وفي مقدمتها التواصل مع القيادة لتأمين الدعم والموارد، والتنسيق مع الوحدات الأخرى التي يعتمد عليها العمل. أما الفرق التي اكتفت بجمع المعلومات العامة دون هذين النشاطين، فكان أداؤها أضعف (Ancona & Caldwell, 1992). ويوضح الشكل ٩-٢ هذه الأنشطة.
وتعيد هذه النتيجة قراءة الحالة الافتتاحية: فقد نجح فريق المهندسين في الاستكشاف الفني، وأتقن عرض النتيجة النهائية أمام القيادة، لكنه لم ينسق مع الوحدة التي ستستخدم الحل. وتؤكد كذلك ما ذكره الفصل السابع عن أهمية شبكة العلاقات في انتقال الفكرة إلى التنفيذ (Baer, 2012). فالفريق المبتكر يعمل على حدوده بقدر ما يعمل داخلها.
اكتب أسماء الأشخاص الذين يحتاج فريقك إلى تعاونهم ليصبح حله مستخدمًا فعلًا. ثم ضع علامة أمام من تحدثتم معه في الأسابيع الأربعة الماضية. الأسماء بلا علامة هي أكبر مخاطر مشروعك.
يختلف موقع الفريق في الهيكل بحسب درجة الابتكار المطلوبة. وقد ميّز كلارك وويلرايت بين أربعة هياكل لفرق التطوير، تتدرج في مقدار تفرغ الأعضاء وصلاحية قائد الفريق (Clark & Wheelwright, 1992). ويعرضها الجدول ٩-١.
| الهيكل | صورته | يناسب | خطره |
|---|---|---|---|
| وظيفي | يعمل كل عضو في وحدته، وينتقل العمل بين الوحدات تباعًا | التحسينات الصغيرة داخل وحدة واحدة | بطء، وغياب من يملك النتيجة كاملة |
| خفيف | منسق يتابع العمل، ويبقى الأعضاء تابعين لوحداتهم | التحسينات التي تمس أكثر من وحدة بقدر محدود | منسق بلا صلاحية، فتغلب أولويات الوحدات |
| ثقيل | قائد قوي الصلاحية، وأعضاء متفرغون جزئيًا أو كليًا، يبقون مرتبطين بوحداتهم | الابتكار المهم الذي يحتاج إلى تكامل بين الوحدات | توتر بين القائد ومديري الوحدات إذا لم تُحسم الصلاحيات |
| مستقل | فريق متفرغ خارج الهيكل المعتاد، بقواعده وموارده | الابتكار الجذري أو الذي يتعارض مع النموذج القائم | صعوبة إعادة الحل إلى المؤسسة بعد نجاحه |
ويكثر في المؤسسات أن تُكلَّف فرق خفيفة بمهام تحتاج إلى فرق ثقيلة: يُطلب من موظفين أن يبتكروا حلًا يغير طريقة عمل ثلاث إدارات، وهم يعملون فيه بعد إنجاز أعمالهم المعتادة، ويقودهم منسق لا يملك أن يطلب شيئًا من أحد. والنتيجة متوقعة. ويرتبط ذلك بما بيّنه الفصل السادس عن الوقت بوصفه أندر ممكّنات الابتكار.
إلى جانب الفرق المكلفة، تسعى مؤسسات كثيرة إلى إشراك كل العاملين في الابتكار عبر منصات الأفكار والمسابقات والتحديات الداخلية. وهذا توجه صحيح؛ فالأفكار القيمة قد تأتي من أي موقع، والموظف القريب من المشكلة يراها قبل غيره. غير أن هذه المشاركة تفشل كثيرًا لسبب بسيط: أن المؤسسة تفتح الباب لأفكار أكثر مما تستطيع الاستجابة له، فتنتهي معظمها في منطقة اللاقرار، ويتعلم المشاركون أن المشاركة بلا جدوى.
وتكشف دراسة لمنصة أفكار مفتوحة أطلقتها شركة تقنية كبرى جانبًا آخر من المشكلة. فقد وجد بايوس أن المشاركين المتكررين كانوا أقدر من غيرهم على تقديم أفكار رأتها الشركة قيّمة، لكنهم قلما كرروا نجاحهم الأول بعد تنفيذ أفكارهم، إذ مالوا إلى تقديم أفكار تشبه ما نجح سابقًا (Bayus, 2013). فاستمرار تدفق الأفكار الجيدة يتطلب أكثر من منصة؛ إنه يتطلب تصميمًا يجدد المشاركة الواسعة باستمرار.
وتتكرر في المشاركة الناجحة أربع خصائص:
وفي الجامعة، يمكن أن يأخذ ذلك صورة يوم سنوي للابتكار يعرض فيه الطلاب مشروعاتهم مع مشرفيهم من أعضاء هيئة التدريس، بحضور القيادات ومشاركتها في التحكيم. وتكمن قيمة هذا اليوم في أنه يحقق عدة احتياجات معًا بكلفة محدودة: فرصة للعرض، وتقديرًا علنيًا، واتصالًا بين الطلاب والجهات التي يمكن أن تدعم مشروعاتهم، وإشارة من القيادة إلى ما تهتم به. ويقترب ذلك مما رواه أحد المشاركين في دراسة المبتكرين السابقة عن حاضنة أعمال زارها، وجد أن من أسرار نجاحها أنها تجمع المبتكرين الناشئين بمبتكرين نجحوا في السنوات الثلاث الأخيرة، لأنهم أقرب إلى العقبات التي سيواجهها الجدد (Alsamani, 2023).
المشاركة الواسعة وعد للناس بأن أفكارهم ستُسمع. وقدرة المؤسسة على الوفاء بهذا الوعد هي التي ينبغي أن تحدد حجم المشاركة التي تطلبها.
استخدم هذه البطاقة عند تكوين فريق ابتكار جديد، ثم راجعها عند انتقال المبادرة من مرحلة إلى أخرى. أجب عن كل سؤال بأسماء محددة ووقائع قائمة. والإجابة الفارغة تدل على نقص في الفريق نفسه.
| البعد | السؤال | الإجابة |
|---|---|---|
| المشكلة والغاية | ما المشكلة؟ ولمن؟ وكيف سنعرف أننا نجحنا؟ هل يصوغها كل عضو بالكلمات نفسها تقريبًا؟ | |
| الأدوار | من القائد؟ من صوت المستفيد؟ من الخبرة الفنية؟ من صوت التشغيل؟ من الراعي؟ | |
| التنوع | ما المعارف التي تحتاجها المشكلة ويفتقر إليها الفريق؟ | |
| الوقت | كم ساعة أسبوعيًا يخصصها كل عضو فعلًا؟ ومن وافق على ذلك من مديريهم؟ | |
| الهيكل | هل الهيكل (وظيفي، خفيف، ثقيل، مستقل) مناسب لدرجة الابتكار المطلوبة؟ | |
| الحدود | من الوحدات التي نعتمد عليها؟ ومتى نتواصل مع الراعي؟ | |
| طريقة الانضمام | هل انضم الأعضاء باختيارهم أو كُلّفوا؟ وهل يعرفون لماذا اختيروا؟ |