نقارب الثقافة في هذا الفصل بوصفها القواعد غير المكتوبة التي تحدد ما يفعله الناس حين لا يراقبهم أحد: هل يطرحون أفكارهم، وهل يعترفون بأخطائهم، وهل يجربون. ونستجلي كيف تتشكل هذه القواعد، وبأي السبل تتغير.
أطلقت جهة حكومية حملة داخلية بعنوان «جرّب، وتعلّم، وتقدّم»، وعلّقت ملصقاتها في الممرات، وخصص الرئيس التنفيذي كلمته السنوية للحديث عن قبول الفشل بوصفه طريقًا إلى التعلم. وبعد أشهر، تعثرت تجربة أطلقها أحد الفرق لتبسيط خدمة إلكترونية، وتلقت الجهة شكاوى من بعض المستفيدين. فشُكّلت لجنة للتحقيق، ونُقل قائد الفريق إلى إدارة أخرى. ولم يصدر أي تعميم بعد ذلك، ولم يحتج الموظفون إلى تعميم؛ فقد فهموا القاعدة الحقيقية. وفي الدورة التالية لمسابقة الأفكار، انخفض عدد المشاركات إلى النصف.
كانت الملصقات صادقة؛ فقد عبّرت عن رغبة حقيقية لدى القيادة. غير أن الموظفين يتعلمون الثقافة مما يشهدونه أكثر مما يُقال لهم، وقد تعلموا في أسبوع واحد ما لم تستطع حملة كاملة أن تعلمه. وعند هذه المسافة بين المعلن والمعمول به نقف في هذا الفصل، لنتبيّن كيف تُبنى ثقافة يجد فيها المبتكر ما يحتاجه.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
تتعدد تعريفات الثقافة التنظيمية، وأكثرها استخدامًا تعريف شاين، الذي يراها مجموعة الافتراضات الأساسية المشتركة التي تعلمتها الجماعة وهي تحل مشكلاتها، ونجحت بما يكفي لأن تُعلَّم للأعضاء الجدد بوصفها الطريقة الصحيحة في الإدراك والتفكير والشعور (Schein, 2010). ويميز شاين بين ثلاثة مستويات للثقافة، يوضحها الشكل ٨-١.
وتكمن قيمة هذا التمييز في أن المستوى الأعمق هو الذي يحكم السلوك. ففي الحالة الافتتاحية، تغيرت المظاهر والقيم المعلنة، وبقي الافتراض الأساسي كما هو: الخطأ يُعاقب. وحين يتعارض المعلن مع الافتراض، يتبع الناس الافتراض. ولهذا تُخفق كثير من برامج «ثقافة الابتكار» التي تبدأ بالمساحات الملونة والشعارات، لأنها تعمل في المستويين الأعلى وتترك الثالث.
ويُستعمل إلى جانب الثقافة مفهوم المناخ، وهو أنماط السلوك والمشاعر التي يلاحظها الناس في عملهم اليومي، كمقدار الثقة، والانفتاح على الأفكار، والمساحة المتاحة للتجريب (Ekvall, 1996). والمناخ أقرب إلى السطح وأسهل في القياس، ولذلك يصلح مؤشرًا على الثقافة، ونعود إليه في فصل القياس.
توصف الثقافة الابتكارية عادة بصفات جذابة: قبول الفشل، والحرية، والتعاون، والانفتاح. ويرى بيسانو أن هذا الوصف ناقص، وأن الاقتصار عليه يفسر لماذا يصعب بناء هذه الثقافة. فكل صفة من هذه الصفات تحتاج إلى نقيض يوازنها، وإلا انقلبت إلى ضدها: فقبول الفشل دون معايير يصبح تساهلًا، والحرية دون انضباط تصبح فوضى (Pisano, 2019). ويلخص الجدول ٨-١ هذه التوترات.
| الصفة المرغوبة | ما يوازنها | ما يحدث عند غياب التوازن |
|---|---|---|
| قبول الفشل | عدم قبول ضعف الكفاءة | تُبرَّر الأخطاء التي كان يمكن تجنبها باسم التجريب |
| الاستعداد للتجريب | الانضباط العالي في التجربة | تجارب كثيرة لا تختبر فرضية واضحة، ولا تُنهى حين تفشل |
| الأمان النفسي | الصراحة في نقد العمل | مجاملة تحمي العلاقات وتضعف الأفكار |
| التعاون | المسؤولية الفردية | قرارات بالإجماع لا يتحمل أحد نتيجتها |
| الهيكل المسطح | القيادة الحازمة | نقاش بلا نهاية، وغياب من يحسم الاتجاه |
ويتفق هذا التحليل مع المفهوم الرابط في هذا الكتاب: الاستقلالية ضمن حدود. فالثقافة الابتكارية أوضح من غيرها في حدودها، وأكثر حرية داخل تلك الحدود. وهذا ما يجعلها صعبة: فهي تطلب من القائد أن يكون داعمًا وصارمًا في الوقت نفسه.
عرّفت إدموندسون الأمان النفسي بأنه اعتقاد مشترك بين أعضاء الفريق بأن الفريق آمن للمخاطرة في العلاقات الشخصية: أن يسأل المرء، أو يعترف بخطأ، أو يعترض، أو يقترح فكرة غير مكتملة، دون أن يخشى الإحراج أو العقاب. وفي دراستها لواحد وخمسين فريق عمل في شركة صناعية، وجدت أن الأمان النفسي ارتبط بسلوك التعلم في الفريق، كطلب الملاحظات ومناقشة الأخطاء، وأن سلوك التعلم ارتبط بدوره بأداء الفريق (Edmondson, 1999).
ويُفهم الأمان النفسي أحيانًا على أنه راحة، أو لطف، أو خفض للتوقعات. وتؤكد إدموندسون أنه عكس ذلك: فهو ما يجعل النقاش الصريح ممكنًا. ولتوضيح ذلك، تضعه على محور، والمعايير المطلوبة من الفريق على محور آخر، كما في الشكل ٨-٢ (Edmondson, 2019).
ويفسر الشكل ما أشار إليه الفصل الثالث من أن البيئة الأقدر على الابتكار تجمع بين الاهتمام الصادق بالإنسان والتوقعات العالية منه. فالقائد الذي يرفع التوقعات دون أن يبني الأمان يدفع فريقه إلى منطقة القلق، حيث يبدو الأداء جيدًا حتى تنكشف المشكلات المخفية. والقائد الذي يبني الأمان دون توقعات يصنع فريقًا مريحًا لا يبتكر. أما منطقة التعلم فتحتاج الاثنين معًا. ويرتبط الأمان النفسي بصوت الموظف: فالأمان هو الشرط الذي يجعل الناس يتكلمون، والقائد المنفتح هو أول ما يختبرونه قبل أن يقرروا.
في اجتماعك المقبل، قبل أن تعرض رأيك، اسأل: «ما الذي قد يجعل هذه الخطة تفشل؟» ثم انتظر. وإذا جاءك اعتراض، فاشكر صاحبه قبل أن ترد عليه. يتعلم الفريق من ردك على أول اعتراض أكثر مما يتعلمه من أي حديث عن الانفتاح.
تقول مؤسسات كثيرة إنها تتقبل الفشل، ثم تعامل كل فشل بالطريقة نفسها. وتقترح إدموندسون التمييز بين أنواع الفشل بحسب أسبابه، لأن لكل نوع استجابة مختلفة (Edmondson, 2011). ويوضح الشكل ٨-٣ هذا التمييز.
والفشل الذكي له شروط: أن تكون التجربة في أرض مجهولة فعلًا، وأن تخدم فرصة ذات قيمة، وأن تُبنى على ما هو معروف، وأن تكون صغيرة بما يكفي لتكون خسارتها محتملة. والتجربة التي تفشل وقد استوفت هذه الشروط تقدم معرفة لم تكن متاحة قبلها. أما في الحالة الافتتاحية، فقد عوملت تجربة من النوع الثالث كأنها من النوع الأول، فتعلم الموظفون ألا يجربوا.
ويدعم البحث الاقتصادي هذا التمييز. فقد قارن أزولاي وزملاؤه بين باحثين في علوم الحياة يمولهم معهد هوارد هيوز الطبي، الذي يمنح تمويلًا طويل الأمد ويتسامح مع الإخفاق المبكر ويترك للباحث حرية تغيير اتجاهه، وباحثين مماثلين يمولهم برنامج حكومي بدورات قصيرة وأهداف محددة مسبقًا. ووجدوا أن الفئة الأولى أنتجت أبحاثًا عالية التأثير بمعدل أعلى بوضوح، وأنتجت كذلك أبحاثًا أكثر لم تلق اهتمامًا؛ أي أنها جربت أكثر ونجحت أكثر (Azoulay et al., 2011). وهذا ما تتوقعه النظرية: فالحوافز التي تتسامح مع الفشل المبكر وتكافئ النجاح بعيد المدى هي الأنسب لتحفيز الابتكار (Manso, 2011).
ويكمل هذا ما عرضه الفصل السابع عن حلقة التعلم في مسار المبتكر: فالفكرة التي لم تنجح تعود إلى بداية المسار بمعرفة جديدة إذا عوملت فشلًا ذكيًا، وتنتهي معها رغبة صاحبها في المحاولة إذا عوملت تقصيرًا.
تقبّل الفشل لا يعني الاحتفاء به. فالمؤسسة التي تحتفي بكل فشل تخلط بين الأنواع الثلاثة كما تخلط المؤسسة التي تعاقب على كل فشل. والمعيار سؤالان: هل كانت التجربة مدروسة؟ وهل تعلمنا منها؟
تلجأ المؤسسات كثيرًا إلى الجوائز والمكافآت المالية لتشجيع الابتكار. وتثير هذه المكافآت سؤالًا قديمًا في بحوث الإبداع: هل تُضعف الحوافز الخارجية الدافعية الداخلية التي يقوم عليها الإبداع؟ ويقدم التحليل البعدي الذي أجراه بايرون وخانشي إجابة متوازنة: فالمكافآت ترتبط إيجابيًا بالأداء الإبداعي حين تُربط بالإبداع ذاته متجاوزةً مجرد إنجاز المهمة، وحين تحمل معلومات عن جودة الأداء، وتمنح الشخص قدرًا من الاختيار (Byron & Khazanchi, 2012).
ويترتب على ذلك ثلاثة مبادئ عملية:
غير أن المكافأة، مادية كانت أو معنوية، تبقى صورة واحدة من صور التحفيز. فالبيئة التي تلبي حاجات الاستقلالية والكفاءة والانتماء تغذي الدافعية الداخلية، وهي الأقرب إلى الإبداع (Gagné & Deci, 2005). ويضيف نموذج أمابيل وبرات أن أقوى ما يحرك الناس في يومهم إحساسهم بالتقدم في عمل ذي معنى (Amabile & Pratt, 2016). وهذه أمور تصنعها تفاصيل الإدارة اليومية أكثر مما تصنعها الميزانيات.
ويحتل الاعتراف مكانة خاصة لدى الموهوبين والمبتكرين. ففي الدراسة الظاهراتية مع روّاد الأعمال المبتكرين التي عرضها الفصل السابع، أكد المشاركون مرارًا أن المجتمع الداعم يبدأ بالتقدير والاعتراف بالموهبة. ووصف أحدهم المبدع بأن لديه حساسية عالية تجاه الاعتراف بقيمته، وأن تجاهل هذه الحاجة قد يدفعه إلى الانسحاب أو الانغلاق على ذاته. وامتد التقدير عندهم من الكلمة الطيبة إلى تسهيل المهام وإزالة العقبات، وحماية المبدع من استنزاف طاقته في الأعمال التشغيلية الروتينية (الصمعاني، ٢٠٢٦). ويتسق ذلك مع ما أظهرته دراسة مع مبتكرين متميزين ناجحين، من أن العمل مع فريق داعم يتولى الجوانب التشغيلية كان من أبرز ما مكّنهم من التفرغ لتطوير ابتكاراتهم (Alsamani, 2023). ويعرض الجدول ٨-٢ صورًا من التحفيز يحتاج أكثرها إلى انتباه أكثر مما يحتاج إلى ميزانية.
| الصورة | الحاجة التي تلبيها | مثال من الجامعة |
|---|---|---|
| الاعتراف والنسبة | الاعتراف بالقيمة | ذكر صاحب الفكرة باسمه في مجلس الكلية أو في نشرة الجامعة، وبقاء اسمه عليها حين تُنفَّذ |
| الإشراك في التنفيذ | المعنى والانتماء | تكليف صاحب المقترح بقيادة تجربته الميدانية أو بعضوية فريقها |
| الشراكة في العمل | الانتماء والكفاءة | مشاركة عضو هيئة التدريس في مشروع طلابي شريكًا ومرشدًا إلى جانب دوره مقيّمًا |
| الوصول إلى القيادة | الاعتراف والتأثير | عرض الفكرة مباشرة على العميد أو الوكيل، وسماع رأيه فيها |
| الوقت المحمي والحرية | الاستقلالية | ساعات مخصصة للمشروع في الجدول، وحرية اختيار طريقة الحل |
| التحدي ذو المعنى | الكفاءة والمعنى | إسناد مشكلة حقيقية من مشكلات الجامعة بدل تمرين افتراضي |
| إزالة العقبات | التقدم | تيسير الإجراءات، والإعفاء من بعض الأعمال الروتينية في أثناء المشروع |
| التوثيق | اعتراف يدوم | إثبات المشاركة في السجل المهاري للطالب أو في ملف أداء الموظف |
تميل برامج الابتكار إلى مكافأة نمط واحد من المبتكرين: صاحب الفكرة الجريئة الذي يحسن عرضها. غير أن كيرتون بيّن أن الناس يختلفون في أسلوب الإبداع كما يختلفون في مقداره: فبعضهم مُطوِّرون يميلون إلى تحسين الأنظمة القائمة من داخلها وبدقة، وبعضهم مُجدِّدون يميلون إلى تجاوز الإطار القائم وطرح بدائل مختلفة عنه (Kirton, 1976). وتحتاج المؤسسة إلى الأسلوبين: فالأول يصنع أكثر الابتكار التدريجي الذي تقوم عليه كفاءة العمل، والثاني يفتح الاحتمالات الجديدة. والثقافة التي تحتفي بأحدهما وحده تخسر نصف قدرتها.
ويمتد الاختلاف إلى ما هو أبعد من أسلوب الإبداع. فبعض الناس يفكر بصوت مرتفع ويحتاج إلى الحوار، وبعضهم يحتاج إلى الانفراد قبل أن يعرض فكرته، وبعضهم يعبر عن فكرته بنموذج أولي أفضل مما يعبر عنها بالكلام. ولهذا تحتاج الثقافة الممكّنة إلى مسارات دخول مرنة للأفكار:
وتتوقف قيمة هذه المسارات على أن تؤدي جميعها إلى النظام نفسه وبالمعايير نفسها. فالمرونة في الدخول تعني إزالة العوائق التي لا صلة لها بجودة الفكرة، مع بقاء المعايير واحدة.
إذا كان الناس يتعلمون الثقافة مما يحدث، فإن تغييرها يمر بتغيير ما يحدث. ويحدد شاين مجموعة من الآليات الأساسية التي يغرس بها القادة الثقافة، سواء قصدوا ذلك أم لم يقصدوه (Schein, 2010). ويعرضها الجدول ٨-٣ مع ما يتعلمه الناس من كل منها، ومثال من الحالة الجامعية التي نتتبعها في الكتاب.
| الآلية | ما يتعلمه الناس منها | مثال من الجامعة |
|---|---|---|
| ما يهتم به القادة ويقيسونه ويتابعونه | ما المهم فعلًا | إذا كانت التقارير الدورية تسأل عن نسب النجاح في الاختبارات وحدها، فهذا ما سيهتم به الأساتذة |
| الاستجابة للحوادث والأزمات | ما الآمن وما الخطر | كيف عوملت أول تجربة لأستاذ غيّر طريقة تقييم مقرره فاعترض بعض الطلاب |
| توزيع الموارد | ما الأولوية | هل تُخصص ساعات أو ميزانية لتطوير المقررات بمشروعات ابتكارية، أم تبقى جهدًا تطوعيًا؟ |
| القدوة والتعليم | ما السلوك المتوقع | قيادات تشارك في تحكيم مشروعات الطلاب وتسأل عنها |
| توزيع المكافآت والمكانة | ما الذي يُقدَّر | هل يُحتسب الإشراف على مشروعات الطلاب الابتكارية في الترقية والتقويم السنوي؟ |
| الاستقطاب والاختيار والترقية | من ينجح هنا | هل تُراعى القدرة على تعليم الإبداع عند اختيار الأساتذة الجدد وقادة الأقسام؟ |
ويكشف الجدول لماذا تفشل الحملات: فهي تعمل بأداة واحدة، هي الخطاب، بينما تعمل الآليات الست في الاتجاه المعاكس. والطريق العكسي أبطأ وأصعب، لكنه الوحيد الذي يغير الافتراضات: أن تبدأ القيادة بآلية أو آليتين يراهما الجميع، كالاستجابة لأول فشل ذكي، أو احتساب الإشراف على المشروعات الابتكارية في الترقية، ثم تحافظ على اتساقها حتى يصدقها الناس.
الثقافة هي ما يحدث بعد الفشل الأول، وبعد الاعتراض الأول، وبعد الفكرة الأولى التي جاءت من أصغر موظف. وهذه اللحظات أصدق من كل ما يُكتب عن القيم.
استرجع مع فريقك أو مجموعة من الزملاء آخر حادثة من كل نوع في الجدول التالي. صف ما حدث بدقة دون تجميل، ثم اكتب الرسالة التي فهمها الناس منها. قارن هذه الرسائل بالقيم المعلنة في مؤسستك؛ فالفرق بينهما هو المسافة التي يحتاج إليها تغيير الثقافة. ثم اختر حادثة واحدة، وحدد كيف ستستجيب لمثلها في المرة المقبلة.
| الحادثة | ما حدث | الرسالة التي فهمها الناس | الاستجابة التي نريدها |
|---|---|---|---|
| آخر تجربة لم تنجح | |||
| آخر اعتراض على قرار قيادي | |||
| آخر فكرة جاءت من موظف جديد أو في مستوى وظيفي أدنى | |||
| آخر خطأ اعترف به صاحبه | |||
| آخر ترقية أو تكريم |