د. عمر عبدالله الصمعاني/المكتبة المفتوحة/إدارة الابتكار Englishتحميل الفصل PDF
الفصل السابع

المبتكر وبيئته: الإنسان في منظومة الابتكار

بعد أن استوفت الفصول السابقة الاستراتيجيةَ والنظامَ والعمارة، نعود في هذا الفصل إلى من تُبنى له هذه جميعها: الإنسان الذي يحمل الفكرة. فنقف عند خصائص المبتكرين ودافعيتهم، ونتتبّع المسار الذي تقطعه الفكرة معهم، وما يحتاجونه من بيئتهم في كل مرحلة من مراحله.

مدخل

حالة افتتاحية: طالبة جامعية (حالة مركّبة)

لاحظت طالبة في السنة الثالثة، خلال تدريبها الميداني، أن مراجعي إحدى الجهات ينتظرون ساعات لإنجاز إجراء يمكن اختصاره، وتصورت حلًا بسيطًا له. عرضت الفكرة على أستاذ أحد مقرراتها فأثنى عليها، ثم ذكّرها بأن الاختبار النهائي يغطي الفصول من الأول إلى العاشر. وتوجهت إلى مسرعة الأعمال في الجامعة فطُلبت منها خطة عمل كاملة لم تكن تعرف كيف تكتبها. ثم سجّلت الفكرة في منصة الأفكار فوصلها رد آلي بالاستلام، ولم يصلها بعده شيء. وبعد فصلين دراسيين، كانت قد نسيت الفكرة. لم يرفض أحد فكرتها، ولم يقبلها أحد.

لاحظت الطالبة المشكلة، وتصورت الحل، وطرقت ثلاثة أبواب. فأين توقفت فكرتها؟ وما الذي كانت تحتاجه لتمضي خطوة واحدة إلى الأمام؟ ذلك هو السؤال الذي يشغل هذا الفصل، ونقاربه من زاوية المبتكر نفسه: مَن هو، وما الذي يحتاجه، وكيف تُصمَّم البيئة والأنظمة من حوله.

أهداف الفصل

يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:

  1. تفسير لماذا تبقى منظومات الابتكار الممولة جيدًا خاوية حين تُغفل الإنسان.
  2. وصف خصائص المبتكرين دون اختزالها في الموهبة الفطرية.
  3. تتبّع مسار المبتكر من التفكير إلى الممارسة، وتحديد ما يحتاجه في كل مرحلة.
  4. التمييز بين معيقات البيئة الإبداعية وممكّناتها، وتشخيصها في مؤسسته.
  5. مراجعة أنظمة الابتكار القائمة من منظور تجربة المبتكر.

٧-١لماذا يبدأ الابتكار بالإنسان؟

تملك مؤسسات كثيرة مراكز ومنصات وميزانيات للابتكار، ومع ذلك لا تنتج ابتكارًا بصورة متكررة. ونرى أن من أهم أسباب ذلك أن هذه المنظومات صُمّمت حول الإجراء وأغفلت الإنسان: تحدد المراحل والنماذج والمعايير، ثم تفترض أن الأفكار ستتدفق إليها. غير أن الفكرة تولد في عقل شخص يلاحظ ويتساءل ويربط، ثم يقرر أن يبذل جهدًا إضافيًا لم يطلبه منه أحد. وهذا القرار الأخير هو ما تكسبه البيئة أو تخسره.

وقد قدمت أمابيل أكثر النماذج تأثيرًا في تفسير هذه العلاقة، وهو النموذج المكوِّن للإبداع (Amabile, 1988, 1996). ويرى أن الإبداع الفردي يتشكل من ثلاثة مكونات داخل الشخص، تحيط بها بيئة العمل وتؤثر فيها جميعًا، كما يوضح الشكل ٧-١.

المهارات في المجالالمعرفة والخبرة والمهارة الفنية في الميدان الذي يعمل فيه الشخص. وهي المادة التي يبني منها أفكاره.
العمليات المرتبطة بالإبداعأساليب التفكير والعمل: النظر إلى المشكلة من زوايا مختلفة، والربط بين ما يبدو متباعدًا، والمثابرة.
الدافعية الداخلية للمهمةالاهتمام بالعمل ذاته والاستمتاع بالتحدي فيه. وهي ما يحوّل المعرفة والمهارة إلى جهد فعلي.
بيئة العملتشجع المكونات الثلاثة أو تضعفها، وتؤثر في الدافعية أكثر من غيرها.
شكل ٧-١ مكونات الإبداع الفردي وبيئة العمل المحيطة بها، بتصرف عن Amabile (1996).

وتكمن أهمية هذا النموذج لإدارة الابتكار في المكون الثالث. فالمهارات والعمليات تنمو ببطء عبر التعليم والخبرة، أما الدافعية فتتأثر سريعًا بما يحدث للشخص في يومه: كيف استُقبلت فكرته، وهل وجد وقتًا لها، وهل رأى أثرًا لجهده. ولهذا يمكن لبيئة رديئة أن تُطفئ في أسابيع ما بنته سنوات من التعليم. وقد طوّرت أمابيل وبرات النموذج لاحقًا ليربط إبداع الأفراد بابتكار المؤسسة، وأضافا إليه عنصرين: التقدم الذي يلمسه الشخص في عمل يراه ذا معنى؛ فهما يغذيان الدافعية ويجعلانها تتجدد (Amabile & Pratt, 2016).

ولا يعني تقديم الإنسان إغفال المنظومة. فالفصول السابقة بنت الاستراتيجية التي تحدد المشكلات الجديرة بالعمل، والنظام الذي يحوّل الأفكار إلى قيمة، والعمارة التي تربط الجهات. وهذا الفصل يضع الإنسان في مركزها؛ إذ إن المنظومة هي ما يربط الإنسان بالمشكلة، فإذا غاب أحد الطرفين لم يبق ما تربطه.

وهذا ما يراه المبتكرون أنفسهم. ففي دراسة ظاهراتية مع عشرة من روّاد الأعمال السعوديين المبتكرين، لكل منهم خبرة تتراوح بين خمسة عشر عامًا وخمسة وعشرين في بناء مشروعات ابتكارية، وصف المشاركون المجتمع الداعم بأنه يبدأ بالاعتراف بخصوصية المبتكر وفهم نمطه الشخصي والمعرفي، ثم يستثمر فيه ويربطه بالبيئات الاقتصادية المناسبة. وخلصت الدراسة إلى أن الدعم الفعال يستثمر في المبتكر نفسه بوصفه موردًا بشريًا استراتيجيًا، ويتجاوز متابعة مخرجاته (الصمعاني، ٢٠٢٦).

٧-٢من هو المبتكر؟

تنتشر صورة للمبتكر بوصفه عبقريًا نادرًا يولد بموهبته. والأبحاث لا تدعم هذه الصورة بإطلاق. فقد وجد فايست في تحليل بعدي لدراسات الشخصية أن المبدعين في العلوم والفنون يميلون إلى سمات مشتركة، أبرزها الانفتاح على الخبرات الجديدة، والاستقلالية، والثقة بالنفس، والدافعية العالية (Feist, 1998). غير أن هذه السمات تتوزع بين الناس على متصل من الدرجات. وفي كل مؤسسة عدد من الأشخاص يحملون هذه السمات بدرجة عالية، وعدد أكبر يحملونها بدرجة تكفي لأن يبتكروا إذا وجدوا البيئة المناسبة.

ويمكن جمع خصائص المبتكرين في ثلاث مجموعات، كما يصنفها نموذج «مسار المبتكر» الذي يعرضه القسم التالي:

ومن الخصائص التي تستحق انتباه المديرين خاصة الكفاءة الذاتية الإبداعية، أي اعتقاد الشخص بقدرته على إنتاج أفكار جديدة ومفيدة. فقد وجد تيرني وفارمر أنها تتنبأ بالأداء الإبداعي للموظفين، وأنها تتأثر بسلوك المشرف وبالخبرة في العمل (Tierney & Farmer, 2002). وهذا يعني أن جزءًا من «موهبة» المبتكر يُبنى أو يُهدم في بيئة عمله: فالموظف الذي استُقبلت أفكاره الأولى بالسخرية يتعلم أنه «ليس مبدعًا»، والآخر الذي وجد من يأخذ أفكاره بجدية يتعلم العكس.

ويظهر الأمر نفسه في تجارب المبتكرين الناجحين. ففي دراسة ظاهراتية أُجريت عام ٢٠٢٣ مع أحد عشر مبتكرًا سعوديًا بارزًا، لكل منهم خمسة عشر عامًا أو أكثر من العمل الابتكاري ومنتجات ومشروعات ذات أثر واسع، تكررت عوامل بعينها في رواياتهم عن رحلتهم. وعدّ تسعة منهم الثقة بالنفس ضرورة لا يكتمل المسار دونها، وذكر بعضهم أصدقاء موهوبين لم يكملوا مشروعاتهم لأنهم فقدوا الثقة بقدراتهم. وأجمع المشاركون كلهم على أن التعلم الذاتي المستمر، المدفوع بحب المجال، كان من أسباب نجاحهم (Alsamani, 2023).

ويوضح هذه المسألة بحث أولدهام وكامنغز على موظفين في منشأتين صناعيتين، إذ قاس الإبداع بمقترحات الموظفين وبراءات اختراعهم وتقييم مشرفيهم. ووجد أن أعلى إبداع ظهر حين اجتمعت ثلاثة شروط: شخصية إبداعية، وعمل معقد يتحدى صاحبه، وإشراف داعم غير متحكم (Oldham & Cummings, 1996). فالشخصية الإبداعية استعداد تكشفه البيئة أو تخفيه.

تصور شائع

«المؤسسة تحتاج إلى توظيف مبتكرين». التوظيف مهم، لكن المبتكر الذي يدخل بيئة تكافئ الامتثال وتعاقب الخطأ يتكيف معها خلال أشهر. والأجدى أن تسأل المؤسسة أولًا: ماذا يحدث اليوم لأفكار من لديها؟

٧-٣مسار المبتكر

خلصت دراسة نوعية مع معلمي الموهوبين إلى أن الإبداع والابتكار مفهومان مترابطان ومختلفان: الإبداع عملية توليد للأفكار، معقدة ومتعددة الأوجه، قد تكون فردية أو جماعية، وتتطلب معرفة بالمجال؛ والابتكار إنتاج لنواتج أصيلة ومفيدة وملموسة يقدّرها المجتمع (Alsamani, 2019). والفرق بينهما يتجاوز التعريف إلى الاحتياج: فما يحتاجه الشخص وهو يفكر يختلف عما يحتاجه وهو يحوّل فكرته إلى واقع.

وانطلاقًا من هذا التمييز نقترح نموذج مسار المبتكر، الذي يوضحه الشكل ٧-٢. ويقرأ النموذج رحلة الفكرة من منظور صاحبها.

ممكّنات البيئة: حرية كافية · دعم مشاركة الأفكار · استقلالية الحكم · اتجاهات غير تسلطية
القاعدة: الشخص
  • الدافعية الداخلية للمهمة
  • المعرفة والمهارة
  • التنظيم الذاتي
  • الانفتاح والتعلم
المرحلة الأولى: التفكير
  • تحديد المشكلة
  • التخيل والربط
  • توليد الأفكار
  • التقويم والتعديل
المرحلة الثانية: الممارسة
  • تحتاج الفكرة إلى فرص وموارد ودعم
  • اختبار فعلي
  • تقويم مستمر
المآلات
  • قرار: الفكرة ناجحة
  • قرار: الفكرة غير فعالة
  • لا قرار: المعالجة مستمرة
  • لا قرار: العملية متوقفة
حلقة التعلم: الفكرة التي لم تنجح تعود إلى بداية المسار بمعرفة جديدة، إذا وجد صاحبها ما يدعوه إلى المحاولة مرة أخرى
معيقات البيئة: كثرة التقييم · غياب تشجيع المخاطرة · نقد الأفكار الجديدة · ضغط الوقت المفرط · المراقبة المتسلطة
شكل ٧-٢ مسار المبتكر من التفكير إلى الممارسة، والبيئة المحيطة به. إعداد المؤلف (طُوّر أول مرة في ٢٠١٧–٢٠١٨).

ويقوم النموذج على أربع أفكار:

الأولى أن الشخص يقف على الدافعية. فالخصائص المعرفية والشخصية لا تتحرك وحدها، والدافعية الداخلية هي ما يحوّلها إلى جهد فعلي. ولهذا وُضعت قاعدةً يقوم عليها المسار كله.

الثانية أن المسار مرحلتان مختلفتان. في مرحلة التفكير، يحتاج الشخص إلى حرية في الاستكشاف ووقت للتأمل، وأقل قدر من الحكم المبكر. وفي مرحلة الممارسة، يتغير الاحتياج: تصبح الفكرة في حاجة إلى فرصة لتجربتها في سياق حقيقي، وموارد تكفي لاختبارها، ودعم من أشخاص يملكون الصلاحية أو الخبرة. وكثير من المؤسسات تحسن واحدة من المرحلتين وتهمل الأخرى: فالمسابقات والهاكاثونات تحتفي بالتفكير ثم تترك الفائزين بلا طريق إلى الممارسة. ويؤيد ذلك ما وجده باير من أن الأفكار الإبداعية تُنفّذ حين يملك صاحبها الدافعية لتنفيذها وشبكة علاقات تعينه عليه (Baer, 2012). وتتفق هذه النتيجة مع ما رواه المبتكرون السعوديون في الدراسة السابقة: فقد أجمعوا على أهمية التفاعل مع الأقران، وعدّ ثمانية منهم شبكة العلاقات طريقًا إلى الفرص. ورأى ثمانية منهم كذلك أن تحويل الابتكار إلى مصدر دخل في وقت مبكر شرط للاستمرار، وروى أحدهم أن صديقًا موهوبًا اضطر إلى وظيفة بعيدة عن شغفه فانطفأ اهتمامه بمشروعه (Alsamani, 2023). فالموارد في مرحلة الممارسة تتجاوز تجربة الفكرة إلى تحديد ما إذا كان المبتكر سيستمر في المسار.

الثالثة أن للمسار أربعة مآلات. فإلى جانب نجاح الفكرة أو ثبوت عدم فعاليتها، قد يبقى المسار بلا قرار. وهذا المآل نوعان: معالجة مستمرة يحتاج فيها الشخص وقتًا للتأمل، وهي صحية؛ وعملية متوقفة لم يحسمها أحد، وهي ما سماه الفصل الخامس منطقة اللاقرار. والمآل الأخير هو الأخطر على الدافعية؛ لأن الرفض المعلل يعلّم صاحبه شيئًا، أما الصمت فيعلمه ألا يحاول مرة أخرى. وهذا ما حدث للطالبة في الحالة الافتتاحية.

الرابعة أن البيئة تحيط بالمسار كله. فالممكّنات والمعيقات تؤثر في كل خطوة منه. ويتناولها القسم ٧-٥ بتفصيل.

وتكمل حلقة التعلم هذه الأفكار: فالفكرة التي ثبت عدم فعاليتها تصبح نقطة انطلاق جديدة إذا خرج صاحبها منها بمعرفة جديدة وبرغبة في المحاولة. وهذه الرغبة تتوقف إلى حد كبير على الطريقة التي عاملت بها المؤسسة فشله.

٧-٤احتياجات المبتكر

إذا كانت الدافعية قاعدة المسار، فإن السؤال العملي هو: ما الذي يغذيها؟ وتجيب نظرية تقرير المصير بأن الدافعية الداخلية تنمو حين تُشبع ثلاث حاجات نفسية: الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء (Gagné & Deci, 2005). ونترجم تلك الحاجات العامة إلى احتياجات محددة يعيشها المبتكر في المؤسسة، يلخصها الجدول ٧-١.

جدول ٧-١ احتياجات المبتكر وما تفعله المؤسسة لتلبيتها
الحاجةكيف تبدو حين تُلبّىما تفعله المؤسسةتُفصَّل في
تقدير الفكرةيشعر صاحب الفكرة بأنها قُرئت وفُهمت، ويُنسب إليه فضلهارد معلل في وقت معلن، وإبقاء اسم صاحب الفكرة عليها في كل مراحلهاف٥، ف٨، ف١٠
الفرصةيجد طريقًا إلى مشكلة حقيقية، وإلى من يستطيع تجربة الحلفتح المشكلات للناس، وتقليل الخطوات بين صاحب الفكرة ومن يساعدهف٦، ف١١
تأجيل النقدتُستكشف الفكرة قبل أن يُحكم عليهافصل جلسات التوليد عن جلسات التقييم، وتقييم كل مرحلة بمعاييرهاف١٢
الاستقلالية ضمن حدوديعرف المشكلة والغاية، ويملك طريقة الحلتحديد «ماذا» و«لماذا» بوضوح، وترك «كيف» للناسف٣، ف٤
الموارد والدعميجد ما يكفي لاختبار الفكرة، وراعيًا يتبناهاتمويل متدرج، ووقت محمي، وأدوات للنمذجة، ورعاية قياديةف٦، ف١٠، ف١٤
الفهم والملاءمةيجد نظامًا يناسب طريقة تفكيره ويتسع لاختلاف الناسمسارات مرنة للدخول: محادثة، أو نموذج أولي، أو مقترح مكتوبف٥، ف٨
التقدم ذو المعنىيرى فكرته تتحرك، ويرى أثرها في مشكلة تهمهإظهار حالة الفكرة، والاحتفاء بالخطوات المرحلية إلى جانب النتائج النهائيةف٨، ف١٥، ف١٦

ويستحق اثنان من هذه الاحتياجات وقفة. الأول تأجيل النقد. فقد دعا أوزبورن منذ منتصف القرن الماضي إلى الفصل بين توليد الأفكار والحكم عليها (Osborn, 1953). وتوضح أبحاث أمابيل لماذا يهم هذا الفصل: فتوقع التقييم في أثناء العمل يضعف الدافعية الداخلية، ويدفع الشخص إلى الحلول الآمنة المألوفة (Amabile, 1996). وتأجيل النقد يعني وضعه في موضعه من المسار: فالفكرة تحتاج إلى تقييم صارم، ولكن بعد أن تُعطى فرصة لتكتمل.

والثاني الاستقلالية ضمن حدود، وهي المفهوم الذي يربط فصول الكتاب. فالمبتكر لا يحتاج إلى حرية مطلقة، بل قد تشتته الحرية التي لا حدود لها. إنه يحتاج إلى مشكلة واضحة وغاية مفهومة، ثم إلى أن يُترك له اختيار الطريق (Amabile, 1998). والقيادة التي تحدد «كيف» بالتفصيل تحرمه من الاستقلالية، والقيادة التي لا تحدد «ماذا» تحرمه من الاتجاه.

تطبيق مهني

اختر آخر خمس أفكار قدّمها أشخاص في فريقك، واسأل نفسك عن كل منها: هل يعرف صاحبها ما حدث لفكرته؟ هل قيلت له أسباب القرار؟ هل بقي اسمه عليها؟ إجاباتك تكشف ما تعلّمه فريقك عن جدوى أن يفكر.

٧-٥البيئة: معيقات وممكّنات

إذا كانت الدافعية أسرع مكونات الإبداع تأثرًا بالبيئة، فإن السؤال التالي: ما الذي في البيئة يرفعها أو يخفضها؟ وقد طورت أمابيل وزملاؤها أداة لقياس بيئة العمل الإبداعية، وقارنوا بها مشروعات صُنّفت عالية الإبداع وأخرى منخفضة الإبداع في المؤسسات نفسها. ووجدوا أن المشروعات عالية الإبداع تميزت بالتشجيع على مستوى المؤسسة والمشرف وفريق العمل، وبالحرية في طريقة العمل، وبالتحدي، وبكفاية الموارد. وتميزت المنخفضة بالعوائق التنظيمية، مثل الصراعات الداخلية والتحفظ والهياكل الرسمية الجامدة، وبضغط العمل المفرط (Amabile et al., 1996).

وتتقاطع هذه النتائج مع قوس البيئة في نموذج مسار المبتكر، كما يوضح الشكل ٧-٣.

معيقات
  • كثرة التقييم والمراقبة
    يتحول الانتباه من العمل إلى الحكم المتوقع عليه
  • نقد الأفكار الجديدة في بدايتها
    يتعلم الناس عرض الأفكار الآمنة فقط
  • غياب تشجيع المخاطرة المحسوبة
    يصبح الخطأ أكلف من عدم المحاولة
  • ضغط الوقت المفرط
    لا يبقى للتفكير المتعمق مكان
  • التدخل المتسلط في طريقة العمل
    تُسلب الاستقلالية فتضعف الدافعية
ممكّنات
  • حرية كافية في طريقة العمل
    الاستقلالية ضمن حدود المشكلة
  • دعم مشاركة الأفكار
    قنوات قريبة، واستقبال يحترم صاحب الفكرة
  • استقلالية الحكم
    يُعامل الشخص بوصفه خبيرًا في عمله
  • اتجاهات غير تسلطية
    القائد ميسّر للعمل وسند لأصحابه
  • تحدٍّ ذو معنى وموارد كافية
    مهمة تستحق الجهد، وما يكفي لإنجازها
شكل ٧-٣ معيقات البيئة الإبداعية وممكّناتها. إعداد المؤلف، مع الإفادة من Amabile et al. (1996).

وتُلاحظ في الشكل ثلاثة أمور. أولها أن أكثر المعيقات ممارسات يومية صغيرة: تعليق ساخر في اجتماع، أو تقرير متابعة أسبوعي لا يقرؤه أحد، أو موعد نهائي غير ضروري. وثانيها أن كثيرًا منها يصدر بحسن نية: فالمراقبة تُقصد بها الجودة، والنقد المبكر يُقصد به توفير الجهد. وثالثها أن الممكّنات قليلة الكلفة المالية، لكنها تتطلب وعيًا من القادة وتغييرًا في عاداتهم. ولهذا تنفق مؤسسات كثيرة على المدخلات الظاهرة، كالمراكز والمنصات، وتبقي على المعيقات اليومية التي تبطل أثرها.

ويعالج الفصل الثامن الثقافة بوصفها الإطار الأوسع لهذه الممارسات: القيم والمعايير غير المكتوبة، والأمان النفسي، والتعامل مع الفشل.

٧-٦أنظمة تتسع للإنسان

تعود الحالة الافتتاحية بسؤال أخير: لو أعادت الجامعة تصميم منظومتها حول الطالبة بدل إجراءاتها، فما الذي سيتغير؟ يمكن قراءة كل خطوة في رحلتها بوصفها حاجة لم تُلبَّ:

والخطوة الأولى في هذه القائمة أهمها، لأنها تمس الطلاب جميعًا، ومن يطرق أبواب المسرعة قلة منهم. ففي دراسة شملت ٣٧٣ طالبًا جامعيًا من عدة جامعات سعودية، ارتبط دعم أعضاء هيئة التدريس في التدريس اليومي بالكفاءة الذاتية الإبداعية للطلاب وبسلوكهم الابتكاري، وفسّرت الكفاءة الذاتية جزءًا من هذه العلاقة (Alsamani & Alqahtani, 2026). ويُفهم من ذلك أن البنى المتخصصة، كالحاضنات والمسرعات، والعمل اليومي لأعضاء هيئة التدريس مع طلابهم جزءان من منظومة واحدة. ويرى أعضاء هيئة التدريس أنفسهم أن الطلبة ذوي السمات الإبداعية يحتاجون، إلى جانب مهارات التفكير وحل المشكلات، إلى التعرف على الفرص الإبداعية والابتكارية الواعدة المتسقة مع رؤية المملكة ٢٠٣٠ (الصمعاني، ٢٠٢٣).

وتمتد هذه القراءة إلى ما وراء الجامعة؛ ففي أي مؤسسة يمكن مراجعة كل مرحلة من مراحل نظام الابتكار بسؤال واحد: ماذا يحتاج صاحب الفكرة هنا، وماذا يجد فعلًا؟ والنظام الذي يطرح هذا السؤال بانتظام يتطور حول الناس، والذي لا يطرحه يتطور حول نفسه.

ويزداد هذا السؤال أهمية مع الذكاء الاصطناعي. فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي تنجز كثيرًا مما كان يميز الخبير، ومنها صياغة خطة العمل التي أوقفت الطالبة. وما يبقى للإنسان هو ما لا تفعله الأداة عنه: أن يلاحظ مشكلة لم يطلب منه أحد ملاحظتها، وأن يهتم بها بما يكفي ليتابعها. وهذان بالضبط ما تكسبه البيئة أو تخسره.

مبدأ

المنظومة التي تُبنى حول الإجراء تنتظر الأفكار، والمنظومة التي تُبنى حول الإنسان تستدعيها. ويتجلى الفرق بينهما في ما يحدث لفكرة شخص واحد في أسبوعها الأول.

أداة الفصل: رحلة المبتكر

اختر فكرة حقيقية مرت بمؤسستك في السنة الماضية، ويُفضّل أن تكون فكرة لم تكتمل. اجلس مع صاحبها، وتتبعا معًا رحلتها خطوة خطوة. سجّل في كل خطوة الجهة التي تعاملت معها، وما كان صاحب الفكرة يحتاجه، وما وجده فعلًا. ثم حدد النقطة التي توقف فيها المسار، وما الحاجة التي لم تُلبَّ عندها. كرر الأداة مع ثلاث أفكار أو أربع، وابحث عن النقطة التي تتكرر.

أداة الفصل رحلة المبتكر (مثال من الحالة الافتتاحية)
الخطوةالجهةما كان يحتاجهما وجدهالأثر في الدافعية
ملاحظة المشكلةجهة التدريب الميدانيوقت ومساحة للتأملمتوفرمرتفعة
العرض الأولأستاذ المقررفرصة في المقرر لتطوير الفكرةثناء دون فرصةمستقرة
طلب الدعممسرعة الأعمالتوجيه يناسب مرحلة التفكيرشرط خطة عمل كاملةمنخفضة
التسجيل الرسميمنصة الأفكاررد معلل في وقت معلنرد آلي ثم صمتانطفأت
نقطة التوقف: منطقة اللاقرار في المنصة. الحاجة غير الملباة: التقدير.

خلاصة الفصل

مصطلحات الفصل

النموذج المكوِّن للإبداعComponential model of creativity
نموذج يفسر الإبداع الفردي بالمهارة في المجال، والعمليات المرتبطة بالإبداع، والدافعية الداخلية للمهمة، في سياق بيئة العمل.
الدافعية الداخلية للمهمةIntrinsic task motivation
الاندفاع إلى العمل لما فيه من اهتمام وتحدٍّ، لا لمكافأة خارجية.
الكفاءة الذاتية الإبداعيةCreative self-efficacy
اعتقاد الشخص بقدرته على إنتاج أفكار جديدة ومفيدة.
مسار المبتكرThe innovator's path
نموذج يقرأ رحلة الفكرة من منظور صاحبها، من التفكير إلى الممارسة، ومآلاتها، والبيئة المحيطة بها.
بيئة العمل الإبداعيةWork environment for creativity
ما في المؤسسة من ممكّنات ومعيقات تؤثر في إبداع العاملين، ولا سيما في دافعيتهم.

أسئلة للمراجعة والمناقشة

  1. لماذا تُعد الدافعية الداخلية أكثر مكونات الإبداع تأثرًا بالبيئة؟ وما دلالة ذلك للمديرين؟ فهم
  2. في ضوء دراسة أولدهام وكامنغز، ما حدود الاعتماد على توظيف أشخاص ذوي شخصيات إبداعية لرفع الابتكار في المؤسسة؟ تحليل
  3. اختر برنامجًا ابتكاريًا في مؤسستك، وحدد أي مرحلتي مسار المبتكر يخدم، وما الذي يحتاجه ليخدم الأخرى. تطبيق
  4. طبّق أداة رحلة المبتكر على فكرة حقيقية، وحدد الحاجة التي لم تُلبَّ عند نقطة التوقف. تطبيق
  5. «تأجيل النقد يُضعف جودة الأفكار لأنه يسمح بمرور الضعيف منها». قوّم هذه العبارة. تقويم

مراجع الفصل

  1. الصمعاني، عمر عبدالله. (٢٠٢٣). احتياجات الطلبة الموهوبين ذوي السمات الإبداعية والابتكارية في المرحلة الجامعية لتحفيز الإبداع والابتكار. مجلة العلوم الإنسانية، جامعة حائل، ٦(١٩، الجزء ٢)، ٣٩–٦٢.
  2. الصمعاني، عمر عبدالله. (٢٠٢٦). المجتمع الداعم للابتكار وريادة الأعمال للأفراد الموهوبين كما يراه روّاد الأعمال المبتكرون السعوديون: دراسة نوعية ظاهراتية. مجلة العلوم التربوية والنفسية، جامعة القصيم، ١٩(٢)، ٦٢١–٦٥٢.
  3. Alsamani, O. A. (2019). Fostering creativity and innovation in gifted students through the eyes of gifted education educators [Doctoral dissertation, University of Northern Colorado]. https://digscholarship.unco.edu/dissertations/573/
  4. Alsamani, O. A. (2023). The development of innovation for the creatively gifted: A phenomenological study of the lived experiences of successful outstanding innovators. International Journal of Educational Sciences, 41(1–3), 70–81. https://doi.org/10.31901/24566322.2023/41.1-3.1279
  5. Alsamani, O. A., & Alqahtani, Y. A. (2026). Cultivating innovation in higher education: The role of everyday faculty support and creative self-efficacy [Manuscript submitted for publication]. Department of Special Education, University of Hail.
  6. Amabile, T. M. (1988). A model of creativity and innovation in organizations. Research in Organizational Behavior, 10, 123–167.
  7. Amabile, T. M. (1996). Creativity in context: Update to "The social psychology of creativity." Westview Press.
  8. Amabile, T. M. (1998). How to kill creativity. Harvard Business Review, 76(5), 76–87.
  9. Amabile, T. M., Conti, R., Coon, H., Lazenby, J., & Herron, M. (1996). Assessing the work environment for creativity. Academy of Management Journal, 39(5), 1154–1184. https://doi.org/10.2307/256995
  10. Amabile, T. M., & Pratt, M. G. (2016). The dynamic componential model of creativity and innovation in organizations: Making progress, making meaning. Research in Organizational Behavior, 36, 157–183. https://doi.org/10.1016/j.riob.2016.10.001
  11. Baer, M. (2012). Putting creativity to work: The implementation of creative ideas in organizations. Academy of Management Journal, 55(5), 1102–1119. https://doi.org/10.5465/amj.2009.0470
  12. Feist, G. J. (1998). A meta-analysis of personality in scientific and artistic creativity. Personality and Social Psychology Review, 2(4), 290–309. https://doi.org/10.1207/s15327957pspr0204_5
  13. Gagné, M., & Deci, E. L. (2005). Self-determination theory and work motivation. Journal of Organizational Behavior, 26(4), 331–362. https://doi.org/10.1002/job.322
  14. Oldham, G. R., & Cummings, A. (1996). Employee creativity: Personal and contextual factors at work. Academy of Management Journal, 39(3), 607–634. https://doi.org/10.2307/256657
  15. Osborn, A. F. (1953). Applied imagination: Principles and procedures of creative thinking. Scribner.
  16. Tierney, P., & Farmer, S. M. (2002). Creative self-efficacy: Its potential antecedents and relationship to creative performance. Academy of Management Journal, 45(6), 1137–1148. https://doi.org/10.2307/3069429