بعد أن استوفت الفصول السابقة الاستراتيجيةَ والنظامَ والعمارة، نعود في هذا الفصل إلى من تُبنى له هذه جميعها: الإنسان الذي يحمل الفكرة. فنقف عند خصائص المبتكرين ودافعيتهم، ونتتبّع المسار الذي تقطعه الفكرة معهم، وما يحتاجونه من بيئتهم في كل مرحلة من مراحله.
لاحظت طالبة في السنة الثالثة، خلال تدريبها الميداني، أن مراجعي إحدى الجهات ينتظرون ساعات لإنجاز إجراء يمكن اختصاره، وتصورت حلًا بسيطًا له. عرضت الفكرة على أستاذ أحد مقرراتها فأثنى عليها، ثم ذكّرها بأن الاختبار النهائي يغطي الفصول من الأول إلى العاشر. وتوجهت إلى مسرعة الأعمال في الجامعة فطُلبت منها خطة عمل كاملة لم تكن تعرف كيف تكتبها. ثم سجّلت الفكرة في منصة الأفكار فوصلها رد آلي بالاستلام، ولم يصلها بعده شيء. وبعد فصلين دراسيين، كانت قد نسيت الفكرة. لم يرفض أحد فكرتها، ولم يقبلها أحد.
لاحظت الطالبة المشكلة، وتصورت الحل، وطرقت ثلاثة أبواب. فأين توقفت فكرتها؟ وما الذي كانت تحتاجه لتمضي خطوة واحدة إلى الأمام؟ ذلك هو السؤال الذي يشغل هذا الفصل، ونقاربه من زاوية المبتكر نفسه: مَن هو، وما الذي يحتاجه، وكيف تُصمَّم البيئة والأنظمة من حوله.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
تملك مؤسسات كثيرة مراكز ومنصات وميزانيات للابتكار، ومع ذلك لا تنتج ابتكارًا بصورة متكررة. ونرى أن من أهم أسباب ذلك أن هذه المنظومات صُمّمت حول الإجراء وأغفلت الإنسان: تحدد المراحل والنماذج والمعايير، ثم تفترض أن الأفكار ستتدفق إليها. غير أن الفكرة تولد في عقل شخص يلاحظ ويتساءل ويربط، ثم يقرر أن يبذل جهدًا إضافيًا لم يطلبه منه أحد. وهذا القرار الأخير هو ما تكسبه البيئة أو تخسره.
وقد قدمت أمابيل أكثر النماذج تأثيرًا في تفسير هذه العلاقة، وهو النموذج المكوِّن للإبداع (Amabile, 1988, 1996). ويرى أن الإبداع الفردي يتشكل من ثلاثة مكونات داخل الشخص، تحيط بها بيئة العمل وتؤثر فيها جميعًا، كما يوضح الشكل ٧-١.
وتكمن أهمية هذا النموذج لإدارة الابتكار في المكون الثالث. فالمهارات والعمليات تنمو ببطء عبر التعليم والخبرة، أما الدافعية فتتأثر سريعًا بما يحدث للشخص في يومه: كيف استُقبلت فكرته، وهل وجد وقتًا لها، وهل رأى أثرًا لجهده. ولهذا يمكن لبيئة رديئة أن تُطفئ في أسابيع ما بنته سنوات من التعليم. وقد طوّرت أمابيل وبرات النموذج لاحقًا ليربط إبداع الأفراد بابتكار المؤسسة، وأضافا إليه عنصرين: التقدم الذي يلمسه الشخص في عمل يراه ذا معنى؛ فهما يغذيان الدافعية ويجعلانها تتجدد (Amabile & Pratt, 2016).
ولا يعني تقديم الإنسان إغفال المنظومة. فالفصول السابقة بنت الاستراتيجية التي تحدد المشكلات الجديرة بالعمل، والنظام الذي يحوّل الأفكار إلى قيمة، والعمارة التي تربط الجهات. وهذا الفصل يضع الإنسان في مركزها؛ إذ إن المنظومة هي ما يربط الإنسان بالمشكلة، فإذا غاب أحد الطرفين لم يبق ما تربطه.
وهذا ما يراه المبتكرون أنفسهم. ففي دراسة ظاهراتية مع عشرة من روّاد الأعمال السعوديين المبتكرين، لكل منهم خبرة تتراوح بين خمسة عشر عامًا وخمسة وعشرين في بناء مشروعات ابتكارية، وصف المشاركون المجتمع الداعم بأنه يبدأ بالاعتراف بخصوصية المبتكر وفهم نمطه الشخصي والمعرفي، ثم يستثمر فيه ويربطه بالبيئات الاقتصادية المناسبة. وخلصت الدراسة إلى أن الدعم الفعال يستثمر في المبتكر نفسه بوصفه موردًا بشريًا استراتيجيًا، ويتجاوز متابعة مخرجاته (الصمعاني، ٢٠٢٦).
تنتشر صورة للمبتكر بوصفه عبقريًا نادرًا يولد بموهبته. والأبحاث لا تدعم هذه الصورة بإطلاق. فقد وجد فايست في تحليل بعدي لدراسات الشخصية أن المبدعين في العلوم والفنون يميلون إلى سمات مشتركة، أبرزها الانفتاح على الخبرات الجديدة، والاستقلالية، والثقة بالنفس، والدافعية العالية (Feist, 1998). غير أن هذه السمات تتوزع بين الناس على متصل من الدرجات. وفي كل مؤسسة عدد من الأشخاص يحملون هذه السمات بدرجة عالية، وعدد أكبر يحملونها بدرجة تكفي لأن يبتكروا إذا وجدوا البيئة المناسبة.
ويمكن جمع خصائص المبتكرين في ثلاث مجموعات، كما يصنفها نموذج «مسار المبتكر» الذي يعرضه القسم التالي:
ومن الخصائص التي تستحق انتباه المديرين خاصة الكفاءة الذاتية الإبداعية، أي اعتقاد الشخص بقدرته على إنتاج أفكار جديدة ومفيدة. فقد وجد تيرني وفارمر أنها تتنبأ بالأداء الإبداعي للموظفين، وأنها تتأثر بسلوك المشرف وبالخبرة في العمل (Tierney & Farmer, 2002). وهذا يعني أن جزءًا من «موهبة» المبتكر يُبنى أو يُهدم في بيئة عمله: فالموظف الذي استُقبلت أفكاره الأولى بالسخرية يتعلم أنه «ليس مبدعًا»، والآخر الذي وجد من يأخذ أفكاره بجدية يتعلم العكس.
ويظهر الأمر نفسه في تجارب المبتكرين الناجحين. ففي دراسة ظاهراتية أُجريت عام ٢٠٢٣ مع أحد عشر مبتكرًا سعوديًا بارزًا، لكل منهم خمسة عشر عامًا أو أكثر من العمل الابتكاري ومنتجات ومشروعات ذات أثر واسع، تكررت عوامل بعينها في رواياتهم عن رحلتهم. وعدّ تسعة منهم الثقة بالنفس ضرورة لا يكتمل المسار دونها، وذكر بعضهم أصدقاء موهوبين لم يكملوا مشروعاتهم لأنهم فقدوا الثقة بقدراتهم. وأجمع المشاركون كلهم على أن التعلم الذاتي المستمر، المدفوع بحب المجال، كان من أسباب نجاحهم (Alsamani, 2023).
ويوضح هذه المسألة بحث أولدهام وكامنغز على موظفين في منشأتين صناعيتين، إذ قاس الإبداع بمقترحات الموظفين وبراءات اختراعهم وتقييم مشرفيهم. ووجد أن أعلى إبداع ظهر حين اجتمعت ثلاثة شروط: شخصية إبداعية، وعمل معقد يتحدى صاحبه، وإشراف داعم غير متحكم (Oldham & Cummings, 1996). فالشخصية الإبداعية استعداد تكشفه البيئة أو تخفيه.
«المؤسسة تحتاج إلى توظيف مبتكرين». التوظيف مهم، لكن المبتكر الذي يدخل بيئة تكافئ الامتثال وتعاقب الخطأ يتكيف معها خلال أشهر. والأجدى أن تسأل المؤسسة أولًا: ماذا يحدث اليوم لأفكار من لديها؟
خلصت دراسة نوعية مع معلمي الموهوبين إلى أن الإبداع والابتكار مفهومان مترابطان ومختلفان: الإبداع عملية توليد للأفكار، معقدة ومتعددة الأوجه، قد تكون فردية أو جماعية، وتتطلب معرفة بالمجال؛ والابتكار إنتاج لنواتج أصيلة ومفيدة وملموسة يقدّرها المجتمع (Alsamani, 2019). والفرق بينهما يتجاوز التعريف إلى الاحتياج: فما يحتاجه الشخص وهو يفكر يختلف عما يحتاجه وهو يحوّل فكرته إلى واقع.
وانطلاقًا من هذا التمييز نقترح نموذج مسار المبتكر، الذي يوضحه الشكل ٧-٢. ويقرأ النموذج رحلة الفكرة من منظور صاحبها.
ويقوم النموذج على أربع أفكار:
الأولى أن الشخص يقف على الدافعية. فالخصائص المعرفية والشخصية لا تتحرك وحدها، والدافعية الداخلية هي ما يحوّلها إلى جهد فعلي. ولهذا وُضعت قاعدةً يقوم عليها المسار كله.
الثانية أن المسار مرحلتان مختلفتان. في مرحلة التفكير، يحتاج الشخص إلى حرية في الاستكشاف ووقت للتأمل، وأقل قدر من الحكم المبكر. وفي مرحلة الممارسة، يتغير الاحتياج: تصبح الفكرة في حاجة إلى فرصة لتجربتها في سياق حقيقي، وموارد تكفي لاختبارها، ودعم من أشخاص يملكون الصلاحية أو الخبرة. وكثير من المؤسسات تحسن واحدة من المرحلتين وتهمل الأخرى: فالمسابقات والهاكاثونات تحتفي بالتفكير ثم تترك الفائزين بلا طريق إلى الممارسة. ويؤيد ذلك ما وجده باير من أن الأفكار الإبداعية تُنفّذ حين يملك صاحبها الدافعية لتنفيذها وشبكة علاقات تعينه عليه (Baer, 2012). وتتفق هذه النتيجة مع ما رواه المبتكرون السعوديون في الدراسة السابقة: فقد أجمعوا على أهمية التفاعل مع الأقران، وعدّ ثمانية منهم شبكة العلاقات طريقًا إلى الفرص. ورأى ثمانية منهم كذلك أن تحويل الابتكار إلى مصدر دخل في وقت مبكر شرط للاستمرار، وروى أحدهم أن صديقًا موهوبًا اضطر إلى وظيفة بعيدة عن شغفه فانطفأ اهتمامه بمشروعه (Alsamani, 2023). فالموارد في مرحلة الممارسة تتجاوز تجربة الفكرة إلى تحديد ما إذا كان المبتكر سيستمر في المسار.
الثالثة أن للمسار أربعة مآلات. فإلى جانب نجاح الفكرة أو ثبوت عدم فعاليتها، قد يبقى المسار بلا قرار. وهذا المآل نوعان: معالجة مستمرة يحتاج فيها الشخص وقتًا للتأمل، وهي صحية؛ وعملية متوقفة لم يحسمها أحد، وهي ما سماه الفصل الخامس منطقة اللاقرار. والمآل الأخير هو الأخطر على الدافعية؛ لأن الرفض المعلل يعلّم صاحبه شيئًا، أما الصمت فيعلمه ألا يحاول مرة أخرى. وهذا ما حدث للطالبة في الحالة الافتتاحية.
الرابعة أن البيئة تحيط بالمسار كله. فالممكّنات والمعيقات تؤثر في كل خطوة منه. ويتناولها القسم ٧-٥ بتفصيل.
وتكمل حلقة التعلم هذه الأفكار: فالفكرة التي ثبت عدم فعاليتها تصبح نقطة انطلاق جديدة إذا خرج صاحبها منها بمعرفة جديدة وبرغبة في المحاولة. وهذه الرغبة تتوقف إلى حد كبير على الطريقة التي عاملت بها المؤسسة فشله.
إذا كانت الدافعية قاعدة المسار، فإن السؤال العملي هو: ما الذي يغذيها؟ وتجيب نظرية تقرير المصير بأن الدافعية الداخلية تنمو حين تُشبع ثلاث حاجات نفسية: الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء (Gagné & Deci, 2005). ونترجم تلك الحاجات العامة إلى احتياجات محددة يعيشها المبتكر في المؤسسة، يلخصها الجدول ٧-١.
| الحاجة | كيف تبدو حين تُلبّى | ما تفعله المؤسسة | تُفصَّل في |
|---|---|---|---|
| تقدير الفكرة | يشعر صاحب الفكرة بأنها قُرئت وفُهمت، ويُنسب إليه فضلها | رد معلل في وقت معلن، وإبقاء اسم صاحب الفكرة عليها في كل مراحلها | ف٥، ف٨، ف١٠ |
| الفرصة | يجد طريقًا إلى مشكلة حقيقية، وإلى من يستطيع تجربة الحل | فتح المشكلات للناس، وتقليل الخطوات بين صاحب الفكرة ومن يساعده | ف٦، ف١١ |
| تأجيل النقد | تُستكشف الفكرة قبل أن يُحكم عليها | فصل جلسات التوليد عن جلسات التقييم، وتقييم كل مرحلة بمعاييرها | ف١٢ |
| الاستقلالية ضمن حدود | يعرف المشكلة والغاية، ويملك طريقة الحل | تحديد «ماذا» و«لماذا» بوضوح، وترك «كيف» للناس | ف٣، ف٤ |
| الموارد والدعم | يجد ما يكفي لاختبار الفكرة، وراعيًا يتبناها | تمويل متدرج، ووقت محمي، وأدوات للنمذجة، ورعاية قيادية | ف٦، ف١٠، ف١٤ |
| الفهم والملاءمة | يجد نظامًا يناسب طريقة تفكيره ويتسع لاختلاف الناس | مسارات مرنة للدخول: محادثة، أو نموذج أولي، أو مقترح مكتوب | ف٥، ف٨ |
| التقدم ذو المعنى | يرى فكرته تتحرك، ويرى أثرها في مشكلة تهمه | إظهار حالة الفكرة، والاحتفاء بالخطوات المرحلية إلى جانب النتائج النهائية | ف٨، ف١٥، ف١٦ |
ويستحق اثنان من هذه الاحتياجات وقفة. الأول تأجيل النقد. فقد دعا أوزبورن منذ منتصف القرن الماضي إلى الفصل بين توليد الأفكار والحكم عليها (Osborn, 1953). وتوضح أبحاث أمابيل لماذا يهم هذا الفصل: فتوقع التقييم في أثناء العمل يضعف الدافعية الداخلية، ويدفع الشخص إلى الحلول الآمنة المألوفة (Amabile, 1996). وتأجيل النقد يعني وضعه في موضعه من المسار: فالفكرة تحتاج إلى تقييم صارم، ولكن بعد أن تُعطى فرصة لتكتمل.
والثاني الاستقلالية ضمن حدود، وهي المفهوم الذي يربط فصول الكتاب. فالمبتكر لا يحتاج إلى حرية مطلقة، بل قد تشتته الحرية التي لا حدود لها. إنه يحتاج إلى مشكلة واضحة وغاية مفهومة، ثم إلى أن يُترك له اختيار الطريق (Amabile, 1998). والقيادة التي تحدد «كيف» بالتفصيل تحرمه من الاستقلالية، والقيادة التي لا تحدد «ماذا» تحرمه من الاتجاه.
اختر آخر خمس أفكار قدّمها أشخاص في فريقك، واسأل نفسك عن كل منها: هل يعرف صاحبها ما حدث لفكرته؟ هل قيلت له أسباب القرار؟ هل بقي اسمه عليها؟ إجاباتك تكشف ما تعلّمه فريقك عن جدوى أن يفكر.
إذا كانت الدافعية أسرع مكونات الإبداع تأثرًا بالبيئة، فإن السؤال التالي: ما الذي في البيئة يرفعها أو يخفضها؟ وقد طورت أمابيل وزملاؤها أداة لقياس بيئة العمل الإبداعية، وقارنوا بها مشروعات صُنّفت عالية الإبداع وأخرى منخفضة الإبداع في المؤسسات نفسها. ووجدوا أن المشروعات عالية الإبداع تميزت بالتشجيع على مستوى المؤسسة والمشرف وفريق العمل، وبالحرية في طريقة العمل، وبالتحدي، وبكفاية الموارد. وتميزت المنخفضة بالعوائق التنظيمية، مثل الصراعات الداخلية والتحفظ والهياكل الرسمية الجامدة، وبضغط العمل المفرط (Amabile et al., 1996).
وتتقاطع هذه النتائج مع قوس البيئة في نموذج مسار المبتكر، كما يوضح الشكل ٧-٣.
وتُلاحظ في الشكل ثلاثة أمور. أولها أن أكثر المعيقات ممارسات يومية صغيرة: تعليق ساخر في اجتماع، أو تقرير متابعة أسبوعي لا يقرؤه أحد، أو موعد نهائي غير ضروري. وثانيها أن كثيرًا منها يصدر بحسن نية: فالمراقبة تُقصد بها الجودة، والنقد المبكر يُقصد به توفير الجهد. وثالثها أن الممكّنات قليلة الكلفة المالية، لكنها تتطلب وعيًا من القادة وتغييرًا في عاداتهم. ولهذا تنفق مؤسسات كثيرة على المدخلات الظاهرة، كالمراكز والمنصات، وتبقي على المعيقات اليومية التي تبطل أثرها.
ويعالج الفصل الثامن الثقافة بوصفها الإطار الأوسع لهذه الممارسات: القيم والمعايير غير المكتوبة، والأمان النفسي، والتعامل مع الفشل.
تعود الحالة الافتتاحية بسؤال أخير: لو أعادت الجامعة تصميم منظومتها حول الطالبة بدل إجراءاتها، فما الذي سيتغير؟ يمكن قراءة كل خطوة في رحلتها بوصفها حاجة لم تُلبَّ:
والخطوة الأولى في هذه القائمة أهمها، لأنها تمس الطلاب جميعًا، ومن يطرق أبواب المسرعة قلة منهم. ففي دراسة شملت ٣٧٣ طالبًا جامعيًا من عدة جامعات سعودية، ارتبط دعم أعضاء هيئة التدريس في التدريس اليومي بالكفاءة الذاتية الإبداعية للطلاب وبسلوكهم الابتكاري، وفسّرت الكفاءة الذاتية جزءًا من هذه العلاقة (Alsamani & Alqahtani, 2026). ويُفهم من ذلك أن البنى المتخصصة، كالحاضنات والمسرعات، والعمل اليومي لأعضاء هيئة التدريس مع طلابهم جزءان من منظومة واحدة. ويرى أعضاء هيئة التدريس أنفسهم أن الطلبة ذوي السمات الإبداعية يحتاجون، إلى جانب مهارات التفكير وحل المشكلات، إلى التعرف على الفرص الإبداعية والابتكارية الواعدة المتسقة مع رؤية المملكة ٢٠٣٠ (الصمعاني، ٢٠٢٣).
وتمتد هذه القراءة إلى ما وراء الجامعة؛ ففي أي مؤسسة يمكن مراجعة كل مرحلة من مراحل نظام الابتكار بسؤال واحد: ماذا يحتاج صاحب الفكرة هنا، وماذا يجد فعلًا؟ والنظام الذي يطرح هذا السؤال بانتظام يتطور حول الناس، والذي لا يطرحه يتطور حول نفسه.
ويزداد هذا السؤال أهمية مع الذكاء الاصطناعي. فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي تنجز كثيرًا مما كان يميز الخبير، ومنها صياغة خطة العمل التي أوقفت الطالبة. وما يبقى للإنسان هو ما لا تفعله الأداة عنه: أن يلاحظ مشكلة لم يطلب منه أحد ملاحظتها، وأن يهتم بها بما يكفي ليتابعها. وهذان بالضبط ما تكسبه البيئة أو تخسره.
المنظومة التي تُبنى حول الإجراء تنتظر الأفكار، والمنظومة التي تُبنى حول الإنسان تستدعيها. ويتجلى الفرق بينهما في ما يحدث لفكرة شخص واحد في أسبوعها الأول.
اختر فكرة حقيقية مرت بمؤسستك في السنة الماضية، ويُفضّل أن تكون فكرة لم تكتمل. اجلس مع صاحبها، وتتبعا معًا رحلتها خطوة خطوة. سجّل في كل خطوة الجهة التي تعاملت معها، وما كان صاحب الفكرة يحتاجه، وما وجده فعلًا. ثم حدد النقطة التي توقف فيها المسار، وما الحاجة التي لم تُلبَّ عندها. كرر الأداة مع ثلاث أفكار أو أربع، وابحث عن النقطة التي تتكرر.
| الخطوة | الجهة | ما كان يحتاجه | ما وجده | الأثر في الدافعية |
|---|---|---|---|---|
| ملاحظة المشكلة | جهة التدريب الميداني | وقت ومساحة للتأمل | متوفر | مرتفعة |
| العرض الأول | أستاذ المقرر | فرصة في المقرر لتطوير الفكرة | ثناء دون فرصة | مستقرة |
| طلب الدعم | مسرعة الأعمال | توجيه يناسب مرحلة التفكير | شرط خطة عمل كاملة | منخفضة |
| التسجيل الرسمي | منصة الأفكار | رد معلل في وقت معلن | رد آلي ثم صمت | انطفأت |
| نقطة التوقف: منطقة اللاقرار في المنصة. الحاجة غير الملباة: التقدير. | ||||