نبحث في هذا الفصل الكيفية التي تنتظم بها المؤسسة لاحتضان الابتكار: موقعه من الهيكل، والممكّنات التي يتطلبها، وسبل تكامل الوحدات بدل انعزال كل منها عن الأخرى، ومن يتولى قيادة ذلك. ونتخذ من الجامعة حالة تطبيقية يمتد أثرها إلى فصول لاحقة.
تملك إحدى الجامعات ما تطمح إليه كثير من المؤسسات: مسرعة أعمال، ومعمل فاب لاب للتصنيع الرقمي، وواحة للابتكار، ومراكز بحثية، وبرنامجًا لرعاية الموهوبين، وعمادة لشؤون الطلاب تنظم المسابقات. ولكل جهة منها خطتها ومؤشراتها وتقاريرها السنوية. غير أن استطلاعًا للطلاب أظهر أن كثيرًا منهم لا يعرفون هذه الجهات، ومن يعرفها لا يرى صلة بينها وبين مقرراته. فالواجبات في معظم المقررات تقيس القدرة على الإجابة عن أسئلة الاختبار، والطالب الذي يحمل فكرة لا يعرف إلى أي جهة يذهب، وكل جهة تنتظر أن يأتيها الطلاب.
تملك هذه الجامعة المدخلات كاملة، وما يعوزها هو العمارة التي تنتظم بها هذه الجهات في منظومة واحدة تصل الطالب في موضع تعلمه. وعلى هذه العمارة ينصبّ اهتمامنا في هذا الفصل: كيف تنتظم المؤسسة لتتحول كياناتها المتجاورة إلى قدرة مؤسسية على الابتكار.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
قد تنجح مبادرة ابتكارية بفضل قائد متحمس أو فريق استثنائي، لكن ذلك لا يعني أن المؤسسة أصبحت قادرة على الابتكار. فالقدرة المؤسسية تظهر حين تدعم تدفقَ الفرص والتجارب والتنفيذ بنيةٌ من الأدوار والموارد والعلاقات تبقى قائمة إذا انتقل المتميزون من أفرادها إلى مواقع أخرى، ويتوزع بها الابتكار على المؤسسة كلها. ولهذا عرّف المعيار الدولي نظام إدارة الابتكار بأنه وسيلة المؤسسة لتطوير قدرتها على الابتكار وإثباتها (ISO, 2024).
وحين يتعطل الابتكار، تميل المؤسسات إلى تفسير ذلك بقلة الأفكار أو ضعف حماس الموظفين. والأجدى أن يُسأل عن العمارة: هل للابتكار موضع واضح في الهيكل؟ هل تتوفر له الممكّنات؟ هل تعمل الوحدات معًا؟ هل يصل النظام إلى الناس حيث يعملون؟
تتبع المؤسسات في تنظيم الابتكار أحد ثلاثة نماذج، ولكل منها مزاياه وحدوده. وقد خلص أوكونور ودي مارتينو من دراستهما لمؤسسات كبرى تسعى إلى الابتكار الجذري إلى أن بناء القدرة عليه يتطلب تحويل الجهود المتفرقة إلى وظيفة مؤسسية واضحة (O'Connor & DeMartino, 2006).
وتنتشر في القطاع العام صورة خاصة من النموذج المركزي هي مختبرات الابتكار. وقد وجدت دراسة شملت ٣٥ مختبرًا حكوميًا أن من دوافع إنشائها مواجهة تعقيد المشكلات والتحديات التقنية، لكن منها أيضًا محاكاة الجهات الأخرى وطلب الشرعية (Tõnurist et al., 2017). والمختبر الذي يُنشأ لأن الآخرين أنشؤوا مثله، أو ليُظهر الجهة بمظهر المبتكر، معرّض لأن يبقى مدخلًا بلا مخرج.
يحتاج الابتكار، أيًّا كان موضعه في الهيكل، إلى ممكّنات هي شرط عمله. فإعلان المؤسسة دعمها للابتكار يظل ناقصًا ما دام الناس يبتكرون بالموارد نفسها التي يؤدون بها أعمالهم الاعتيادية.
| الممكّن | ما يعنيه | علامة غيابه |
|---|---|---|
| الوقت | وقت محمي للاستكشاف ضمن ساعات العمل الرسمية | «ابتكر بعد أن تنهي مهامك» |
| المهارات | فهم المستفيد، وصياغة الفرضيات، وتصميم التجارب، إلى جانب توليد الأفكار | ورش عصف ذهني متكررة دون تقدم |
| البيانات والأدوات | وصول إلى البيانات وأدوات النمذجة والاختبار | فرق تنتظر أشهرًا للحصول على بيانات |
| المساحات | أماكن للعمل المشترك والتجريب، قريبة من الناس | مساحة أنيقة في مبنى بعيد لا يزوره أحد |
| الشبكات | صلات بخبراء وشركاء داخل المؤسسة وخارجها | كل فريق يبدأ من الصفر |
| التمويل | تمويل يتدرج مع الأدلة | إما لا تمويل، وإما تمويل كبير مبكر بلا مراحل |
ويستحق الوقت وقفة خاصة، لأنه أندر الممكّنات وأكثرها إغفالًا. فقد حللت أمابيل وزميلاها يوميات ١٧٧ موظفًا، فوجدوا أن الضغط الزمني يضعف التفكير الإبداعي حين يشعر الناس أنهم يدورون في حلقة مفرغة أو يعملون آليًا، بينما يبقى الإبداع ممكنًا تحت الضغط حين يشعرون أنهم في مهمة ذات معنى، يعرفون غايتها ويُحمَون من التشتت (Amabile et al., 2002). فالمسألة إذن تتجاوز كمية الوقت إلى معناه: هل يشعر الفرد أن وقته موجّه إلى غاية واضحة، أم موزع على مهام متفرقة لا تنتهي؟
كثير من فرص الابتكار يقع في المسافات الفاصلة بين الوحدات التنظيمية. فقد تتحمل وحدة عبئًا ناتجًا عن قرار في وحدة أخرى، أو يعيد موظف إدخال بيانات لأن الأنظمة لا تتكامل، أو ينتظر المستفيد بين نقطتي خدمة لأن ملكية رحلته مجزأة. وكل وحدة قد تبدو كفؤة في مؤشرها المحلي، بينما تبقى الرحلة الكلية بطيئة.
ولا يعني ذلك أن الحل هو زيادة الاجتماعات واللجان المشتركة. فقد بيّن هانسن أن التعاون بين الوحدات له كلفة، وأن جدواه مرهونة بأن تفوق قيمته المتوقعة كلفته، ودعا إلى التعاون المنضبط: تعاون يُقاس بالنتيجة المحددة التي يُوجَّه إليها (Hansen, 2009). ويحتاج التكامل المنتج بين الوحدات إلى:
تعود الحالة الافتتاحية بسؤال عملي: كيف تتحول الجهات المتجاورة في الجامعة إلى منظومة واحدة؟ الاستجابة الشائعة إنشاء جهة جديدة تتولى «الابتكار». والخطر أن تصبح هذه الجهة كيانًا سابعًا معزولًا إلى جانب الكيانات الستة. والبديل الأنسب جهة تكامل ترتبط بالقيادة العليا وتعمل في الخلفية: تقتصر وظيفتها على ربط الجهات القائمة بعضها ببعض وربطها جميعًا بالطالب، دون أن تملك المبادرات أو تنافس تلك الجهات.
وفي الجامعة، من الصور الممكنة للتكامل، بحسب ما يكشفه التشخيص، ثلاثة مسارات:
ونعود إلى هذه المسارات في فصول المبتكر وبيئته، والتبني والتوسع، ومنظومات الابتكار، ثم نجمعها في الفصل العشرين عن منظومة الابتكار الجامعي.
تُبنى المنظومة بتصميم التدفق بين كياناتها أكثر مما تُبنى بإضافة كيانات جديدة. والسؤال الذي يكشف جودة العمارة: كم خطوة يحتاج صاحب الفكرة ليصل إلى من يستطيع مساعدته؟
تحتاج جهة التكامل إلى من يقودها. وتكلّف مؤسسات كثيرة لذلك مسؤولًا للابتكار، يحمل مسميات مختلفة: مدير وحدة الابتكار، أو رئيس الابتكار، أو الرئيس التنفيذي للابتكار. ويواجه هذا الدور مفارقة: فصاحبه مسؤول عن نتائج تتحقق في الغالب داخل وحدات لا يرأسها، وبأيدي أناس لا يتبعونه إداريًا. ولذلك يُقاس نجاحه بقدرته على أن يجعل غيره ينجح، أكثر مما يُقاس بما ينفذه بنفسه.
يتسق دور مسؤول الابتكار مع منطق جهة التكامل: فهو يبني القدرة ويترك ملكية الأفكار لأصحابها. ويعرض الجدول ٦-٢ أبرز مجالات الدور، وما يتولاه في كل منها، وما يحسن أن يتجنبه.
| المجال | ما يتولاه | ما يتجنبه |
|---|---|---|
| الاستراتيجية | يصوغ مع القيادة ساحات البحث ومستوى الطموح، ويترجمها إلى أولويات مفهومة | أن يكتب الاستراتيجية وحده، أو ينقلها من مؤسسة أخرى |
| المحفظة | يدير البوابات والتمويل المرحلي، ويضمن ردًا معللًا على كل فكرة | أن يملك المبادرات بدل أصحابها، أو يقرر فيها منفردًا |
| الممكّنات | يوفر الأدوات والمهارات والوقت المحمي، ويزيل العوائق الإجرائية | أن يصبح مصدر الأفكار الوحيد في المؤسسة |
| الربط | يصل الوحدات بعضها ببعض، ويصل المؤسسة بالشركاء والمستفيدين | أن ينافس الوحدات القائمة ببرامج موازية |
| القياس | يقيس التدفق والأثر، ويتعلم من الإخفاق | أن يقيس نجاحه بعدد الفعاليات والمسابقات |
| التواصل | يروي ما يتحقق، وينسبه إلى أصحابه | أن ينسب النجاح إلى وحدته |
حددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ست مهارات أساسية للابتكار في القطاع العام، يحتاجها العاملون فيه بدرجات متفاوتة، ويحتاج من يقود الابتكار إلى قدر أعلى منها: التكرار، أي تطوير الحلول على مراحل سريعة من النمذجة والاختبار؛ والإلمام بالبيانات؛ والتمحور حول المستخدم؛ والفضول، أي البحث عن الأفكار الجديدة ووجهات النظر المختلفة؛ ورواية القصة، أي شرح التغيير بسرد يبني التأييد له، ويربط الماضي بالحاضر والمستقبل الممكن؛ ومساءلة المألوف، أي تحدي الوضع القائم، والعمل مع شركاء غير مألوفين، ومعاملة الانتكاسات فرصًا للتعلم (OECD, 2017).
ويضيف موقع مسؤول الابتكار بين الوحدات كفاية بالغة الأهمية: التأثير دون سلطة. ويرى كوهين وبرادفورد أن هذا التأثير يقوم على التبادل: أن يفهم صاحب الطلب ما يهتم به الطرف الآخر، وما يستطيع أن يقدمه له في المقابل، من موارد أو معلومات أو دعم أو تقدير، فتتحول العلاقة من طلب إلى شراكة (Cohen & Bradford, 2005). ومن يقود الابتكار بالتعليمات وحدها يحصل في الغالب على امتثال شكلي، أما التبادل فأقرب إلى أن يولّد التزامًا.
ويحتاج مسؤول الابتكار كذلك إلى أن يضع على جدول أعمال القيادة قضايا لم تكن عليه. وقد وصف داتون وآشفورد هذه الظاهرة وسمياها تسويق القضايا: الجهود التي يبذلها العاملون ليوجهوا انتباه الإدارة العليا إلى قضايا يرونها مهمة، ويؤثروا في فهمها لها (Dutton & Ashford, 1993). وحددت دراسة لاحقة ثلاث مجموعات من التحركات التي تميز المحاولات الناجحة: تحركات الصياغة، كربط القضية بأهداف المؤسسة وتقديمها بلغة النتائج والتكلفة؛ وتحركات الإشراك، كبناء تحالف من المؤيدين قبل العرض؛ وتحركات العملية، كالإعداد الجيد، واختيار التوقيت، والجمع بين القنوات الرسمية وغير الرسمية (Dutton et al., 2001). فالفكرة الجيدة التي تُعرض في توقيت خاطئ، أو بلغة لا تعني القيادة، قد تُرفض وهي تستحق القبول.
حين يُكلَّف مسؤول بالابتكار، يغريه أن يبدأ ببرنامج ظاهر يثبت به وجوده: مسابقة، أو منصة، أو جائزة. والأجدى أن يفهم قبل أن يبني. فيرسم خريطة المنظومة الداخلية بالأداة التي نعرضها في هذا الفصل، ويسمع من القيادة والوحدات والمستفيدين، ويبحث عن المحاولات الناجحة القائمة، ويتفق مع القيادة على تفويض واضح وحقوق قرار محددة. ثم يختار مبادرة أو اثنتين تعالجان مشكلة يعترف بها الجميع، فيصنع بهما دليلًا مبكرًا على القيمة، ويكسب به ثقة يبني عليها ما بعده.
ارسم خريطة الجهات التي تدعم الابتكار في مؤسستك. اكتب لكل جهة ما تقدمه، ومن يستفيد منه فعلًا، وصلتها بالعمل اليومي للناس، وصلتها بالجهات الأخرى. ثم ابحث في الخريطة عن ثلاث علامات: جهة لا يعرفها من يُفترض أن يخدمهم، وجهتان تقدمان الخدمة نفسها، وفكرة لا تجد طريقًا واضحًا من جهة إلى أخرى.
| الجهة | ما تقدمه | من يستفيد فعلًا | صلتها بالعمل اليومي | صلتها بالجهات الأخرى |
|---|---|---|---|---|
| مسرعة الأعمال | احتضان المشروعات الريادية | عدد محدود من الطلاب المبادرين | ضعيفة: لا صلة بالمقررات | محدودة |
| معمل فاب لاب | أدوات النمذجة والتصنيع | طلاب بعض الكليات الهندسية | متوسطة | لا صلة بالمسرعة |
| رعاية الموهوبين | برامج إثرائية | المسجلون في البرنامج | منفصلة عن التخصص | محدودة |
| الكليات والمقررات | التعلم الرسمي | جميع الطلاب | هي العمل اليومي ذاته | لا تحيل الطلاب إلى أي جهة |
| … |