نعرض في هذا الفصل الإطار الذي ينقل الابتكار من جهود متفرقة رهينة العلاقات والمصادفة إلى ممارسة منتظمة قابلة للفهم والتحسين: الفرق بين العملية والنظام، ومراحل النظام الست، وموضع القرار فيها، ومتطلبات المعيار الدولي لأنظمة إدارة الابتكار ISO 56001.
اعتمدت إحدى الجهات «إجراءً للابتكار» من ست مراحل، ونشرته في دليل أنيق، وعلّقت مخططه في ممرات المبنى. وبعد عام، أظهرت المراجعة أن عشرات المقترحات ما زالت في مرحلة «التقييم» دون قرار، وأن تجربتين ناجحتين توقفتا عند نهايتهما لأن أحدًا لم يكن مكلفًا بتشغيل الحل، وأن معظم الموظفين لا يعرفون كيف تصل فكرتهم إلى المرحلة الأولى أصلًا.
كان لدى هذه الجهة عملية مكتوبة، لكنها لم تكن تملك نظامًا. فالمخطط يصف الطريق، أما السير فيه فيتطلب من يقرر عند كل منعطف، ومن يموّل، ومن يتسلم الحل في نهايته، وقناةً تصل الطريق بالناس في أماكن عملهم. وهذه العناصر التي تجعل الطريق سالكًا هي محور حديثنا في هذا الفصل.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
تملك المؤسسات في العادة من الأفكار أكثر مما تملك من القدرة على اختبارها وتنفيذها. والمشكلة في الغالب غياب مسار يميّز الفرص المهمة، ويمنح الواعد منها الموارد، ويوقف ما لا يتقدم، ويربط النجاح بالتبني. وهنا يلزم التمييز بين مفهومين يُخلط بينهما كثيرًا.
وتعرّف سلسلة المعايير الدولية نظام إدارة الابتكار بأنه مجموعة من العناصر المترابطة والمتفاعلة في المؤسسة، غايتها تحقيق القيمة (International Organization for Standardization [ISO], 2025). ويشمل ذلك إدارة التدفق اليومي للفرص وإشراك الناس فيه، كما يشمل الحوكمة التي تحدد من يقرر وكيف تُوزع الموارد. ومن هنا يتضح ما حدث في الحالة الافتتاحية: كانت العملية حاضرة، وكان النظام غائبًا.
تتفق نماذج عملية الابتكار في جوهرها على مسار يبدأ بالبحث عن الفرص، ثم اختيار ما يستحق الاستثمار، ثم التنفيذ، ثم تحصيل القيمة (Tidd & Bessant, 2021). ونفصّل ذلك المسار في هذا الكتاب في ست مراحل تعمل في دورة مستمرة: الاستراتيجية، والتقاط الفرص، والتقييم والاختيار، وتأسيس المبادرة، والتجربة الميدانية، والتوسع. والمرحلة الأولى تأسيسية، والمراحل الثلاث التالية هي محرك النظام الذي يحوّل المدخلات إلى مشروعات، والمرحلتان الأخيرتان تنقلان الحل إلى الواقع.
| المرحلة | الغاية | المخرج | العطل الشائع |
|---|---|---|---|
| الاستراتيجية | توجيه ما يدخل النظام | ساحات بحث وأسئلة تحدٍّ ومعايير | دعوة مفتوحة لأي فكرة دون أولويات |
| التقاط الفرص | اكتشاف احتياجات وفرص تستحق النظر | فرص موصوفة ومجمّعة، منفصلة عن الحلول | تخزين الأفكار بدل فهم الحاجات |
| التقييم والاختيار | تحديد ما يستحق كلفة التعلم التالية | قرار معلن: استكشاف، أو دمج، أو تأجيل، أو اعتذار | انتظار طويل دون قرار أو رد |
| تأسيس المبادرة | تحويل الفرصة إلى مشروع تعلم | قائد، وفريق صغير، وراعٍ، وتمويل أولي، وفرضيات | غياب الجهة التي ستتسلم الحل لاحقًا |
| التجربة الميدانية | اختبار الحل في سياق واقعي | أدلة على القيمة والتبني والتكلفة | تجربة بلا معايير نجاح محددة مسبقًا |
| التوسع والتشغيل | نقل الحل إلى قدرة تشغيلية مستدامة | مالك، وميزانية، وتدريب، ومؤشرات | تجربة ناجحة تتوقف لأن أحدًا لم يتسلمها |
ولا تمثل هذه المراحل خط إنتاج جامدًا؛ فالمبادرة قد تعود إلى مرحلة سابقة، أو تعدّل اتجاهها، أو تتوقف. وتكمن قيمة النظام في اللغة المشتركة والقرارات والمسؤوليات الواضحة، مع مرونة تتسع لاختلاف مسارات المبادرات. ونتناول في الجزء الثالث من الكتاب ما يجري داخل هذه المراحل بالتفصيل: فهم المشكلات، وتطوير الحلول، والتجريب، والتبني والتوسع.
ينتهي كل انتقال بين المراحل بقرار، ولهذا القرار خمس صور: الاستمرار، أو الاستمرار بعد تعديل، أو الدمج مع مبادرة أخرى، أو التعليق المؤقت، أو الإيقاف. وينبغي أن يُبنى على ما تغيّر في الأدلة والمخاطر والقيمة المتوقعة، بمعزل عن الجهد المبذول أو مكانة صاحب الفكرة.
غير أن غياب القرار أخطر على النظام من القرار الخاطئ. فالمبادرة التي لا تُقبل ولا تُرفض تبقى فيما نسميه منطقة اللاقرار: تستهلك انتباه أصحابها، ولا يُتعلم منها شيء، وتعلّم من حولها أن المبادرة لا تستحق العناء. وهذا ما حدث لعشرات المقترحات في الحالة الافتتاحية. ويمنع النظام الجيد هذه المنطقة بثلاث وسائل بسيطة:
وتبدو هذه الوسائل إجرائية، لكن أثرها إنساني في المقام الأول؛ فالرد المعلّل يحفظ لصاحب الفكرة تقديره ويعلّمه، والمدة المعلنة تحترم وقته. ونعود إلى حقوق القرار وبواباته في الفصل العاشر.
تبدأ قيمة النظام من مرحلة التقاط الفرص، وهي المرحلة التي تصل النظام بالناس. وكثيرًا ما تقتصر المؤسسات فيها على قناة واحدة بعيدة عن العمل اليومي، كمنصة إلكترونية أو مسابقة سنوية أو مركز مستقل، فتنتظر أن يأتيها الناس بأفكارهم. والنتيجة أن من يصل إليها قلة متحمسة، ويبقى أكثر الناس، ومعهم معرفتهم القريبة من المشكلات، خارج النظام.
والنظام الأقدر على الالتقاط هو الذي يذهب إلى الناس في مواضع عملهم: في اجتماعات الوحدات، وفي مراجعات الأداء، وفي أدوات العمل اليومية، وفي العلاقة مع المستفيدين. ففي الجامعة مثلًا، تتسع قنوات الالتقاط حين تصبح بعض الواجبات والمشروعات في المقررات الدراسية مدخلًا إلى منظومة الابتكار، بدل أن يبقى مركز الابتكار كيانًا منفصلًا عن القاعات يجهله كثير من الطلاب.
تتبّع آخر عشر فرص دخلت نظام الابتكار في مؤسستك: من أين جاءت؟ إن جاءت كلها من قناة واحدة أو من الأشخاص أنفسهم، فالنظام يرى جزءًا صغيرًا من المؤسسة فحسب.
صدرت الطبعة الأولى من المعيار ISO 56001 في سبتمبر ٢٠٢٤، وهو يحدد متطلبات نظام إدارة الابتكار الذي تستطيع المؤسسة استخدامه لتطوير قدرتها على الابتكار وإثباتها (International Organization for Standardization [ISO], 2024). ويختلف عن المعيار الإرشادي ISO 56002 في أنه يضع متطلبات قابلة للتدقيق والإشهاد من جهات مستقلة معتمدة (Fernandez & Swart, 2025). ويتبع المعيار البنية الموحدة لمعايير أنظمة الإدارة في المنظمة الدولية للتقييس، فيتكون من سبعة بنود رئيسة:
ويحدد البند الثامن خمس عمليات للابتكار: تحديد الفرص، وابتكار المفاهيم، والتحقق من المفاهيم، وتطوير الحلول، ونشر الحلول (ISO, 2024). وتتقابل هذه العمليات مع مراحل النظام في هذا الكتاب على النحو الآتي:
| عملية ISO 56001 | ما يقابلها من مراحل النظام | موضع التفصيل في الكتاب |
|---|---|---|
| تحديد الفرص | الاستراتيجية، والتقاط الفرص | الفصلان ٤ و١١ |
| ابتكار المفاهيم | التقييم والاختيار، وتأسيس المبادرة | الفصلان ١٢ و١٣ |
| التحقق من المفاهيم | تأسيس المبادرة، والتجربة الميدانية | الفصل ١٤ |
| تطوير الحلول | التجربة الميدانية | الفصلان ١٢ و١٤ |
| نشر الحلول | التوسع والتشغيل | الفصل ١٥ |
المعيار أداة تنظيمية مفيدة للتشخيص والمقارنة، لكنه لا يصنع الابتكار بذاته. والإشهاد قد يتحول إلى صورة جديدة من مسرح الابتكار إذا انصرف الجهد إلى استيفاء الوثائق بدل تحسين التدفق الفعلي للفرص والقرارات والقيمة. والسؤال الأجدى عند تطبيقه: هل أصبح الطريق من الفكرة إلى القيمة أقصر وأوضح لمن يسلكه؟
افحص نظام الابتكار في مؤسستك مرحلة مرحلة. فلكل مرحلة علامة تدل على أنها تعمل، وعلامة تدل على تعطلها. ابدأ بالمرحلة التي تظهر فيها علامة التعطل أوضح، فهي عنق الزجاجة الذي يحدد أداء النظام كله.
| المرحلة | علامة على أنها تعمل | علامة على تعطلها |
|---|---|---|
| الاستراتيجية | يعرف الموظفون ساحات البحث وأسئلة التحدي الحالية | المقترحات متفرقة في كل اتجاه |
| التقاط الفرص | الفرص تأتي من وحدات ومستويات متنوعة | المصادر قلة متكررة، أو قناة واحدة |
| التقييم والاختيار | كل مقترح يتلقى ردًا معللًا في مدة معلنة | مقترحات عالقة بلا قرار منذ أشهر |
| تأسيس المبادرة | لكل مبادرة قائد وراعٍ وفرضيات وجهة تشغيل محتملة | مبادرات «للجميع» لا يملكها أحد |
| التجربة الميدانية | معايير النجاح محددة قبل التجربة | كل تجربة تُعلن ناجحة |
| التوسع والتشغيل | الحلول الناجحة تنتقل إلى مالك وميزانية | تجارب ناجحة متوقفة بعد انتهائها |