نقف في هذا الفصل عند مفهوم الابتكار كما ترسمه عناصره الأربعة المستخلصة من التعريفات المرجعية: الجدة، والتطبيق، والتبني، والقيمة. ونسعى من خلاله إلى إرساء لغة مشتركة تميّز الابتكار من الإبداع والاختراع والتحسين، وتضبط مجالاته ودرجاته؛ ذلك أن الاتفاق على المفهوم شرط سابق لإدارته.
في اجتماع لإعداد الخطة السنوية لإحدى المؤسسات، طُلب من كل إدارة تقديم «مبادراتها الابتكارية». فقدمت إدارة الموارد البشرية نموذجًا إلكترونيًا لطلبات الإجازة يحل محل النموذج الورقي، وقدمت إدارة تقنية المعلومات مشروعًا لتجربة مساعد آلي يعمل بالذكاء الاصطناعي للرد على الاستفسارات، واقترحت إدارة الخدمات مسابقة أفكار للموظفين، وعرضت إدارة الجودة خفض زمن معالجة الطلبات من عشرة أيام إلى ستة من خلال إعادة ترتيب خطوات الإجراء.
وانتهى الاجتماع بقائمة مبادرات تحمل جميعها صفة «الابتكار»، دون أن يُطرح السؤال الجوهري: أيّ هذه المبادرات يُعد ابتكارًا بالمعنى الدقيق؟ وأيها تحسين تشغيلي يكفيه التنفيذ المتقن؟ وأيها نشاط ممهِّد للابتكار لا يُعد ابتكارًا في ذاته؟ وما الذي يترتب على هذا التمييز في طريقة إدارة كل منها؟
ولهذا المشهد نظائر كثيرة في المؤسسات، وإن اختلفت تفاصيله. وقد يكون بعض هذه المبادرات عالي القيمة، غير أن غياب التعريف المشترك يحمل المؤسسة على إدارة مبادرات متباينة في طبيعتها بأسلوب واحد؛ فتُطالَب المبادرة شديدة الغموض بخطة تنفيذ تفصيلية، ويُعامَل التحسين المعروف الحل معاملة الرهان الذي يحتاج إلى تجريب، ويُحتسب النشاط التحفيزي إنجازًا ابتكاريًا قبل أن يتحول أي من مخرجاته إلى واقع.
يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:
قد يبدو الاهتمام بالتعريف شأنًا أكاديميًا، غير أنه في إدارة الابتكار قرار عملي ذو أثر مباشر؛ إذ يحدد التعريف الذي تتبناه المؤسسة، صراحة أو ضمنًا، ما تموّله وما تقيسه وما تكافئ عليه. وتقع المؤسسات عادة في أحد خطأين متقابلين.
الخطأ الأول: التوسيع المفرط. عندما يُطلق وصف الابتكار على كل تغيير، يتعذر التمييز بين المبادرات التي تتطلب الاستكشاف والتجريب والتعلم، والتحسينات التي يمكن إدارتها بأدوات الجودة والتطوير المستمر. وتكون النتيجة تقارير حافلة بالمبادرات «الابتكارية»، في حين يبقى ما تقدمه المؤسسة لمستفيديها على حاله تقريبًا. وقد أطلق بلانك (Blank) على هذه الظاهرة وصف «مسرح الابتكار»، ويقصد به الأنشطة التي تحاكي الابتكار في مظهرها، كالورش والمسابقات والمختبرات، دون أن تُحدث تغييرًا في المنتجات أو الخدمات أو أساليب العمل (Blank, 2019).
الخطأ الثاني: التضييق المفرط. عندما يُقصَر الابتكار على الاختراعات والتقنيات المتقدمة وبراءات الاختراع، تُهمَل فرص واسعة في الخدمات والإجراءات وتجربة المستفيد ونموذج التشغيل والعلاقات بين الوحدات التنظيمية. وكثير من الابتكارات الأعلى أثرًا في المؤسسات الحكومية والخدمية قام على إعادة النظر في طريقة تقديم الخدمة، واستغنى عن أي تقنية جديدة.
والتعريف الجيد يتجنب الخطأين: واسع بما يشمل كل مجال تُصنع فيه القيمة، ومنضبط بما يميز الابتكار مما سواه.
يعود الاستخدام الاقتصادي الحديث لمفهوم الابتكار إلى جوزيف شومبيتر، الذي رأى أن التطور الاقتصادي يتحقق بتنفيذ «تركيبات جديدة» من الموارد والمعارف، وحدد لها خمس صور: تقديم سلعة جديدة أو نوعية جديدة من سلعة قائمة، وإدخال طريقة إنتاج جديدة، وفتح سوق جديدة، والوصول إلى مصدر جديد للمواد الخام، وإعادة تنظيم صناعة ما (Schumpeter, 1934). ويتضمن هذا التصور المبكر أمرين جديرين بالملاحظة: أن الابتكار يتجاوز المنتج إلى الطريقة والسوق والتنظيم، وأنه يقترن بالتنفيذ ولا يكتمل بالاكتشاف وحده.
وقد بنت التعريفات اللاحقة على هذا الأساس. ونقف هنا عند ثلاثة منها، لكونها الأكثر استخدامًا في السياسات العامة والمعايير وأدوات القياس.
يصدر دليل أوسلو عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي، ويُعد المرجع الدولي لقياس الابتكار في المسوح الوطنية. وتعرّف طبعته الرابعة الابتكار بأنه منتج أو عملية جديدة أو محسّنة (أو مزيج منهما)، تختلف اختلافًا ملحوظًا عن المنتجات أو العمليات السابقة للوحدة، وأُتيحت للمستخدمين المحتملين في حالة المنتج، أو أُدخلت في الاستخدام الفعلي داخل الوحدة في حالة العملية (OECD/Eurostat, 2018).
والقيد الحاسم في هذا التعريف هو التطبيق؛ فالفكرة التي لم تتجاوز الوثيقة، والنموذج الأولي الذي لم يُطرح، والنظام الذي جرى شراؤه ولم يُشغَّل، لا تُعد ابتكارات وفق معيار أوسلو مهما بلغت جدتها. ويضيف الدليل قيدًا ثانيًا هو «الاختلاف الملحوظ»، فلا يكفي التعديل الطفيف المعتاد لعدّ التغيير ابتكارًا.
تعرّف المنظمة الدولية للتقييس الابتكار بأنه كيان جديد أو متغيّر يحقق قيمة أو يعيد توزيعها (ISO, 2025). ومفهوم الكيان في هذا التعريف واسع عن قصد، إذ قد يكون منتجًا أو خدمة أو عملية أو نموذجًا أو أسلوبًا. ويضع التعريف القيمة في مركزه، فالجدة لا تكفي ما لم يترتب عليها نفع، ماليًا كان أو اجتماعيًا أو بيئيًا أو غير ذلك. ويتيح تعبير «إعادة التوزيع» إدراج ابتكارات تغيّر الجهة المستفيدة من القيمة دون أن تزيد قيمتها الكلية بالضرورة، كأن تصل خدمة إلى فئة كانت محرومة منها.
وفي أدبيات انتشار الابتكارات، عرّف روجرز الابتكار بأنه فكرة أو ممارسة أو شيء يدركه الفرد أو الوحدة المتبنية على أنه جديد (Rogers, 2003). ويقترب من ذلك تعريف دامانبور للابتكار التنظيمي بأنه تبنّي فكرة أو سلوك جديد على المؤسسة المتبنية (Damanpour, 1991). وتنبع أهمية هذا المنظور من أنه ينقل السؤال من «هل هذا جديد على العالم؟» إلى «هل هو جديد في هذا السياق، ويتطلب من العاملين فيه تغيير ما اعتادوه؟».
| المرجع | جوهر التعريف | العنصر الذي يبرزه | دلالته الإدارية |
|---|---|---|---|
| شومبيتر (1934) | تنفيذ تركيبات جديدة من الموارد والمعارف | اتساع المجالات، والتنفيذ | قد يقع الابتكار في السوق أو التنظيم إلى جانب المنتج |
| دليل أوسلو (2018) | منتج أو عملية جديدة أو محسّنة بدرجة ملحوظة، أُتيحت أو أُدخلت في الاستخدام | التطبيق الفعلي | لا تُحتسب الفكرة أو النموذج الأولي ابتكارًا قبل وصوله إلى الاستخدام |
| ISO 56000 (2025) | كيان جديد أو متغيّر يحقق قيمة أو يعيد توزيعها | القيمة | السؤال الأول عن أي مبادرة: ما القيمة المتوقعة، ولمن؟ |
| روجرز (2003) | فكرة أو ممارسة أو شيء يُدرَك على أنه جديد لدى من يتبناه | الجدة النسبية، والتبني | الحل المعروف في سياق آخر قد يكون ابتكارًا في هذا السياق، ويتطلب إدارة للتبني |
ومن هذه التعريفات نستخلص تعريفًا إجرائيًا نعتمده في فصول الكتاب اللاحقة:
الابتكار تطبيقٌ جديد أو محسّن بدرجة ذات دلالة، يعالج حاجة أو يستثمر فرصة، ويتبناه مستخدمون أو جهة تشغيل، ويحقق قيمة قابلة للملاحظة.
ويتضمن هذا التعريف أربعة عناصر، ويكفي غياب أي منها لبقاء المبادرة دون مستوى الابتكار:
فـالجدة مفهوم نسبي يفصّله القسم التالي. والتطبيق هو ما يفصل الابتكار عن الفكرة والاختراع. أما التبني فعنصر كثيرًا ما يُغفل، رغم أن عددًا غير قليل من الأنظمة والمنصات يُطلق رسميًا ثم يبقى مهجورًا، أو يستخدمه الموظفون في حده الأدنى مع الإبقاء على طرقهم السابقة إلى جانبه. وأما القيمة فقد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو تشغيلية أو معرفية أو بيئية، وقد تعود على المستفيد أو الموظف أو المؤسسة أو المجتمع.
ولترتيب العناصر دلالة زمنية؛ فالتبني والقيمة يأتيان بعد التطبيق، ومن ثم لا يمكن الحكم على مبادرة بأنها ابتكار يوم إطلاقها. فيوم الإطلاق يثبت وجود تطبيق جديد، ويتأخر ثبوت الابتكار إلى أن يُتحقق من استخدامه ومن الأثر الذي أحدثه. وبهذا يكون تعريف الكتاب أشد من الحد الأدنى الذي يعتمده دليل أوسلو لأغراض القياس الإحصائي، إذ يكتفي الدليل بأن يُتاح الجديد للمستخدمين أو يُدخل في الاستخدام (OECD/Eurostat, 2018)؛ لأن غرض الكتاب إداري: الحكم على ما إذا كانت المبادرة قد أدت ما أُطلقت من أجله.
من الأسئلة المتكررة في النقاشات الإدارية: هل يُعد تطبيق حل قائم في جهة أخرى ابتكارًا؟ والإجابة التي تتفق عليها أدبيات القياس أن الجدة تُقاس بالنسبة إلى وحدة مرجعية، ويميز دليل أوسلو في ذلك بين ثلاث درجات (OECD/Eurostat, 2018):
ويترتب على هذا التمييز نتيجتان عمليتان:
أولًا: أن نقل حل ناجح من سياق إلى آخر قد يُعد ابتكارًا حقيقيًا، متى تطلّب تكييفًا وتغييرًا ذا دلالة في المؤسسة المتبنية.
ثانيًا: أن درجة الجدة تؤثر في أسلوب الإدارة؛ فالحل الجديد على المؤسسة وحدها يمكن الإفادة فيه من تجارب الآخرين، ويتركز عدم اليقين فيه في الملاءمة والتكييف والتبني. أما الحل الجديد على العالم فيكتنفه عدم اليقين في جوانبه كلها تقريبًا: إمكانية عمله، والحاجة إليه، وتكلفته.
عندما تتبنى جهة حكومية نظام المواعيد المسبقة الذي سبقتها إليه جهات أخرى، فإنها لا تخترع شيئًا جديدًا. غير أنها قد تحتاج إلى إعادة توزيع الموظفين على الفترات، وتعديل آلية استقبال المراجعين دون موعد، وتغيير مؤشرات الأداء التي كانت تقيس عدد المعاملات اليومية. وهذه التغييرات هي ما يجعل التطبيق ابتكارًا على مستوى المؤسسة، وهي في الوقت ذاته ما يحدد نجاحه.
يُستخدم مصطلح الابتكار في الخطاب العام مرادفًا لمفاهيم قريبة منه. والتمييز بينها ضروري، لأن لكل منها منطقه الخاص في الإدارة، وإن تداخلت في الممارسة.
يتفق الباحثون في علم نفس الإبداع على أن الناتج الإبداعي يجمع بين الأصالة والملاءمة، أي أن يكون جديدًا غير مألوف، ونافعًا أو مناسبًا لغرض محدد (Amabile, 1996; Runco & Jaeger, 2012). والإبداع بهذا المعنى مصدر رئيس للابتكار، غير أن بينهما مسافة واسعة؛ فقد تظل الفكرة الإبداعية في ذهن صاحبها أو في محضر اجتماع، في حين يتطلب الابتكار ما لا يتطلبه الإبداع من موارد وتنظيم وتجريب وقرار وتبنٍّ.
وقد اقترح رودس في وقت مبكر النظر إلى الإبداع من أربعة جوانب مترابطة: الشخص المبدع وما يتسم به من قدرات ودافعية، والعملية التي تُولَّد بها الأفكار وتُطوَّر، والبيئة المحيطة وما تفرضه من ضغوط أو تتيحه من فرص، والناتج الذي يتجسد فيه الإبداع (Rhodes, 1961). وتبرز قيمة هذا التصور في إدارة الابتكار عند مقارنته بالممارسة الشائعة التي تركز على الناتج وحده، كعدد الأفكار أو المشروعات أو براءات الاختراع، دون الالتفات إلى الأفراد الذين يُتوقع منهم الابتكار، والبيئة التي يعملون فيها، والعمليات التي تحتضن أفكارهم. وقد بيّنت أمابيل أن الابتكار التنظيمي يتوقف على تفاعل إبداع الأفراد والفرق مع بيئة العمل، بما تتضمنه من موارد وممارسات إدارية ودافعية مؤسسية للابتكار (Amabile, 1988). ونفرد لهذه العلاقة الفصل السابع.
الاختراع إنتاج معرفة أو تقنية أو تركيب جديد، ويُوثَّق غالبًا ببراءة اختراع. ويصبح الاختراع ابتكارًا عندما يجد استخدامًا ويُدمج في منتج أو خدمة أو عملية تحقق قيمة. ومن الأمثلة المعروفة أن أحد مهندسي شركة كوداك بنى عام ١٩٧٥ نموذجًا مبكرًا للكاميرا الرقمية، ثم تأخرت الشركة كثيرًا في جعل التصوير الرقمي محورًا لأعمالها، في حين تحولت التقنية ذاتها على أيدي شركات أخرى إلى ابتكار غيّر الصناعة. وعليه، فالاختراع والابتكار دائرتان متقاطعتان: قد يبقى الاختراع حبيس المختبر، وكثير من الابتكارات، ولا سيما في الخدمات ونماذج الأعمال، يخلو من أي تقنية جديدة.
التحسين رفع لأداء ما هو قائم، كتقليص زمن إجراء، أو حذف خطوة زائدة، أو رفع جودة خدمة. والعلاقة بين التحسين والابتكار علاقة اتصال؛ فالتحسين يرقى إلى الابتكار عندما يختلف اختلافًا ملموسًا عن الممارسة السابقة، ويُدخَل في الاستخدام، ويحقق قيمة. ويبقى تطويرًا تشغيليًا عندما يكون تعديلًا محدودًا معروف الطريقة.
والمعيار الأنفع في التمييز بينهما هو درجة عدم اليقين، وهي أدلّ في ذلك من حجم التغيير. فإذا كان الحل معروفًا والسبب مفهومًا والمطلوب هو التنفيذ المنضبط، فإن أدوات التحسين المستمر كافية. أما إذا كان الحل غير معروف، أو كانت هناك افتراضات جوهرية غير مختبرة تتعلق بالمستخدم أو التنفيذ أو القيمة، فإن المبادرة تتطلب منطق الابتكار القائم على التجريب والتعلم والقرار المرحلي.
التحول تغيير جوهري في نموذج العمل أو التشغيل أو العلاقة مع المستفيدين أو القدرات المؤسسية. ويتطلب محفظة من الابتكارات والتغييرات المتكاملة، وقيادة وإدارة تغيير تمتدان سنوات. ومن ثم فإن «التحول الرقمي» يتضمن ابتكارات عديدة، كما يتضمن أعمالًا تنفيذية خالصة، كترحيل البيانات وتوحيد الأنظمة وتدريب الموظفين.
تُعنى ريادة الأعمال باكتشاف فرصة وتنظيم الموارد حولها لإنشاء مشروع أو نشاط مستدام. وقد تعتمد على الابتكار دون أن تكون مرادفة له؛ فقد يحدث الابتكار داخل مؤسسة قائمة دون إنشاء مشروع جديد، وقد يطبق مشروع ريادي نموذجًا معروفًا في سوق جديدة دون ابتكار يُذكر. ويُستخدم مصطلح الريادة الداخلية (Intrapreneurship) لوصف السلوك الريادي داخل المؤسسات القائمة، وهو وثيق الصلة بموضوع هذا الكتاب.
| المفهوم | ناتجه | معيار نجاحه | منطق إدارته |
|---|---|---|---|
| الإبداع | أفكار | الأصالة والملاءمة | توسيع البدائل وتأجيل الحكم |
| الاختراع | معرفة أو تقنية جديدة | الجدة التقنية والإثبات العلمي | البحث والتطوير وحماية الملكية الفكرية |
| التحسين | أداء أفضل لما هو قائم | الكفاءة والجودة والموثوقية | التحليل والتنفيذ المنضبط والتحسين المستمر |
| الابتكار | حل جديد مطبق ومتبنّى | القيمة المتحققة | التجريب والتعلم والقرار المرحلي |
| التحول | نموذج عمل أو تشغيل جديد | تغير القدرات والنتائج على مستوى المؤسسة | محفظة متكاملة وقيادة تغيير طويلة المدى |
| ريادة الأعمال | مشروع أو نشاط مستدام | البقاء والنمو | اقتناص الفرصة وتنظيم الموارد حولها |
يمكن أن يقع الابتكار في أي عنصر يُسهم في إنشاء القيمة أو إيصالها. وقد قدمت الأدبيات تصنيفات متعددة لمجالاته، نعرض منها اثنين يكمّل أحدهما الآخر.
يُجمِل دليل أوسلو مجالات الابتكار في نوعين رئيسين: ابتكار المنتج سلعةً كان أو خدمة، وابتكار عمليات الأعمال، ويفصّل الثاني في ست وظائف (OECD/Eurostat, 2018).
ويُلاحَظ في هذا التصنيف أن «تطوير المنتجات والعمليات» يُعد بذاته مجالًا للابتكار؛ فالمؤسسة التي تطوّر أسلوبها في استكشاف الفرص واختبار الحلول إنما تبتكر في قدرتها على الابتكار، وهو موضوع الجزء الثاني من الكتاب.
يقترح تيد وبيسانت النظر إلى «مساحة الابتكار» من خلال أربعة أبعاد: المنتج، أي ما تقدمه المؤسسة، والعملية، أي أسلوب إنتاجه وتقديمه، والموقع، أي السياق الذي يُقدَّم فيه والفئة الموجه إليها، والنموذج الذهني، أي التصور الأساسي لطبيعة عمل المؤسسة (Tidd & Bessant, 2021). وتتجلى فائدة البعدين الأخيرين في توجيه الانتباه إلى ابتكارات لا تغيّر المنتج أو العملية، كتقديم خدمة قائمة لفئة جديدة، أو إعادة تعريف ما تقدمه المؤسسة: منتجًا، أم نتيجة، أم حلًا متكاملًا.
اعرض قائمة مبادرات مؤسستك على هذين التصنيفين. فإذا تركزت المبادرات في خانة واحدة، كالتقنية أو المنتج، فتصوّر مؤسستك للابتكار أضيق من الفرص المتاحة لها. وكثيرًا ما تكمن الفرص الكبرى في المجالات المهملة: الهيكل، والشبكة، والقناة، وأسلوب اتخاذ القرار.
وهذه المجالات متكاملة؛ فالحل المؤثر قد يجمع في آن واحد تغييرًا في الخدمة والعملية والتقنية ونموذج التشغيل. والتقنية على وجه الخصوص أحد الممكّنات، وتدخل في الابتكار متى غيّرت القيمة أو التجربة أو الأداء تغييرًا ملموسًا؛ فرقمنة إجراء معيب قد تُسرّع المشكلة بدل أن تعالجها.
تتفاوت الابتكارات في مقدار ما تُحدثه من تغيير. وتتعدد التصنيفات المستخدمة في الأدبيات لهذه الدرجات، ولكل منها زاوية نظر مختلفة.
الابتكار التحسيني (ويُسمى أيضًا التدريجي) يبني على منتج أو خدمة أو قدرة أو فئة مستفيدين معروفة، ولذلك يكون عدم اليقين فيه منخفضًا نسبيًا. والابتكار المجاور ينقل قدرة قائمة إلى فئة أو سوق جديدة، أو يضيف قدرة جديدة إلى مجال مألوف. أما الابتكار الجذري أو التحويلي فيغيّر الافتراضات الأساسية، أو يقدم قيمة ونموذجًا مختلفين اختلافًا كبيرًا (Nagji & Tuff, 2012).
وهذه الدرجات توصيف لمقدار التغيير وما يقترن به من عدم يقين، ولكل منها موضعه وقيمته؛ فقد تتراكم تحسينات متتالية لتُحدث أثرًا كبيرًا، وقد تكون فكرة جذرية غير ملائمة أو غير قابلة للتبني. والمهم أن تحدد المؤسسة درجة عدم اليقين والمخاطر والقدرات التي تتطلبها كل مبادرة، وأن تديرها بما يناسبها. ونعود إلى هذا التوزيع في سياق الاستراتيجية وإدارة المحفظة في الفصلين الرابع والعاشر.
لاحظ هندرسون وكلارك أن التصنيف الثنائي (تحسيني/جذري) يحجب نوعين مهمين من الابتكار؛ إذ يتكون كل منتج أو خدمة من مكونات، ومن بنية تربط هذه المكونات بعضها ببعض. ومن تقاطع هذين البعدين تنشأ أربعة أنواع (Henderson & Clark, 1990):
ويكتسب الابتكار البنيوي أهمية خاصة في المؤسسات الخدمية والحكومية؛ إذ تعود كثير من مشكلات الخدمة إلى طريقة ارتباط المكونات أكثر من ضعفها؛ فقد تؤدي كل إدارة عملها بكفاءة، وتبقى المشكلة في طريقة ارتباطها: التسليم بين الوحدات، وتكرار طلب المعلومات ذاتها، وتجزئة ملكية الرحلة. وقد بيّن هندرسون وكلارك أن هذا النوع يمثل تحديًا خاصًا للمؤسسات القائمة، لأنه يبدو محدودًا في ظاهره، في حين يتطلب معرفة ببنية النظام بأكمله، وهي معرفة تكون في الغالب كامنة في الهياكل وقنوات الاتصال المعتادة.
ميّز كريستنسن بين الابتكار المساند، الذي يحسّن أداء المنتجات في الأبعاد التي يقدّرها العملاء الحاليون، والابتكار المزعزِع، الذي يبدأ غالبًا بأداء أدنى في تلك الأبعاد، لكنه أبسط أو أقل تكلفة أو أيسر وصولًا، فيستقطب فئات مهملة أو جديدة، ثم يتطور حتى ينافس الحلول السائدة (Christensen, 1997). وتتمثل «معضلة» المؤسسات الناجحة في أن ممارساتها الجيدة ذاتها، كالإصغاء إلى أفضل عملائها والاستثمار في أعلى الفرص ربحية، تدفعها إلى تجاهل هذا النوع حتى يفوت الأوان.
نشأت أدبيات الابتكار في سياق الشركات والأسواق، فحملت كثيرًا من افتراضاتها كالمنافسة والربح والعميل الذي يملك حرية الاختيار. غير أن الابتكار في الجهات الحكومية والمؤسسات غير الربحية يضاهيه أهمية وقد يفوقه، لأن أثره يمس شرائح واسعة من المستفيدين الذين لا يملكون في الغالب بديلًا عن الخدمة.
وقد عرّف مولغان وألبري الابتكار الناجح في القطاع العام بأنه إنشاء عمليات أو منتجات أو خدمات أو أساليب تقديم جديدة وتطبيقها، بما يحقق تحسنًا ملموسًا في النتائج أو الكفاءة أو الفاعلية أو الجودة (Mulgan & Albury, 2003). والقيمة في هذا السياق هي ما أطلق عليه مور «القيمة العامة»، أي ما يقدّره المجتمع وأفراده، وهو أوسع من العائد المالي (Moore, 1995).
| البعد | الشركات | الجهات العامة والمؤسسات غير الربحية |
|---|---|---|
| مقياس القيمة | العائد والحصة السوقية ورضا العميل | النتائج المجتمعية، وعدالة الوصول، والثقة، والكفاءة |
| دافع الابتكار | المنافسة والنمو | التوجهات الوطنية، وتوقعات المستفيدين، ومحدودية الموارد، والأزمات |
| المستفيد | عميل يختار ويدفع | مستفيد قد لا يملك بديلًا، وقد يختلف عن الجهة الممولة |
| تحمّل المخاطر | مقبول في حدود العائد المتوقع | أكثر حساسية بفعل المساءلة العامة وأثر الخطأ في الثقة |
| الانتشار | الابتكار ميزة تنافسية تُحمى | الابتكار يُستحسن نقله بين الجهات وتعميمه |
ويترتب على هذه الفروق أن أدوات الشركات تحتاج إلى تكييف قبل نقلها إلى القطاع العام؛ فمعيار العائد على الاستثمار وحده قاصر عن تقييم مبادرة تستهدف إيصال خدمة إلى فئة محرومة. ونستخدم في هذا الكتاب لفظ «المستفيد» ليشمل العميل والمواطن والمستخدم الداخلي، ولفظ «القيمة» ليشمل القيمة الاقتصادية والعامة معًا.
إذا كان الابتكار هو النتيجة، فإن إدارة الابتكار هي الممارسات والقدرات التي تجعل هذه النتيجة ممكنة ومتكررة؛ وتشمل توجيه الفرص والأفكار والمبادرات، وإدارة تدفقها من الواجهة الأمامية للابتكار حيث تُستكشف الاحتياجات وتُولَّد الأفكار، إلى التطبيق وتحقيق القيمة. وتقوم سلسلة المعايير الدولية ISO 56000 على ثمانية مبادئ تمثل خلاصة الخبرة المتراكمة في هذا المجال (ISO, 2025; Fernandez & Swart, 2025)، ونعرضها هنا لأنها ترسم خريطة موجزة لموضوعات الكتاب.
وتقف هذه المبادئ فوق الأدوات بعينها، كالتفكير التصميمي أو الهاكاثون؛ فالأدوات تتبدل، والمبادئ هي التي تحدد متى تفيد الأداة ومتى تصبح ممارسة شكلية.
ونختم الجانب النظري من الفصل بخمسة مفاهيم غير دقيقة تتكرر في خطاب المؤسسات عن الابتكار. ويقود كل منها إلى قرارات إدارية محددة، ومن ثم فإن تصحيحها يتجاوز الدقة اللفظية إلى تصويب الممارسة.
البداية الأدق حاجة أو مشكلة أو فرصة أو تغيّر يستدعي الاستجابة، وتأتي الفكرة لاحقًا بوصفها فرضية للحل. والمؤسسة التي تبدأ بجمع الأفكار دون توجيه تحصل على عدد كبير من المقترحات المتفرقة التي يصعب تقييمها، ونادرًا ما يتحول منها شيء إلى التطبيق. ويفصّل الفصل الحادي عشر في ذلك.
التقنية ممكّن مهم، غير أن كثيرًا من الابتكارات الأعلى أثرًا يقع في الخدمات والإجراءات ونماذج الأعمال والهياكل. وقد أخفقت مشروعات تقنية كبيرة في تحقيق القيمة لأنها بُنيت لمشكلة لم تُفهم فهمًا كافيًا.
تحتاج المؤسسة إلى من يكتشف المشكلات، ومن يحلل الأدلة، ومن يصمم التجارب، ومن ينفذ، ومن يرعى، ومن يملك الخبرة التشغيلية. وقد يكون من لا يُعرف بغزارة الأفكار هو من يجعل الفكرة قابلة للتطبيق.
المختبرات والمنصات والجوائز أدوات، وقد تصبح جزءًا من مسرح الابتكار إذا لم ترتبط بأولويات وموارد وقرارات وجهة تشغيل، وإذا بقيت معزولة عن العمل اليومي للوحدات وأفرادها. ومعيار القدرة الابتكارية وجود تدفق منظم للفرص، وتعلم من التجارب، وقرارات مبنية على الأدلة، ونتائج متحققة.
يثبت الإطلاق وجود تطبيق جديد، أما الابتكار فلا يثبت إلا بعد تبنّيه وتحقق أثره. والمؤسسة التي تكتفي بالاحتفاء بالإطلاق ثم تنتقل إلى غيره تفقد في الغالب الجزء الأصعب والأهم من المسار.
نعود في هذا القسم إلى مبادرات الحالة الافتتاحية، فنطبق عليها العناصر الأربعة. والحالات توضيحية، صيغت تفاصيلها لإبراز طريقة التحليل.
حلّ النموذج الإلكتروني محل الورقي، واستخدمه الموظفون لكونه المسار الوحيد المتاح. غير أن مسار الاعتماد بقي على حاله بخمس موافقات متتالية، ولم يتغير متوسط زمن الإنجاز. فالجدة هنا شكلية، والقيمة مقتصرة على توفير الورق.
متى ترقى إلى الابتكار؟ إذا أُعيد تصميم المسار ذاته، كاعتماد الإجازات القصيرة آليًا وفق قواعد واضحة، والاكتفاء بموافقة واحدة في الحالات الأخرى، ثم قيس انخفاض ملموس في الزمن والعبء.
الجدة متحققة على مستوى المؤسسة، غير أن المبادرة لا تزال في طور الفكرة، ولم تُدرس أسباب كثرة الاستفسارات، ولا جودة المعلومات التي سيعتمد عليها المساعد، ولا الجهة المسؤولة عن تحديثها. ومن ثم فإن وصفها بالابتكار سابق لأوانه.
متى ترقى إلى الابتكار؟ إذا بدأت بفهم أسباب الاستفسارات، ثم جُرّبت على نطاق محدود، وقيس انخفاض الاستفسارات المتكررة ورضا المستخدمين، وحُددت جهة مسؤولة عن تحديث المحتوى.
المسابقة آلية لالتقاط الفرص، موقعها سابق للابتكار، وتتحدد قيمتها بما يليها: ارتباطها بتحديات ذات أولوية، وتوافر الوقت والموارد لتقييم المقترحات واختبار أفضلها، وتلقي المشاركين ردًا على مقترحاتهم.
متى تكون مجدية؟ إذا صيغت حول تحدٍّ محدد، وأُعلن مسبقًا ما سيترتب على اختيار الأفكار، وخُصصت ميزانية محدودة لتجربة عدد منها.
أعادت إدارة الجودة ترتيب خطوات الإجراء بعد أن تبيّن أن الطلبات تنتظر أيامًا بين وحدتين دون معالجة، فدُمجت مرحلتا المراجعة، وأُنشئ عرض مشترك لحالة الطلبات. فانخفض الزمن من عشرة أيام إلى ستة، واستمر الانخفاض بعد ستة أشهر. وهذا ابتكار بنيوي جديد على المؤسسة، رغم أنه لم يستخدم أي تقنية جديدة.
ما الذي يعزز الحكم؟ مقارنة الزمن بخط أساس موثق، والتحقق من أن الأخطاء لم تنتقل إلى مرحلة لاحقة.
قد تكون المبادرة التي يوحي اسمها بالابتكار أبعد المبادرات عنه، وقد تكون المبادرة المتواضعة في مظهرها أقربها إليه. ويحدد تصنيف المبادرة أسلوب إدارتها: فالتحسين يُدار بالتنفيذ المنضبط، والابتكار المحتمل يُدار بالتجريب والقرار المرحلي، والنشاط الممهِّد يُدار بوضوح ما يترتب عليه.
استخدم هذه البطاقة لتحديد طبيعة أي مبادرة قبل اتخاذ القرار بشأنها، في مرحلة الاقتراح أو عند مراجعة المبادرات القائمة. وغايتها أن تطرح عليك الأسئلة الصحيحة، فهي أداة تشخيص أكثر منها مقياسًا بالدرجات.