د. عمر عبدالله الصمعاني/المكتبة المفتوحة/إدارة الابتكار Englishتحميل الفصل PDF
الفصل الأول

ما الابتكار؟

نقف في هذا الفصل عند مفهوم الابتكار كما ترسمه عناصره الأربعة المستخلصة من التعريفات المرجعية: الجدة، والتطبيق، والتبني، والقيمة. ونسعى من خلاله إلى إرساء لغة مشتركة تميّز الابتكار من الإبداع والاختراع والتحسين، وتضبط مجالاته ودرجاته؛ ذلك أن الاتفاق على المفهوم شرط سابق لإدارته.

مدخل

حالة افتتاحية: اجتماع الخطة السنوية (حالة مركّبة)

في اجتماع لإعداد الخطة السنوية لإحدى المؤسسات، طُلب من كل إدارة تقديم «مبادراتها الابتكارية». فقدمت إدارة الموارد البشرية نموذجًا إلكترونيًا لطلبات الإجازة يحل محل النموذج الورقي، وقدمت إدارة تقنية المعلومات مشروعًا لتجربة مساعد آلي يعمل بالذكاء الاصطناعي للرد على الاستفسارات، واقترحت إدارة الخدمات مسابقة أفكار للموظفين، وعرضت إدارة الجودة خفض زمن معالجة الطلبات من عشرة أيام إلى ستة من خلال إعادة ترتيب خطوات الإجراء.

وانتهى الاجتماع بقائمة مبادرات تحمل جميعها صفة «الابتكار»، دون أن يُطرح السؤال الجوهري: أيّ هذه المبادرات يُعد ابتكارًا بالمعنى الدقيق؟ وأيها تحسين تشغيلي يكفيه التنفيذ المتقن؟ وأيها نشاط ممهِّد للابتكار لا يُعد ابتكارًا في ذاته؟ وما الذي يترتب على هذا التمييز في طريقة إدارة كل منها؟

ولهذا المشهد نظائر كثيرة في المؤسسات، وإن اختلفت تفاصيله. وقد يكون بعض هذه المبادرات عالي القيمة، غير أن غياب التعريف المشترك يحمل المؤسسة على إدارة مبادرات متباينة في طبيعتها بأسلوب واحد؛ فتُطالَب المبادرة شديدة الغموض بخطة تنفيذ تفصيلية، ويُعامَل التحسين المعروف الحل معاملة الرهان الذي يحتاج إلى تجريب، ويُحتسب النشاط التحفيزي إنجازًا ابتكاريًا قبل أن يتحول أي من مخرجاته إلى واقع.

أهداف الفصل

يُتوقع من القارئ بعد دراسة هذا الفصل أن يكون قادرًا على:

  1. تعريف الابتكار تعريفًا عمليًا يجمع عناصره الأربعة، والمقارنة بين أبرز تعريفاته المرجعية.
  2. تحديد درجة الجدة في مبادرة ما: جديدة على المؤسسة، أو على القطاع، أو على العالم.
  3. التمييز بين الابتكار وكل من الإبداع والاختراع والتحسين والتحول وريادة الأعمال.
  4. تصنيف المبادرة بحسب مجالها ودرجتها، واستنتاج أسلوب الإدارة المناسب لها.
  5. شرح المبادئ الثمانية لإدارة الابتكار في سلسلة المعايير الدولية ISO 56000.
  6. رصد المفاهيم غير الدقيقة عن الابتكار في خطاب المؤسسة وممارساتها.

١-١الحاجة إلى تعريف مشترك

قد يبدو الاهتمام بالتعريف شأنًا أكاديميًا، غير أنه في إدارة الابتكار قرار عملي ذو أثر مباشر؛ إذ يحدد التعريف الذي تتبناه المؤسسة، صراحة أو ضمنًا، ما تموّله وما تقيسه وما تكافئ عليه. وتقع المؤسسات عادة في أحد خطأين متقابلين.

الخطأ الأول: التوسيع المفرط. عندما يُطلق وصف الابتكار على كل تغيير، يتعذر التمييز بين المبادرات التي تتطلب الاستكشاف والتجريب والتعلم، والتحسينات التي يمكن إدارتها بأدوات الجودة والتطوير المستمر. وتكون النتيجة تقارير حافلة بالمبادرات «الابتكارية»، في حين يبقى ما تقدمه المؤسسة لمستفيديها على حاله تقريبًا. وقد أطلق بلانك (Blank) على هذه الظاهرة وصف «مسرح الابتكار»، ويقصد به الأنشطة التي تحاكي الابتكار في مظهرها، كالورش والمسابقات والمختبرات، دون أن تُحدث تغييرًا في المنتجات أو الخدمات أو أساليب العمل (Blank, 2019).

الخطأ الثاني: التضييق المفرط. عندما يُقصَر الابتكار على الاختراعات والتقنيات المتقدمة وبراءات الاختراع، تُهمَل فرص واسعة في الخدمات والإجراءات وتجربة المستفيد ونموذج التشغيل والعلاقات بين الوحدات التنظيمية. وكثير من الابتكارات الأعلى أثرًا في المؤسسات الحكومية والخدمية قام على إعادة النظر في طريقة تقديم الخدمة، واستغنى عن أي تقنية جديدة.

والتعريف الجيد يتجنب الخطأين: واسع بما يشمل كل مجال تُصنع فيه القيمة، ومنضبط بما يميز الابتكار مما سواه.

١-٢الابتكار في التعريفات المرجعية

يعود الاستخدام الاقتصادي الحديث لمفهوم الابتكار إلى جوزيف شومبيتر، الذي رأى أن التطور الاقتصادي يتحقق بتنفيذ «تركيبات جديدة» من الموارد والمعارف، وحدد لها خمس صور: تقديم سلعة جديدة أو نوعية جديدة من سلعة قائمة، وإدخال طريقة إنتاج جديدة، وفتح سوق جديدة، والوصول إلى مصدر جديد للمواد الخام، وإعادة تنظيم صناعة ما (Schumpeter, 1934). ويتضمن هذا التصور المبكر أمرين جديرين بالملاحظة: أن الابتكار يتجاوز المنتج إلى الطريقة والسوق والتنظيم، وأنه يقترن بالتنفيذ ولا يكتمل بالاكتشاف وحده.

وقد بنت التعريفات اللاحقة على هذا الأساس. ونقف هنا عند ثلاثة منها، لكونها الأكثر استخدامًا في السياسات العامة والمعايير وأدوات القياس.

دليل أوسلو

يصدر دليل أوسلو عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والمكتب الإحصائي للاتحاد الأوروبي، ويُعد المرجع الدولي لقياس الابتكار في المسوح الوطنية. وتعرّف طبعته الرابعة الابتكار بأنه منتج أو عملية جديدة أو محسّنة (أو مزيج منهما)، تختلف اختلافًا ملحوظًا عن المنتجات أو العمليات السابقة للوحدة، وأُتيحت للمستخدمين المحتملين في حالة المنتج، أو أُدخلت في الاستخدام الفعلي داخل الوحدة في حالة العملية (OECD/Eurostat, 2018).

والقيد الحاسم في هذا التعريف هو التطبيق؛ فالفكرة التي لم تتجاوز الوثيقة، والنموذج الأولي الذي لم يُطرح، والنظام الذي جرى شراؤه ولم يُشغَّل، لا تُعد ابتكارات وفق معيار أوسلو مهما بلغت جدتها. ويضيف الدليل قيدًا ثانيًا هو «الاختلاف الملحوظ»، فلا يكفي التعديل الطفيف المعتاد لعدّ التغيير ابتكارًا.

سلسلة المعايير الدولية ISO 56000

تعرّف المنظمة الدولية للتقييس الابتكار بأنه كيان جديد أو متغيّر يحقق قيمة أو يعيد توزيعها (ISO, 2025). ومفهوم الكيان في هذا التعريف واسع عن قصد، إذ قد يكون منتجًا أو خدمة أو عملية أو نموذجًا أو أسلوبًا. ويضع التعريف القيمة في مركزه، فالجدة لا تكفي ما لم يترتب عليها نفع، ماليًا كان أو اجتماعيًا أو بيئيًا أو غير ذلك. ويتيح تعبير «إعادة التوزيع» إدراج ابتكارات تغيّر الجهة المستفيدة من القيمة دون أن تزيد قيمتها الكلية بالضرورة، كأن تصل خدمة إلى فئة كانت محرومة منها.

الابتكار بوصفه ما يُدرَك على أنه جديد

وفي أدبيات انتشار الابتكارات، عرّف روجرز الابتكار بأنه فكرة أو ممارسة أو شيء يدركه الفرد أو الوحدة المتبنية على أنه جديد (Rogers, 2003). ويقترب من ذلك تعريف دامانبور للابتكار التنظيمي بأنه تبنّي فكرة أو سلوك جديد على المؤسسة المتبنية (Damanpour, 1991). وتنبع أهمية هذا المنظور من أنه ينقل السؤال من «هل هذا جديد على العالم؟» إلى «هل هو جديد في هذا السياق، ويتطلب من العاملين فيه تغيير ما اعتادوه؟».

جدول ١-١ مقارنة بين التعريفات المرجعية للابتكار
المرجعجوهر التعريفالعنصر الذي يبرزهدلالته الإدارية
شومبيتر (1934)تنفيذ تركيبات جديدة من الموارد والمعارفاتساع المجالات، والتنفيذقد يقع الابتكار في السوق أو التنظيم إلى جانب المنتج
دليل أوسلو (2018)منتج أو عملية جديدة أو محسّنة بدرجة ملحوظة، أُتيحت أو أُدخلت في الاستخدامالتطبيق الفعليلا تُحتسب الفكرة أو النموذج الأولي ابتكارًا قبل وصوله إلى الاستخدام
ISO 56000 (2025)كيان جديد أو متغيّر يحقق قيمة أو يعيد توزيعهاالقيمةالسؤال الأول عن أي مبادرة: ما القيمة المتوقعة، ولمن؟
روجرز (2003)فكرة أو ممارسة أو شيء يُدرَك على أنه جديد لدى من يتبناهالجدة النسبية، والتبنيالحل المعروف في سياق آخر قد يكون ابتكارًا في هذا السياق، ويتطلب إدارة للتبني

التعريف الإجرائي المعتمد في الكتاب

ومن هذه التعريفات نستخلص تعريفًا إجرائيًا نعتمده في فصول الكتاب اللاحقة:

تعريف الكتاب

الابتكار تطبيقٌ جديد أو محسّن بدرجة ذات دلالة، يعالج حاجة أو يستثمر فرصة، ويتبناه مستخدمون أو جهة تشغيل، ويحقق قيمة قابلة للملاحظة.

ويتضمن هذا التعريف أربعة عناصر، ويكفي غياب أي منها لبقاء المبادرة دون مستوى الابتكار:

فكرة
العنصر الأولالجدةاختلاف ذو دلالة عن الممارسة السابقة لدى الجهة المتبنية.عند غيابه: تكرار لما هو قائم.
العنصر الثانيالتطبيقانتقال الحل إلى الاستخدام الفعلي أو إتاحته للمستخدمين.عند غيابه: فكرة أو نموذج على الورق.
العنصر الثالثالتبنياستخدام الحل من قبل المعنيين واستمرارهم عليه.عند غيابه: حل أُطلق ولم يُستخدم.
العنصر الرابعالقيمةنفع ملحوظ للمستفيد أو المؤسسة أو المجتمع.عند غيابه: تغيير بلا أثر.
ابتكار
شكل ١-١ العناصر الأربعة التي تحوّل الفكرة إلى ابتكار، والنتيجة المترتبة على غياب كل منها.

فـالجدة مفهوم نسبي يفصّله القسم التالي. والتطبيق هو ما يفصل الابتكار عن الفكرة والاختراع. أما التبني فعنصر كثيرًا ما يُغفل، رغم أن عددًا غير قليل من الأنظمة والمنصات يُطلق رسميًا ثم يبقى مهجورًا، أو يستخدمه الموظفون في حده الأدنى مع الإبقاء على طرقهم السابقة إلى جانبه. وأما القيمة فقد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو تشغيلية أو معرفية أو بيئية، وقد تعود على المستفيد أو الموظف أو المؤسسة أو المجتمع.

ولترتيب العناصر دلالة زمنية؛ فالتبني والقيمة يأتيان بعد التطبيق، ومن ثم لا يمكن الحكم على مبادرة بأنها ابتكار يوم إطلاقها. فيوم الإطلاق يثبت وجود تطبيق جديد، ويتأخر ثبوت الابتكار إلى أن يُتحقق من استخدامه ومن الأثر الذي أحدثه. وبهذا يكون تعريف الكتاب أشد من الحد الأدنى الذي يعتمده دليل أوسلو لأغراض القياس الإحصائي، إذ يكتفي الدليل بأن يُتاح الجديد للمستخدمين أو يُدخل في الاستخدام (OECD/Eurostat, 2018)؛ لأن غرض الكتاب إداري: الحكم على ما إذا كانت المبادرة قد أدت ما أُطلقت من أجله.

١-٣الجدة النسبية

من الأسئلة المتكررة في النقاشات الإدارية: هل يُعد تطبيق حل قائم في جهة أخرى ابتكارًا؟ والإجابة التي تتفق عليها أدبيات القياس أن الجدة تُقاس بالنسبة إلى وحدة مرجعية، ويميز دليل أوسلو في ذلك بين ثلاث درجات (OECD/Eurostat, 2018):

جديد على المؤسسة جديد على القطاع أو السوق جديد على العالم
  • جديد على المؤسسة: سبق تطبيقه في مؤسسات أخرى، وهو جديد على هذه المؤسسة. وهذه الدرجة هي الأوسع والأكثر شيوعًا، وكثيرًا ما تكون الأسرع أثرًا لأن الحل مجرّب في سياق آخر.
  • جديد على القطاع أو السوق: لم يسبق تطبيقه في القطاع أو النطاق الجغرافي أو السوق الذي تعمل فيه المؤسسة.
  • جديد على العالم: لم يسبق تطبيقه في أي مكان، وهو الأندر والأعلى مخاطرة.
شكل ١-٢ درجات الجدة: كل ابتكار جديد على العالم جديد بالضرورة على السوق وعلى المؤسسة، والعكس غير صحيح.

ويترتب على هذا التمييز نتيجتان عمليتان:

أولًا: أن نقل حل ناجح من سياق إلى آخر قد يُعد ابتكارًا حقيقيًا، متى تطلّب تكييفًا وتغييرًا ذا دلالة في المؤسسة المتبنية.

ثانيًا: أن درجة الجدة تؤثر في أسلوب الإدارة؛ فالحل الجديد على المؤسسة وحدها يمكن الإفادة فيه من تجارب الآخرين، ويتركز عدم اليقين فيه في الملاءمة والتكييف والتبني. أما الحل الجديد على العالم فيكتنفه عدم اليقين في جوانبه كلها تقريبًا: إمكانية عمله، والحاجة إليه، وتكلفته.

مثال

عندما تتبنى جهة حكومية نظام المواعيد المسبقة الذي سبقتها إليه جهات أخرى، فإنها لا تخترع شيئًا جديدًا. غير أنها قد تحتاج إلى إعادة توزيع الموظفين على الفترات، وتعديل آلية استقبال المراجعين دون موعد، وتغيير مؤشرات الأداء التي كانت تقيس عدد المعاملات اليومية. وهذه التغييرات هي ما يجعل التطبيق ابتكارًا على مستوى المؤسسة، وهي في الوقت ذاته ما يحدد نجاحه.

١-٤الابتكار والمفاهيم المجاورة

يُستخدم مصطلح الابتكار في الخطاب العام مرادفًا لمفاهيم قريبة منه. والتمييز بينها ضروري، لأن لكل منها منطقه الخاص في الإدارة، وإن تداخلت في الممارسة.

الإبداعهل الفكرة أصيلة وملائمة؟توليد أفكار جديدة ونافعة. مصدر رئيس للابتكار، ولا يضمن تنفيذه.
الاختراعهل أُنتجت معرفة أو تقنية جديدة؟قد يبقى إنجازًا علميًا دون استخدام، وقد يتحول إلى ابتكار.
الابتكارهل طُبّق جديدٌ وتُبنّي وحقق قيمة؟محور هذا الكتاب. يستفيد من المفاهيم المجاورة ويختلف عنها.
التحسينهل ارتفع أداء ما هو قائم؟قد يرقى إلى الابتكار إذا كان الاختلاف ملموسًا، وقد يبقى تطويرًا اعتياديًا.
التحولهل تغيّر النموذج بكامله؟أوسع من مبادرة واحدة، ويتطلب محفظة من الابتكارات والتغييرات.
شكل ١-٣ الابتكار والمفاهيم المجاورة له، والسؤال الذي يميّز كلًا منها.

الإبداع والابتكار

يتفق الباحثون في علم نفس الإبداع على أن الناتج الإبداعي يجمع بين الأصالة والملاءمة، أي أن يكون جديدًا غير مألوف، ونافعًا أو مناسبًا لغرض محدد (Amabile, 1996; Runco & Jaeger, 2012). والإبداع بهذا المعنى مصدر رئيس للابتكار، غير أن بينهما مسافة واسعة؛ فقد تظل الفكرة الإبداعية في ذهن صاحبها أو في محضر اجتماع، في حين يتطلب الابتكار ما لا يتطلبه الإبداع من موارد وتنظيم وتجريب وقرار وتبنٍّ.

وقد اقترح رودس في وقت مبكر النظر إلى الإبداع من أربعة جوانب مترابطة: الشخص المبدع وما يتسم به من قدرات ودافعية، والعملية التي تُولَّد بها الأفكار وتُطوَّر، والبيئة المحيطة وما تفرضه من ضغوط أو تتيحه من فرص، والناتج الذي يتجسد فيه الإبداع (Rhodes, 1961). وتبرز قيمة هذا التصور في إدارة الابتكار عند مقارنته بالممارسة الشائعة التي تركز على الناتج وحده، كعدد الأفكار أو المشروعات أو براءات الاختراع، دون الالتفات إلى الأفراد الذين يُتوقع منهم الابتكار، والبيئة التي يعملون فيها، والعمليات التي تحتضن أفكارهم. وقد بيّنت أمابيل أن الابتكار التنظيمي يتوقف على تفاعل إبداع الأفراد والفرق مع بيئة العمل، بما تتضمنه من موارد وممارسات إدارية ودافعية مؤسسية للابتكار (Amabile, 1988). ونفرد لهذه العلاقة الفصل السابع.

الاختراع والابتكار

الاختراع إنتاج معرفة أو تقنية أو تركيب جديد، ويُوثَّق غالبًا ببراءة اختراع. ويصبح الاختراع ابتكارًا عندما يجد استخدامًا ويُدمج في منتج أو خدمة أو عملية تحقق قيمة. ومن الأمثلة المعروفة أن أحد مهندسي شركة كوداك بنى عام ١٩٧٥ نموذجًا مبكرًا للكاميرا الرقمية، ثم تأخرت الشركة كثيرًا في جعل التصوير الرقمي محورًا لأعمالها، في حين تحولت التقنية ذاتها على أيدي شركات أخرى إلى ابتكار غيّر الصناعة. وعليه، فالاختراع والابتكار دائرتان متقاطعتان: قد يبقى الاختراع حبيس المختبر، وكثير من الابتكارات، ولا سيما في الخدمات ونماذج الأعمال، يخلو من أي تقنية جديدة.

التحسين والابتكار

التحسين رفع لأداء ما هو قائم، كتقليص زمن إجراء، أو حذف خطوة زائدة، أو رفع جودة خدمة. والعلاقة بين التحسين والابتكار علاقة اتصال؛ فالتحسين يرقى إلى الابتكار عندما يختلف اختلافًا ملموسًا عن الممارسة السابقة، ويُدخَل في الاستخدام، ويحقق قيمة. ويبقى تطويرًا تشغيليًا عندما يكون تعديلًا محدودًا معروف الطريقة.

والمعيار الأنفع في التمييز بينهما هو درجة عدم اليقين، وهي أدلّ في ذلك من حجم التغيير. فإذا كان الحل معروفًا والسبب مفهومًا والمطلوب هو التنفيذ المنضبط، فإن أدوات التحسين المستمر كافية. أما إذا كان الحل غير معروف، أو كانت هناك افتراضات جوهرية غير مختبرة تتعلق بالمستخدم أو التنفيذ أو القيمة، فإن المبادرة تتطلب منطق الابتكار القائم على التجريب والتعلم والقرار المرحلي.

التحول والابتكار

التحول تغيير جوهري في نموذج العمل أو التشغيل أو العلاقة مع المستفيدين أو القدرات المؤسسية. ويتطلب محفظة من الابتكارات والتغييرات المتكاملة، وقيادة وإدارة تغيير تمتدان سنوات. ومن ثم فإن «التحول الرقمي» يتضمن ابتكارات عديدة، كما يتضمن أعمالًا تنفيذية خالصة، كترحيل البيانات وتوحيد الأنظمة وتدريب الموظفين.

ريادة الأعمال والابتكار

تُعنى ريادة الأعمال باكتشاف فرصة وتنظيم الموارد حولها لإنشاء مشروع أو نشاط مستدام. وقد تعتمد على الابتكار دون أن تكون مرادفة له؛ فقد يحدث الابتكار داخل مؤسسة قائمة دون إنشاء مشروع جديد، وقد يطبق مشروع ريادي نموذجًا معروفًا في سوق جديدة دون ابتكار يُذكر. ويُستخدم مصطلح الريادة الداخلية (Intrapreneurship) لوصف السلوك الريادي داخل المؤسسات القائمة، وهو وثيق الصلة بموضوع هذا الكتاب.

جدول ١-٢ الفروق بين الابتكار والمفاهيم المجاورة
المفهومناتجهمعيار نجاحهمنطق إدارته
الإبداعأفكارالأصالة والملاءمةتوسيع البدائل وتأجيل الحكم
الاختراعمعرفة أو تقنية جديدةالجدة التقنية والإثبات العلميالبحث والتطوير وحماية الملكية الفكرية
التحسينأداء أفضل لما هو قائمالكفاءة والجودة والموثوقيةالتحليل والتنفيذ المنضبط والتحسين المستمر
الابتكارحل جديد مطبق ومتبنّىالقيمة المتحققةالتجريب والتعلم والقرار المرحلي
التحولنموذج عمل أو تشغيل جديدتغير القدرات والنتائج على مستوى المؤسسةمحفظة متكاملة وقيادة تغيير طويلة المدى
ريادة الأعمالمشروع أو نشاط مستدامالبقاء والنمواقتناص الفرصة وتنظيم الموارد حولها

١-٥مجالات الابتكار

يمكن أن يقع الابتكار في أي عنصر يُسهم في إنشاء القيمة أو إيصالها. وقد قدمت الأدبيات تصنيفات متعددة لمجالاته، نعرض منها اثنين يكمّل أحدهما الآخر.

تصنيف دليل أوسلو

يُجمِل دليل أوسلو مجالات الابتكار في نوعين رئيسين: ابتكار المنتج سلعةً كان أو خدمة، وابتكار عمليات الأعمال، ويفصّل الثاني في ست وظائف (OECD/Eurostat, 2018).

ابتكار المنتج
ما تقدمه المؤسسة لمستفيديها
السلعمنتجات ملموسة جديدة أو محسّنة.
الخدماتخدمات جديدة أو محسّنة في خصائصها أو سهولة استخدامها أو جودتها.
ابتكار عمليات الأعمال
الطريقة التي تعمل بها المؤسسة
الإنتاج والتقديمأساليب إنتاج السلع أو تقديم الخدمات.
التوزيع والإمدادالخدمات اللوجستية والتسليم.
التسويق والمبيعاتالقنوات والتسعير والترويج.
المعلومات والاتصالاتأنظمة البيانات والتقنية.
الإدارة والتنظيمالهياكل والأدوار وأساليب اتخاذ القرار.
تطوير المنتجات والعملياتأسلوب الابتكار ذاته.
شكل ١-٤ مجالات الابتكار وفق دليل أوسلو (٢٠١٨). المصدر: بتصرف عن OECD/Eurostat (2018).

ويُلاحَظ في هذا التصنيف أن «تطوير المنتجات والعمليات» يُعد بذاته مجالًا للابتكار؛ فالمؤسسة التي تطوّر أسلوبها في استكشاف الفرص واختبار الحلول إنما تبتكر في قدرتها على الابتكار، وهو موضوع الجزء الثاني من الكتاب.

المجالات الأربعة عند تيد وبيسانت

يقترح تيد وبيسانت النظر إلى «مساحة الابتكار» من خلال أربعة أبعاد: المنتج، أي ما تقدمه المؤسسة، والعملية، أي أسلوب إنتاجه وتقديمه، والموقع، أي السياق الذي يُقدَّم فيه والفئة الموجه إليها، والنموذج الذهني، أي التصور الأساسي لطبيعة عمل المؤسسة (Tidd & Bessant, 2021). وتتجلى فائدة البعدين الأخيرين في توجيه الانتباه إلى ابتكارات لا تغيّر المنتج أو العملية، كتقديم خدمة قائمة لفئة جديدة، أو إعادة تعريف ما تقدمه المؤسسة: منتجًا، أم نتيجة، أم حلًا متكاملًا.

تطبيق مهني

اعرض قائمة مبادرات مؤسستك على هذين التصنيفين. فإذا تركزت المبادرات في خانة واحدة، كالتقنية أو المنتج، فتصوّر مؤسستك للابتكار أضيق من الفرص المتاحة لها. وكثيرًا ما تكمن الفرص الكبرى في المجالات المهملة: الهيكل، والشبكة، والقناة، وأسلوب اتخاذ القرار.

وهذه المجالات متكاملة؛ فالحل المؤثر قد يجمع في آن واحد تغييرًا في الخدمة والعملية والتقنية ونموذج التشغيل. والتقنية على وجه الخصوص أحد الممكّنات، وتدخل في الابتكار متى غيّرت القيمة أو التجربة أو الأداء تغييرًا ملموسًا؛ فرقمنة إجراء معيب قد تُسرّع المشكلة بدل أن تعالجها.

١-٦درجات الابتكار

تتفاوت الابتكارات في مقدار ما تُحدثه من تغيير. وتتعدد التصنيفات المستخدمة في الأدبيات لهذه الدرجات، ولكل منها زاوية نظر مختلفة.

الابتكار التحسيني والمجاور والجذري

الابتكار التحسيني (ويُسمى أيضًا التدريجي) يبني على منتج أو خدمة أو قدرة أو فئة مستفيدين معروفة، ولذلك يكون عدم اليقين فيه منخفضًا نسبيًا. والابتكار المجاور ينقل قدرة قائمة إلى فئة أو سوق جديدة، أو يضيف قدرة جديدة إلى مجال مألوف. أما الابتكار الجذري أو التحويلي فيغيّر الافتراضات الأساسية، أو يقدم قيمة ونموذجًا مختلفين اختلافًا كبيرًا (Nagji & Tuff, 2012).

وهذه الدرجات توصيف لمقدار التغيير وما يقترن به من عدم يقين، ولكل منها موضعه وقيمته؛ فقد تتراكم تحسينات متتالية لتُحدث أثرًا كبيرًا، وقد تكون فكرة جذرية غير ملائمة أو غير قابلة للتبني. والمهم أن تحدد المؤسسة درجة عدم اليقين والمخاطر والقدرات التي تتطلبها كل مبادرة، وأن تديرها بما يناسبها. ونعود إلى هذا التوزيع في سياق الاستراتيجية وإدارة المحفظة في الفصلين الرابع والعاشر.

المكونات والبنية

لاحظ هندرسون وكلارك أن التصنيف الثنائي (تحسيني/جذري) يحجب نوعين مهمين من الابتكار؛ إذ يتكون كل منتج أو خدمة من مكونات، ومن بنية تربط هذه المكونات بعضها ببعض. ومن تقاطع هذين البعدين تنشأ أربعة أنواع (Henderson & Clark, 1990):

المكونات: مفاهيمها تتعزز
المكونات: مفاهيمها تُستبدل
الروابط لا تتغير
تحسينيتحسين المكونات ضمن البنية ذاتها، كرفع كفاءة خطوة في إجراء قائم.
وحدوياستبدال مكوّن بتقنية أو طريقة جديدة دون تغيير البنية، كالتوقيع الإلكتروني بدل الورقي.
الروابط تتغير
بنيويربط مكونات معروفة بطريقة جديدة، كجمع خدمات متفرقة في رحلة واحدة.
جذريمفاهيم جديدة وروابط جديدة معًا، كنموذج خدمة غير مسبوق.
بتصرف عن Henderson & Clark (1990)، والأمثلة إعداد المؤلف.
شكل ١-٥ مصفوفة الابتكار بحسب المكونات والبنية.

ويكتسب الابتكار البنيوي أهمية خاصة في المؤسسات الخدمية والحكومية؛ إذ تعود كثير من مشكلات الخدمة إلى طريقة ارتباط المكونات أكثر من ضعفها؛ فقد تؤدي كل إدارة عملها بكفاءة، وتبقى المشكلة في طريقة ارتباطها: التسليم بين الوحدات، وتكرار طلب المعلومات ذاتها، وتجزئة ملكية الرحلة. وقد بيّن هندرسون وكلارك أن هذا النوع يمثل تحديًا خاصًا للمؤسسات القائمة، لأنه يبدو محدودًا في ظاهره، في حين يتطلب معرفة ببنية النظام بأكمله، وهي معرفة تكون في الغالب كامنة في الهياكل وقنوات الاتصال المعتادة.

الابتكار المساند والابتكار المزعزِع

ميّز كريستنسن بين الابتكار المساند، الذي يحسّن أداء المنتجات في الأبعاد التي يقدّرها العملاء الحاليون، والابتكار المزعزِع، الذي يبدأ غالبًا بأداء أدنى في تلك الأبعاد، لكنه أبسط أو أقل تكلفة أو أيسر وصولًا، فيستقطب فئات مهملة أو جديدة، ثم يتطور حتى ينافس الحلول السائدة (Christensen, 1997). وتتمثل «معضلة» المؤسسات الناجحة في أن ممارساتها الجيدة ذاتها، كالإصغاء إلى أفضل عملائها والاستثمار في أعلى الفرص ربحية، تدفعها إلى تجاهل هذا النوع حتى يفوت الأوان.

١-٧الابتكار في القطاع العام والمؤسسات غير الربحية

نشأت أدبيات الابتكار في سياق الشركات والأسواق، فحملت كثيرًا من افتراضاتها كالمنافسة والربح والعميل الذي يملك حرية الاختيار. غير أن الابتكار في الجهات الحكومية والمؤسسات غير الربحية يضاهيه أهمية وقد يفوقه، لأن أثره يمس شرائح واسعة من المستفيدين الذين لا يملكون في الغالب بديلًا عن الخدمة.

وقد عرّف مولغان وألبري الابتكار الناجح في القطاع العام بأنه إنشاء عمليات أو منتجات أو خدمات أو أساليب تقديم جديدة وتطبيقها، بما يحقق تحسنًا ملموسًا في النتائج أو الكفاءة أو الفاعلية أو الجودة (Mulgan & Albury, 2003). والقيمة في هذا السياق هي ما أطلق عليه مور «القيمة العامة»، أي ما يقدّره المجتمع وأفراده، وهو أوسع من العائد المالي (Moore, 1995).

جدول ١-٣ أوجه الاختلاف في الابتكار بين القطاعين
البعدالشركاتالجهات العامة والمؤسسات غير الربحية
مقياس القيمةالعائد والحصة السوقية ورضا العميلالنتائج المجتمعية، وعدالة الوصول، والثقة، والكفاءة
دافع الابتكارالمنافسة والنموالتوجهات الوطنية، وتوقعات المستفيدين، ومحدودية الموارد، والأزمات
المستفيدعميل يختار ويدفعمستفيد قد لا يملك بديلًا، وقد يختلف عن الجهة الممولة
تحمّل المخاطرمقبول في حدود العائد المتوقعأكثر حساسية بفعل المساءلة العامة وأثر الخطأ في الثقة
الانتشارالابتكار ميزة تنافسية تُحمىالابتكار يُستحسن نقله بين الجهات وتعميمه

ويترتب على هذه الفروق أن أدوات الشركات تحتاج إلى تكييف قبل نقلها إلى القطاع العام؛ فمعيار العائد على الاستثمار وحده قاصر عن تقييم مبادرة تستهدف إيصال خدمة إلى فئة محرومة. ونستخدم في هذا الكتاب لفظ «المستفيد» ليشمل العميل والمواطن والمستخدم الداخلي، ولفظ «القيمة» ليشمل القيمة الاقتصادية والعامة معًا.

١-٨مبادئ إدارة الابتكار

إذا كان الابتكار هو النتيجة، فإن إدارة الابتكار هي الممارسات والقدرات التي تجعل هذه النتيجة ممكنة ومتكررة؛ وتشمل توجيه الفرص والأفكار والمبادرات، وإدارة تدفقها من الواجهة الأمامية للابتكار حيث تُستكشف الاحتياجات وتُولَّد الأفكار، إلى التطبيق وتحقيق القيمة. وتقوم سلسلة المعايير الدولية ISO 56000 على ثمانية مبادئ تمثل خلاصة الخبرة المتراكمة في هذا المجال (ISO, 2025; Fernandez & Swart, 2025)، ونعرضها هنا لأنها ترسم خريطة موجزة لموضوعات الكتاب.

تحقيق القيمةRealization of valueالغاية هي القيمة المتحققة، أما عدد الأفكار والأنشطة فمؤشر وسيط إليها.الفصلان ١٦، ١٧
قيادة مستشرفة للمستقبلFuture-focused leadersقيادة تجمع بين إدارة الحاضر واستكشاف المستقبل.الفصل ٣
التوجه الاستراتيجيStrategic directionابتكار موجّه بأهداف واضحة وأولويات معلنة.الفصل ٤
الثقافةCultureقيم وسلوكيات تجمع بين الإبداع والتنفيذ المنضبط.الفصلان ٧، ٨
استثمار الرؤىExploiting insightsالإفادة من مصادر المعرفة المتنوعة داخل المؤسسة وخارجها.الفصلان ١١، ١٨
إدارة عدم اليقينManaging uncertaintyالتعامل مع المخاطر بالتعلم والتجريب المحسوب.الفصل ١٤
القدرة على التكيفAdaptabilityتعديل الهياكل والعمليات استجابة للتغير.الفصلان ٦، ١٠
منظور النظمSystems approachالنظر إلى الابتكار بوصفه منظومة مترابطة العناصر.الفصل ٥
شكل ١-٦ المبادئ الثمانية لإدارة الابتكار في سلسلة ISO 56000، والفصول التي تتناول كلًا منها في هذا الكتاب.

وتقف هذه المبادئ فوق الأدوات بعينها، كالتفكير التصميمي أو الهاكاثون؛ فالأدوات تتبدل، والمبادئ هي التي تحدد متى تفيد الأداة ومتى تصبح ممارسة شكلية.

١-٩مفاهيم شائعة غير دقيقة

ونختم الجانب النظري من الفصل بخمسة مفاهيم غير دقيقة تتكرر في خطاب المؤسسات عن الابتكار. ويقود كل منها إلى قرارات إدارية محددة، ومن ثم فإن تصحيحها يتجاوز الدقة اللفظية إلى تصويب الممارسة.

الابتكار يبدأ بالأفكار

البداية الأدق حاجة أو مشكلة أو فرصة أو تغيّر يستدعي الاستجابة، وتأتي الفكرة لاحقًا بوصفها فرضية للحل. والمؤسسة التي تبدأ بجمع الأفكار دون توجيه تحصل على عدد كبير من المقترحات المتفرقة التي يصعب تقييمها، ونادرًا ما يتحول منها شيء إلى التطبيق. ويفصّل الفصل الحادي عشر في ذلك.

الابتكار هو التقنية

التقنية ممكّن مهم، غير أن كثيرًا من الابتكارات الأعلى أثرًا يقع في الخدمات والإجراءات ونماذج الأعمال والهياكل. وقد أخفقت مشروعات تقنية كبيرة في تحقيق القيمة لأنها بُنيت لمشكلة لم تُفهم فهمًا كافيًا.

الابتكار مقصور على المبدعين

تحتاج المؤسسة إلى من يكتشف المشكلات، ومن يحلل الأدلة، ومن يصمم التجارب، ومن ينفذ، ومن يرعى، ومن يملك الخبرة التشغيلية. وقد يكون من لا يُعرف بغزارة الأفكار هو من يجعل الفكرة قابلة للتطبيق.

وجود مختبر أو منصة دليل على القدرة الابتكارية

المختبرات والمنصات والجوائز أدوات، وقد تصبح جزءًا من مسرح الابتكار إذا لم ترتبط بأولويات وموارد وقرارات وجهة تشغيل، وإذا بقيت معزولة عن العمل اليومي للوحدات وأفرادها. ومعيار القدرة الابتكارية وجود تدفق منظم للفرص، وتعلم من التجارب، وقرارات مبنية على الأدلة، ونتائج متحققة.

الإطلاق هو نهاية المسار

يثبت الإطلاق وجود تطبيق جديد، أما الابتكار فلا يثبت إلا بعد تبنّيه وتحقق أثره. والمؤسسة التي تكتفي بالاحتفاء بالإطلاق ثم تنتقل إلى غيره تفقد في الغالب الجزء الأصعب والأهم من المسار.

حالات تطبيقية: هل هذه المبادرة ابتكار؟

نعود في هذا القسم إلى مبادرات الحالة الافتتاحية، فنطبق عليها العناصر الأربعة. والحالات توضيحية، صيغت تفاصيلها لإبراز طريقة التحليل.

النموذج الإلكتروني لطلبات الإجازة

تحسين تشغيلي
؟الجدة
✓التطبيق
✓التبني
؟القيمة

حلّ النموذج الإلكتروني محل الورقي، واستخدمه الموظفون لكونه المسار الوحيد المتاح. غير أن مسار الاعتماد بقي على حاله بخمس موافقات متتالية، ولم يتغير متوسط زمن الإنجاز. فالجدة هنا شكلية، والقيمة مقتصرة على توفير الورق.

متى ترقى إلى الابتكار؟ إذا أُعيد تصميم المسار ذاته، كاعتماد الإجازات القصيرة آليًا وفق قواعد واضحة، والاكتفاء بموافقة واحدة في الحالات الأخرى، ثم قيس انخفاض ملموس في الزمن والعبء.

المساعد الآلي للاستفسارات

ابتكار محتمل لم يكتمل
✓الجدة
؟التطبيق
؟التبني
؟القيمة

الجدة متحققة على مستوى المؤسسة، غير أن المبادرة لا تزال في طور الفكرة، ولم تُدرس أسباب كثرة الاستفسارات، ولا جودة المعلومات التي سيعتمد عليها المساعد، ولا الجهة المسؤولة عن تحديثها. ومن ثم فإن وصفها بالابتكار سابق لأوانه.

متى ترقى إلى الابتكار؟ إذا بدأت بفهم أسباب الاستفسارات، ثم جُرّبت على نطاق محدود، وقيس انخفاض الاستفسارات المتكررة ورضا المستخدمين، وحُددت جهة مسؤولة عن تحديث المحتوى.

مسابقة الأفكار للموظفين

نشاط ممهِّد للابتكار
—الجدة
—التطبيق
—التبني
—القيمة

المسابقة آلية لالتقاط الفرص، موقعها سابق للابتكار، وتتحدد قيمتها بما يليها: ارتباطها بتحديات ذات أولوية، وتوافر الوقت والموارد لتقييم المقترحات واختبار أفضلها، وتلقي المشاركين ردًا على مقترحاتهم.

متى تكون مجدية؟ إذا صيغت حول تحدٍّ محدد، وأُعلن مسبقًا ما سيترتب على اختيار الأفكار، وخُصصت ميزانية محدودة لتجربة عدد منها.

خفض زمن معالجة الطلبات

ابتكار على مستوى المؤسسة
✓الجدة
✓التطبيق
✓التبني
✓القيمة

أعادت إدارة الجودة ترتيب خطوات الإجراء بعد أن تبيّن أن الطلبات تنتظر أيامًا بين وحدتين دون معالجة، فدُمجت مرحلتا المراجعة، وأُنشئ عرض مشترك لحالة الطلبات. فانخفض الزمن من عشرة أيام إلى ستة، واستمر الانخفاض بعد ستة أشهر. وهذا ابتكار بنيوي جديد على المؤسسة، رغم أنه لم يستخدم أي تقنية جديدة.

ما الذي يعزز الحكم؟ مقارنة الزمن بخط أساس موثق، والتحقق من أن الأخطاء لم تنتقل إلى مرحلة لاحقة.

دلالة الحالات

قد تكون المبادرة التي يوحي اسمها بالابتكار أبعد المبادرات عنه، وقد تكون المبادرة المتواضعة في مظهرها أقربها إليه. ويحدد تصنيف المبادرة أسلوب إدارتها: فالتحسين يُدار بالتنفيذ المنضبط، والابتكار المحتمل يُدار بالتجريب والقرار المرحلي، والنشاط الممهِّد يُدار بوضوح ما يترتب عليه.

أداة الفصل: بطاقة تصنيف المبادرة

استخدم هذه البطاقة لتحديد طبيعة أي مبادرة قبل اتخاذ القرار بشأنها، في مرحلة الاقتراح أو عند مراجعة المبادرات القائمة. وغايتها أن تطرح عليك الأسئلة الصحيحة، فهي أداة تشخيص أكثر منها مقياسًا بالدرجات.

بطاقة تصنيف المبادرةتُستكمل في نحو عشرين دقيقة
١
ما الحاجة أو الفرصة؟تُوصف دون ذكر الحل. ما الدليل على أهميتها؟
دليل قويدليل أوليانطباع
٢
ما درجة الجدة؟جديدة بالنسبة إلى من؟
على المؤسسةعلى القطاععلى العالملا جدة ذات دلالة
٣
ما مجال الابتكار؟يجوز اختيار أكثر من مجال.
منتج أو خدمةعمليةتجربة المستفيدنموذج العملتنظيم وإدارةتقنية
٤
ما درجة عدم اليقين؟هل الحل معروف؟ هل السبب مفهوم؟ هل التبني مضمون؟
منخفضة: تحسينمتوسطة: ابتكار تحسيني أو مجاورمرتفعة: ابتكار جذري
٥
ما القيمة المتوقعة، ولمن؟ما المؤشر الذي سيتغير في حال نجاح المبادرة؟
المستفيدالموظفالمؤسسةالمجتمع
٦
من الجهة التي ستتبنى الحل وتشغّله؟جهة محددة بعينها.
محددة ومشاركةمحددة غير مشاركةغير محددة
٧
ما أسلوب الإدارة المناسب؟النتيجة المترتبة على الإجابات السابقة.
تنفيذ وتحسين مستمرمسار ابتكار بالتجريب والمراحلاستكشاف أولي قبل القرار
جدة محدودة وعدم يقين منخفضالمبادرة تحسين، تُنفَّذ بإتقان دون تحميلها لغة الابتكار وأدواته.
جدة حقيقية وعدم يقين متوسط أو مرتفعالمبادرة تتطلب مسار ابتكار: افتراضات معلنة، وتجارب، وتمويل مرحلي، وبوابات قرار.
حاجة غير واضحةالخطوة الأولى استكشاف قصير لفهم المشكلة قبل أي التزام بحل.

الأداة على الموقع ←

خلاصة الفصل

مصطلحات الفصل

الابتكارInnovation
تطبيق جديد أو محسّن بدرجة ذات دلالة، يتبناه مستخدمون ويحقق قيمة.
إدارة الابتكارInnovation management
الممارسات والقدرات التي توجه تدفق الفرص والأفكار والمبادرات، وتدير التجريب والقرارات والموارد حتى تحقيق القيمة.
الواجهة الأمامية للابتكارFront end of innovation
المرحلة السابقة لإطلاق المشروع رسميًا، وتشمل اكتشاف الاحتياجات واستكشاف الفرص وتوليد الأفكار.
الجدة النسبيةDegree of novelty
جدة الحل بالنسبة إلى وحدة مرجعية: المؤسسة أو السوق أو العالم.
ابتكار عمليات الأعمالBusiness process innovation
تغيير جديد أو محسّن في أسلوب عمل المؤسسة في إحدى وظائفها.
الابتكار التحسينيIncremental innovation
ابتكار يبني على عرض أو قدرة قائمة دون تغيير طبيعتها الأساسية.
الابتكار البنيويArchitectural innovation
ربط مكونات معروفة بطريقة جديدة.
الابتكار المزعزِعDisruptive innovation
ابتكار يبدأ من الطرف الأدنى للسوق أو من سوق جديدة، ثم يتطور حتى ينافس الحلول السائدة.
الريادة الداخليةIntrapreneurship
السلوك الريادي الذي يمارسه الأفراد داخل مؤسسة قائمة لقيادة ابتكار جديد.
القيمة العامةPublic value
ما يقدّره المجتمع وأفراده من نتائج الخدمات والسياسات العامة.
مسرح الابتكارInnovation theater
أنشطة تحاكي الابتكار في مظهرها دون أن تُحدث تغييرًا في المنتجات أو الخدمات أو أساليب العمل.

أسئلة للمراجعة والمناقشة

  1. اذكر العناصر الأربعة في تعريف الابتكار، ووضّح بمثال ما يترتب على غياب عنصر التبني. فهم
  2. قارن بين تعريف دليل أوسلو وتعريف ISO 56000 من حيث العنصر الذي يبرزه كل منهما، وبيّن متى يكون أحدهما أنسب لغرض إداري محدد. تحليل
  3. طبّقت مؤسسة نظامًا معمولًا به منذ سنوات في مؤسسات مماثلة. هل يُعد ذلك ابتكارًا؟ حدد الشروط التي يكون فيها كذلك. تطبيق
  4. اختر ثلاث مبادرات من خطة مؤسستك، وصنّفها باستخدام بطاقة تصنيف المبادرة، ثم قارن أسلوب إدارتها الحالي بما يقتضيه التصنيف. تطبيق
  5. ما الذي يجعل الابتكار البنيوي صعبًا على المؤسسات القائمة؟ استشهد بخدمة تؤدي وحداتها أعمالها بكفاءة في حين تبقى الرحلة الكلية بطيئة. تحليل
  6. «المؤسسة التي تملك مختبرًا للابتكار وجائزة سنوية له مؤسسة مبتكرة». ناقش هذه العبارة في ضوء مفهوم مسرح الابتكار وجوانب الإبداع الأربعة. تقويم

مراجع الفصل

  1. Amabile, T. M. (1988). A model of creativity and innovation in organizations. Research in Organizational Behavior, 10, 123–167.
  2. Amabile, T. M. (1996). Creativity in context: Update to "The social psychology of creativity." Westview Press.
  3. Blank, S. (2019, October). Why companies do "innovation theater" instead of actual innovation. Harvard Business Review. https://hbr.org/2019/10/why-companies-do-innovation-theater-instead-of-actual-innovation
  4. Christensen, C. M. (1997). The innovator's dilemma: When new technologies cause great firms to fail. Harvard Business School Press.
  5. Damanpour, F. (1991). Organizational innovation: A meta-analysis of effects of determinants and moderators. Academy of Management Journal, 34(3), 555–590. https://doi.org/10.5465/256406
  6. Fernandez, R., & Swart, W. (2025). The new ISO 56000 family of standards for innovation management. Standards, 5(4), Article 34. https://doi.org/10.3390/standards5040034
  7. Henderson, R. M., & Clark, K. B. (1990). Architectural innovation: The reconfiguration of existing product technologies and the failure of established firms. Administrative Science Quarterly, 35(1), 9–30. https://doi.org/10.2307/2393549
  8. International Organization for Standardization. (2025). Innovation management — Fundamentals and vocabulary (ISO Standard No. 56000:2025). https://www.iso.org/standard/84436.html
  9. Moore, M. H. (1995). Creating public value: Strategic management in government. Harvard University Press.
  10. Mulgan, G., & Albury, D. (2003). Innovation in the public sector. Strategy Unit, Cabinet Office.
  11. Nagji, B., & Tuff, G. (2012). Managing your innovation portfolio. Harvard Business Review, 90(5), 66–74.
  12. OECD/Eurostat. (2018). Oslo manual 2018: Guidelines for collecting, reporting and using data on innovation (4th ed.). OECD Publishing. https://doi.org/10.1787/9789264304604-en
  13. Rhodes, M. (1961). An analysis of creativity. The Phi Delta Kappan, 42(7), 305–310.
  14. Rogers, E. M. (2003). Diffusion of innovations (5th ed.). Free Press.
  15. Runco, M. A., & Jaeger, G. J. (2012). The standard definition of creativity. Creativity Research Journal, 24(1), 92–96. https://doi.org/10.1080/10400419.2012.650092
  16. Schumpeter, J. A. (1934). The theory of economic development (R. Opie, Trans.). Harvard University Press.
  17. Tidd, J., & Bessant, J. (2021). Managing innovation: Integrating technological, market and organizational change (7th ed.). Wiley.