الابتكار هو الوقود الذي يميّز المشروع الريادي عن غيره. لكنه يُخلط كثيرًا بالإبداع، ويُختصر أحيانًا في «اختراع منتج جديد». نوضح في هذا الفصل الفرق بين المفهومين، ونصنّف الابتكار بحسب نوعه ودرجته، ونشرح كيف ينتشر الجديد بين الناس، ولماذا يهم ذلك صاحب المشروع.
يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:
تُستخدم الكلمتان أحيانًا بمعنى واحد، لكن التمييز بينهما ضروري لفهم الريادة.
الإبداع (Creativity) هو القدرة على توليد أفكار جديدة ومفيدة. ويتفق الباحثون على أن الفكرة الإبداعية تحتاج شرطين معًا: أن تكون جديدة (أصيلة، غير مألوفة)، وأن تكون مناسبة (مفيدة، قابلة للتطبيق، تحل مشكلة). الفكرة الجديدة غير المفيدة غرابة، والفكرة المفيدة غير الجديدة تكرار.
الابتكار (Innovation) هو تحويل الفكرة الإبداعية إلى منتج أو خدمة أو طريقة عمل يستخدمها الناس فعلًا وتضيف لهم قيمة. ويعرّفه دليل أوسلو، وهو المرجع الدولي الذي تعتمده منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لقياس الابتكار، بأنه منتج أو عملية جديدة أو محسّنة تختلف بشكل ملموس عما سبقها، وأُتيحت للمستخدمين أو طُبّقت فعلًا.
ولذلك قد يكون الشخص مبدعًا جدًا وليس مبتكرًا، لأنه لا يكمل الطريق إلى التنفيذ. وقد ينجح شخص آخر في الابتكار بفكرة متوسطة الإبداع، لأنه أتقن التنفيذ وفهم العميل. والريادة تحتاج الاثنين: الإبداع لتوليد الفكرة، والابتكار لتحويلها إلى قيمة.
حين نتحدث عن الابتكار يتبادر إلى الذهن منتج جديد، كهاتف أو جهاز. لكن الابتكار قد يحدث في أي جزء من المشروع، وكثير من أنجح الابتكارات لم تغيّر المنتج نفسه، بل غيّرت طريقة تقديمه أو بيعه.
منتج جديد، أو تحسين واضح لمنتج موجود في وظيفته أو جودته أو سهولة استخدامه. مثال: قارورة ماء تذكّرك بالشرب عبر ضوء صغير، أو عباءة بقماش يناسب حرارة الصيف.
طريقة جديدة لتقديم خدمة أو تجربة العميل فيها. مثال: حجز موعد الحلاق عبر رابط مع إشعار قبل الدور بعشر دقائق، بدل الانتظار في المحل. الخدمة نفسها (الحلاقة) لم تتغير، لكن تجربة العميل تغيرت تمامًا.
طريقة جديدة في الإنتاج أو التشغيل الداخلي تجعل المشروع أسرع أو أرخص أو أدق، وقد لا يلاحظها العميل مباشرة. مثال: مطبخ يحضّر المكونات الأساسية مسبقًا بطريقة منظمة فيقلّص وقت إعداد الطلب إلى النصف.
طريقة جديدة لكسب المال أو لتوزيع القيمة بين الأطراف. وهو من أقوى أنواع الابتكار لأنه يصعب تقليده. أمثلة: الاشتراك الشهري بدل الشراء لكل مرة، أو «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» على أقساط دون فوائد، أو منصة تربط مقدمي الخدمة بالعملاء وتأخذ عمولة بدل أن توظفهم.
طريقة جديدة في عرض المنتج أو تغليفه أو تسعيره أو الوصول إلى العميل. مثال: مزرعة صغيرة تبيع منتجاتها بصندوق أسبوعي مع بطاقة تحكي قصة المحصول، بدل البيع بالجملة في السوق.
حلول جديدة لمشكلات مجتمعية، هدفها الأول تحسين حياة الناس. مثال: منصة تربط المتطوعين من الشباب بكبار السن في الحي لمساعدتهم في المشاوير والمعاملات الإلكترونية.
إلى جانب نوع الابتكار، نسأل: ما حجم التغيير الذي يُحدثه؟ ويُصنّف عادة في ثلاث درجات:
تحسينات صغيرة ومستمرة على منتج أو خدمة موجودة: كاميرا أفضل في الإصدار الجديد من الهاتف، أو نكهة جديدة من منتج معروف. مخاطرته منخفضة، وعائده محدود لكنه مضمون نسبيًا. وأغلب الابتكار في العالم من هذا النوع.
تغيير كبير يخلق فئة جديدة من المنتجات أو يغيّر طريقة عمل قطاع كامل، كظهور الهاتف الذكي نفسه، أو الانتقال من البيع في المحلات إلى التجارة الإلكترونية. مخاطرته عالية، وتكلفته كبيرة، لكن أثره واسع.
صاغ هذا المفهوم كلايتون كريستنسن (Clayton Christensen)، أستاذ الإدارة في جامعة هارفارد، في كتابه «معضلة المبتكر» (١٩٩٧). وهو ليس مرادفًا لـ«الابتكار الكبير»، بل يصف نمطًا محددًا:
وتكمن «المعضلة» في أن الشركات الكبرى لا تخطئ لأنها سيئة الإدارة، بل لأنها تفعل ما يُفترض أنه صحيح: تستمع لعملائها الحاليين، وتركز على المنتجات الأربح. وهذا بالذات ما يجعلها تتجاهل الخطر القادم من الأسفل.
درس عالم الاجتماع إيفيريت روجرز (Everett Rogers) كيف تنتشر الأفكار والمنتجات الجديدة في المجتمع، ونشر نظريته في كتاب «انتشار الابتكارات» (١٩٦٢، وطبعته الخامسة ٢٠٠٣). ووجد أن الناس لا يتبنون الجديد في وقت واحد، بل ينقسمون إلى خمس فئات بحسب سرعة تبنّيهم:
| الفئة | النسبة التقريبية | صفاتها | ما الذي يقنعها؟ |
|---|---|---|---|
| المبتكرون | ٢٫٥٪ | يحبون التجربة والجديد لذاته، ويتحملون العيوب والمخاطرة | الجِدّة نفسها |
| المتبنون الأوائل | ١٣٫٥٪ | قادة رأي، يبحثون عن ميزة أو حل لمشكلة يعانونها بشدة | الفائدة الواضحة والقدرة على التميز |
| الأغلبية المبكرة | ٣٤٪ | عمليون، ينتظرون أن يجرب غيرهم ويثبت نجاح المنتج | الدليل والتوصيات من أشخاص يثقون بهم |
| الأغلبية المتأخرة | ٣٤٪ | متشككون، يتبنون حين يصبح المنتج شائعًا أو ضروريًا | الضغط الاجتماعي وانخفاض المخاطرة |
| المتأخرون | ١٦٪ | متمسكون بالتقليدي، يقاومون التغيير | غالبًا لا يتبنون إلا حين لا يبقى بديل |
لماذا يهم هذا صاحب المشروع؟ لأن الخطأ الشائع أن يستهدف المشروع «كل الناس» من البداية. والصواب أن تبحث أولًا عن المبتكرين والمتبنين الأوائل: الأشخاص الذين يعانون المشكلة بشدة، ومستعدون لتجربة حل جديد حتى لو لم يكن كاملًا. هؤلاء يعطونك الملاحظات الأولى، ويتحدثون عنك لغيرهم.
وأضاف جيفري مور (Geoffrey Moore) في كتابه «عبور الهوّة» (١٩٩١) ملاحظة مهمة: بين المتبنين الأوائل والأغلبية المبكرة هوّة (Chasm) يسقط فيها كثير من المنتجات. فالمتبنون الأوائل يقبلون المنتج غير المكتمل لأنهم يحبون التجربة، لكن الأغلبية تريد منتجًا مكتملًا موثوقًا ومجرّبًا. ولعبور الهوة يحتاج المشروع إلى التركيز على شريحة محددة من الأغلبية، وإقناعها كاملًا، ثم الانتقال منها إلى غيرها.
حدد روجرز خمس خصائص في الابتكار نفسه تجعل الناس يتبنونه أسرع. ويمكنك أن تستخدمها كقائمة فحص لفكرتك:
الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.
اذكر منتجًا تبنّيته متأخرًا وآخر كنت من أوائل من جرّبه. ما الذي جعلك تتأخر أو تتقدم؟