د. عمر عبدالله الصمعاني/المكتبة المفتوحة/ريادة الأعمال ١٠١ Englishتحميل الكتاب PDF
الفصل الرابع

الإبداع والابتكار

الابتكار هو الوقود الذي يميّز المشروع الريادي عن غيره. لكنه يُخلط كثيرًا بالإبداع، ويُختصر أحيانًا في «اختراع منتج جديد». نوضح في هذا الفصل الفرق بين المفهومين، ونصنّف الابتكار بحسب نوعه ودرجته، ونشرح كيف ينتشر الجديد بين الناس، ولماذا يهم ذلك صاحب المشروع.

أهداف الفصل

يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:

  1. تفرّق بين الإبداع والابتكار.
  2. تصنّف الابتكار بحسب نوعه ودرجته.
  3. تشرح منحنى تبنّي الابتكار وأهميته للمشروع.

٤-١الإبداع والابتكار: مفهومان متصلان ومختلفان

تُستخدم الكلمتان أحيانًا بمعنى واحد، لكن التمييز بينهما ضروري لفهم الريادة.

الإبداع (Creativity) هو القدرة على توليد أفكار جديدة ومفيدة. ويتفق الباحثون على أن الفكرة الإبداعية تحتاج شرطين معًا: أن تكون جديدة (أصيلة، غير مألوفة)، وأن تكون مناسبة (مفيدة، قابلة للتطبيق، تحل مشكلة). الفكرة الجديدة غير المفيدة غرابة، والفكرة المفيدة غير الجديدة تكرار.

الابتكار (Innovation) هو تحويل الفكرة الإبداعية إلى منتج أو خدمة أو طريقة عمل يستخدمها الناس فعلًا وتضيف لهم قيمة. ويعرّفه دليل أوسلو، وهو المرجع الدولي الذي تعتمده منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لقياس الابتكار، بأنه منتج أو عملية جديدة أو محسّنة تختلف بشكل ملموس عما سبقها، وأُتيحت للمستخدمين أو طُبّقت فعلًا.

الفرق في جملة: الإبداع أن تخطر لك الفكرة، والابتكار أن تصل الفكرة إلى الناس وتغيّر شيئًا في حياتهم. فكرة رائعة في دفترك إبداع، وحين يستخدمها الناس تصبح ابتكارًا.

ولذلك قد يكون الشخص مبدعًا جدًا وليس مبتكرًا، لأنه لا يكمل الطريق إلى التنفيذ. وقد ينجح شخص آخر في الابتكار بفكرة متوسطة الإبداع، لأنه أتقن التنفيذ وفهم العميل. والريادة تحتاج الاثنين: الإبداع لتوليد الفكرة، والابتكار لتحويلها إلى قيمة.

٤-٢أنواع الابتكار

حين نتحدث عن الابتكار يتبادر إلى الذهن منتج جديد، كهاتف أو جهاز. لكن الابتكار قد يحدث في أي جزء من المشروع، وكثير من أنجح الابتكارات لم تغيّر المنتج نفسه، بل غيّرت طريقة تقديمه أو بيعه.

١. ابتكار المنتج

منتج جديد، أو تحسين واضح لمنتج موجود في وظيفته أو جودته أو سهولة استخدامه. مثال: قارورة ماء تذكّرك بالشرب عبر ضوء صغير، أو عباءة بقماش يناسب حرارة الصيف.

٢. ابتكار الخدمة

طريقة جديدة لتقديم خدمة أو تجربة العميل فيها. مثال: حجز موعد الحلاق عبر رابط مع إشعار قبل الدور بعشر دقائق، بدل الانتظار في المحل. الخدمة نفسها (الحلاقة) لم تتغير، لكن تجربة العميل تغيرت تمامًا.

٣. ابتكار العملية

طريقة جديدة في الإنتاج أو التشغيل الداخلي تجعل المشروع أسرع أو أرخص أو أدق، وقد لا يلاحظها العميل مباشرة. مثال: مطبخ يحضّر المكونات الأساسية مسبقًا بطريقة منظمة فيقلّص وقت إعداد الطلب إلى النصف.

٤. ابتكار نموذج العمل

طريقة جديدة لكسب المال أو لتوزيع القيمة بين الأطراف. وهو من أقوى أنواع الابتكار لأنه يصعب تقليده. أمثلة: الاشتراك الشهري بدل الشراء لكل مرة، أو «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» على أقساط دون فوائد، أو منصة تربط مقدمي الخدمة بالعملاء وتأخذ عمولة بدل أن توظفهم.

٥. ابتكار التسويق

طريقة جديدة في عرض المنتج أو تغليفه أو تسعيره أو الوصول إلى العميل. مثال: مزرعة صغيرة تبيع منتجاتها بصندوق أسبوعي مع بطاقة تحكي قصة المحصول، بدل البيع بالجملة في السوق.

٦. الابتكار الاجتماعي

حلول جديدة لمشكلات مجتمعية، هدفها الأول تحسين حياة الناس. مثال: منصة تربط المتطوعين من الشباب بكبار السن في الحي لمساعدتهم في المشاوير والمعاملات الإلكترونية.

٤-٣درجات الابتكار

إلى جانب نوع الابتكار، نسأل: ما حجم التغيير الذي يُحدثه؟ ويُصنّف عادة في ثلاث درجات:

١. الابتكار التدريجي (Incremental)

تحسينات صغيرة ومستمرة على منتج أو خدمة موجودة: كاميرا أفضل في الإصدار الجديد من الهاتف، أو نكهة جديدة من منتج معروف. مخاطرته منخفضة، وعائده محدود لكنه مضمون نسبيًا. وأغلب الابتكار في العالم من هذا النوع.

٢. الابتكار الجذري (Radical)

تغيير كبير يخلق فئة جديدة من المنتجات أو يغيّر طريقة عمل قطاع كامل، كظهور الهاتف الذكي نفسه، أو الانتقال من البيع في المحلات إلى التجارة الإلكترونية. مخاطرته عالية، وتكلفته كبيرة، لكن أثره واسع.

٣. الابتكار المُزعزِع (Disruptive)

صاغ هذا المفهوم كلايتون كريستنسن (Clayton Christensen)، أستاذ الإدارة في جامعة هارفارد، في كتابه «معضلة المبتكر» (١٩٩٧). وهو ليس مرادفًا لـ«الابتكار الكبير»، بل يصف نمطًا محددًا:

  1. يبدأ المنتج المُزعزِع بسيطًا وأقل جودة من منتجات الشركات الكبرى، لكنه أرخص أو أسهل.
  2. يخدم في البداية فئة تهملها الشركات الكبرى: عملاء لا يستطيعون دفع ثمن المنتج الغالي، أو لا يحتاجون كل مزاياه.
  3. تتجاهله الشركات الكبرى لأنه يبدو غير مربح وغير مهم لعملائها الحاليين.
  4. يتحسن المنتج تدريجيًا حتى يصبح «جيدًا بما يكفي» لعملاء الشركات الكبرى أنفسهم، فيأخذهم منها.

وتكمن «المعضلة» في أن الشركات الكبرى لا تخطئ لأنها سيئة الإدارة، بل لأنها تفعل ما يُفترض أنه صحيح: تستمع لعملائها الحاليين، وتركز على المنتجات الأربح. وهذا بالذات ما يجعلها تتجاهل الخطر القادم من الأسفل.

درس كوداك: كانت كوداك لعقود الاسم الأبرز في أفلام التصوير. وفي عام ١٩٧٥ صنع أحد مهندسيها، ستيفن ساسون، نموذجًا مبكرًا لكاميرا رقمية. لكن الكاميرا الرقمية الأولى كانت بطيئة وصورها ضعيفة، وتجارة الأفلام كانت مربحة جدًا، فترددت الشركة في دفع التقنية الجديدة إلى الأمام كي لا تنافس منتجها الرابح. تحسنت الكاميرات الرقمية بسرعة، ثم جاءت الهواتف الذكية، فتراجعت تجارة الأفلام، وأعلنت كوداك إفلاسها عام ٢٠١٢. القصة ليست قصة شركة لم تعرف التقنية، بل شركة عرفتها ولم تجرؤ على أن تزعزع نفسها.

٤-٤كيف ينتشر الابتكار؟ منحنى التبنّي

درس عالم الاجتماع إيفيريت روجرز (Everett Rogers) كيف تنتشر الأفكار والمنتجات الجديدة في المجتمع، ونشر نظريته في كتاب «انتشار الابتكارات» (١٩٦٢، وطبعته الخامسة ٢٠٠٣). ووجد أن الناس لا يتبنون الجديد في وقت واحد، بل ينقسمون إلى خمس فئات بحسب سرعة تبنّيهم:

الفئةالنسبة التقريبيةصفاتهاما الذي يقنعها؟
المبتكرون٢٫٥٪يحبون التجربة والجديد لذاته، ويتحملون العيوب والمخاطرةالجِدّة نفسها
المتبنون الأوائل١٣٫٥٪قادة رأي، يبحثون عن ميزة أو حل لمشكلة يعانونها بشدةالفائدة الواضحة والقدرة على التميز
الأغلبية المبكرة٣٤٪عمليون، ينتظرون أن يجرب غيرهم ويثبت نجاح المنتجالدليل والتوصيات من أشخاص يثقون بهم
الأغلبية المتأخرة٣٤٪متشككون، يتبنون حين يصبح المنتج شائعًا أو ضروريًاالضغط الاجتماعي وانخفاض المخاطرة
المتأخرون١٦٪متمسكون بالتقليدي، يقاومون التغييرغالبًا لا يتبنون إلا حين لا يبقى بديل
الهوّة (مور)المبتكرون٢٫٥٪المتبنون الأوائل١٣٫٥٪الأغلبية المبكرة٣٤٪الأغلبية المتأخرة٣٤٪المتأخرون١٦٪الزمن →
شكل: منحنى تبنّي الابتكار عند روجرز، والهوّة التي أضافها مور بين المتبنين الأوائل والأغلبية المبكرة.

لماذا يهم هذا صاحب المشروع؟ لأن الخطأ الشائع أن يستهدف المشروع «كل الناس» من البداية. والصواب أن تبحث أولًا عن المبتكرين والمتبنين الأوائل: الأشخاص الذين يعانون المشكلة بشدة، ومستعدون لتجربة حل جديد حتى لو لم يكن كاملًا. هؤلاء يعطونك الملاحظات الأولى، ويتحدثون عنك لغيرهم.

وأضاف جيفري مور (Geoffrey Moore) في كتابه «عبور الهوّة» (١٩٩١) ملاحظة مهمة: بين المتبنين الأوائل والأغلبية المبكرة هوّة (Chasm) يسقط فيها كثير من المنتجات. فالمتبنون الأوائل يقبلون المنتج غير المكتمل لأنهم يحبون التجربة، لكن الأغلبية تريد منتجًا مكتملًا موثوقًا ومجرّبًا. ولعبور الهوة يحتاج المشروع إلى التركيز على شريحة محددة من الأغلبية، وإقناعها كاملًا، ثم الانتقال منها إلى غيرها.

٤-٥ما الذي يجعل الناس يتبنون الابتكار؟

حدد روجرز خمس خصائص في الابتكار نفسه تجعل الناس يتبنونه أسرع. ويمكنك أن تستخدمها كقائمة فحص لفكرتك:

  1. الميزة النسبية: هل هو أفضل بوضوح مما يستخدمه الناس الآن؟
  2. التوافق: هل يتفق مع قيم الناس وعاداتهم واحتياجاتهم؟ (خدمة لا تراعي الخصوصية الثقافية ستواجه مقاومة مهما كانت مفيدة).
  3. البساطة: هل هو سهل الفهم والاستخدام؟
  4. قابلية التجربة: هل يستطيع الناس تجربته بتكلفة قليلة قبل الالتزام؟ (ولذلك تنجح التجارب المجانية).
  5. قابلية الملاحظة: هل يرى الناس نتائجه عند غيرهم؟ (المنتج الذي يُرى ويُتحدث عنه ينتشر أسرع).

خلاصة الفصل

مصطلحات الفصل

الإبداع
توليد فكرة جديدة ومفيدة.
الابتكار
تحويل الفكرة إلى قيمة يستخدمها الناس فعلًا.
الابتكار المُزعزِع
حل بسيط ورخيص يبدأ في سوق مهمل ثم يزيح الشركات الكبرى.
المتبنون الأوائل
الفئة التي تجرب الجديد مبكرًا وتؤثر في غيرها.

أسئلة للتقويم الذاتي

  1. تقديم خدمة الغسيل باشتراك شهري بدل الدفع لكل مرة هو ابتكار في:(أ) المنتج(ب) نموذج العمل(ج) العملية
  2. الفرق بين الإبداع والابتكار:(أ) لا فرق بينهما(ب) الإبداع فكرة، والابتكار فكرة طُبّقت وأضافت قيمة(ج) الابتكار للتقنية فقط
  3. من يجب أن تستهدف أولًا بمنتج جديد؟(أ) الأغلبية المتأخرة(ب) المتبنين الأوائل(ج) كل الناس في الوقت نفسه

الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.

للنقاش والتأمل

اذكر منتجًا تبنّيته متأخرًا وآخر كنت من أوائل من جرّبه. ما الذي جعلك تتأخر أو تتقدم؟

مراجع الفصل

  1. Christensen, C. M. (1997). The Innovator's Dilemma. Harvard Business School Press.
  2. Rogers, E. M. (2003). Diffusion of Innovations (5th ed.). Free Press.
  3. Moore, G. A. (1991). Crossing the Chasm. HarperBusiness.
  4. OECD/Eurostat. (2018). Oslo Manual 2018 (4th ed.). OECD Publishing.
  5. Alsamani, O. A. (2023). The development of innovation for the creatively gifted: A phenomenological study of the lived experiences of successful outstanding innovators. International Journal of Educational Sciences, 41(1), 70–81.
  6. الصمعاني، عمر عبدالله. (2023). احتياجات الطلبة الموهوبين ذوي السمات الإبداعية والابتكارية في المرحلة الجامعية لتحفيز الإبداع والابتكار. مجلة العلوم الإنسانية، 19(2)، 39–62.