د. عمر عبدالله الصمعاني/المكتبة المفتوحة/ريادة الأعمال ١٠١ Englishتحميل الكتاب PDF
الفصل الثالث

الفرص وتوليد الأفكار

تبدأ كل المشاريع بفكرة، لكن ليست كل فكرة صالحة لأن تصبح مشروعًا. نميّز في هذا الفصل بين الفكرة والفرصة، ونعرض المصادر التي تنشأ منها الفرص كما صنّفها دركر، ثم نقدّم أساليب عملية لتوليد الأفكار، ومعايير لتقييمها واختيار أجدرها بالمتابعة.

أهداف الفصل

يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:

  1. تميّز بين الفكرة والفرصة.
  2. تشرح مصادر الفرص السبعة عند دركر.
  3. تطبّق أساليب توليد الأفكار وتقييمها.

٣-١الفرق بين الفكرة والفرصة

يأتي كثير من الطلاب إلى المقرر وفي أذهانهم «فكرة مشروع»، ويسألون: هل هي فكرة جيدة؟ والسؤال الأدق: هل هي فرصة؟ فالفكرة تصوّر في ذهنك عن منتج أو خدمة، وقد تكون جميلة ومبتكرة، لكنها لا تصبح فرصة إلا إذا توفرت لها شروط في الواقع. ويمكن تلخيص هذه الشروط في أربعة:

الشرطالسؤال الذي يختبرهمثال على غيابه
الحاجة الحقيقيةهل يعاني الناس فعلًا من المشكلة التي تحلها؟تطبيق لتنظيم مواعيد شرب الماء، والناس لا يرون في ذلك مشكلة تستحق تطبيقًا.
الاستعداد للدفعهل يوجد عدد كافٍ من الناس سيدفعون مالًا أو وقتًا مقابل الحل؟خدمة يحبها المستخدمون ويستخدمونها، لكنهم لا يدفعون مقابلها شيئًا.
التوقيت المناسبهل السوق والتقنية والمجتمع جاهزون الآن؟خدمة دفع إلكتروني قبل أن ينتشر استخدام الهواتف الذكية.
القدرة على التنفيذهل تستطيع أنت وفريقك تنفيذها بالموارد المتاحة؟فكرة تحتاج مصنعًا ورخصًا معقدة لا يستطيع الفريق توفيرها في بدايته.

ومعنى ذلك أن الفكرة الجيدة قد لا تكون فرصة الآن، والفكرة البسيطة جدًا قد تكون فرصة ممتازة. فخدمة تذكير آلي بمواعيد صيانة السيارة وتجديد وثائقها ليست فكرة عبقرية، لكنها قد تكون فرصة حقيقية: حاجة واضحة يعيشها كثيرون، واستعداد للدفع عند من يملك أكثر من سيارة، وتوقيت مناسب، وتنفيذ ممكن.

٣-٢من أين تأتي الفرص؟ المصادر السبعة عند دركر

رأى بيتر دركر أن الفرص لا تأتي من الإلهام المفاجئ غالبًا، بل من التغيير. وكل تغيير في المجتمع أو السوق أو المعرفة يفتح فجوة يمكن أن يملأها مشروع. وحدد سبعة مصادر للتغيير، رتّبها من الأسهل والأقل مخاطرة إلى الأصعب:

١. غير المتوقع

نجاح لم تخطط له، أو فشل لم تتوقعه، أو حدث خارجي مفاجئ. هذه المفاجآت أسهل مصادر الفرص، لكن كثيرين يتجاهلونها لأنها لا تتفق مع خططهم. مثال: متجر إلكتروني لمستلزمات الرحلات البرية لاحظ أن «الباقة الجاهزة لرحلة نهاية الأسبوع» التي وضعها تجربةً بيعت أكثر من المنتجات المنفردة، فهذه إشارة إلى أن العملاء يشترون «رحلة بلا عناء» لا معدات فقط.

٢. التناقض

فجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، أو بين ما يتوقعه الناس وما يحصلون عليه. مثال: خدمة يحتاجها الناس كثيرًا ويدفعون فيها مالًا، ومع ذلك تجربتها سيئة، كمواعيد الصيانة المنزلية التي لا يلتزم بها أحد. هذا التناقض فرصة لمن يقدّم الخدمة نفسها بالتزام ووضوح.

٣. حاجة في العملية

حلقة ضعيفة داخل إجراء أو سلسلة عمل، تعطّل ما قبلها وما بعدها. مثال: إجراء كله أصبح رقميًا إلا خطوة واحدة تتطلب ورقة مختومة؛ أو مطعم سريع في كل شيء إلا في الدفع عند الذروة. من يحل هذه الحلقة يقدّم قيمة كبيرة.

٤. تغيّر بنية الصناعة أو السوق

حين تتغير طريقة عمل قطاع كامل، تنشأ فرص للداخلين الجدد، لأن الشركات القديمة تكون بطيئة في التكيف. مثال: تحوّل التسوق إلى الإنترنت أوجد حاجة إلى خدمات التغليف، والتصوير الاحترافي للمنتجات، وإدارة المتاجر الإلكترونية للمحلات التقليدية.

٥. التغيرات السكانية (الديموغرافية)

تغيرات في عدد السكان وأعمارهم وتعليمهم وأماكن سكنهم وعملهم. وهي من أوضح مصادر الفرص لأنها قابلة للقياس والتوقع. مثال: المجتمع الذي تغلب عليه فئة الشباب يحتاج إلى خدمات ترفيه وتعليم ولياقة، والمجتمع الذي يزداد فيه عدد كبار السن يحتاج إلى رعاية منزلية ونقل ميسّر. وزيادة عمل المرأة أوجدت طلبًا على حضانات الأطفال والوجبات الجاهزة الصحية.

٦. تغيّر الإدراك والقيم

حين يتغير ما يهتم به الناس وما يقدّرونه، حتى لو لم تتغير الحقائق نفسها. مثال: الاهتمام المتزايد بالصحة والغذاء الطبيعي أوجد سوقًا للمنتجات العضوية والأندية الرياضية المتخصصة. والاهتمام بالبيئة أوجد سوقًا لإعادة التدوير والمنتجات المستدامة.

٧. المعرفة الجديدة

اكتشافات علمية وتقنيات جديدة. وهي أكثر المصادر إثارة، لكنها أصعبها وأكثرها مخاطرة، لأن تحويل المعرفة الجديدة إلى منتج يستغرق وقتًا طويلًا، ويحتاج إلى تقنيات ومعارف أخرى مكمّلة. مثال: أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم تفتح فرصًا في التعليم وخدمة العملاء والترجمة والتحليل، لكن نجاح المشروع فيها يتطلب أكثر من مجرد استخدام التقنية.

تطبيق: حين تبحث عن فرصة، لا تبدأ بسؤال «ما المشروع الذي أريده؟»، بل اسأل: «ما الذي تغيّر حولي في السنوات الأخيرة؟ ومن الذي تأثر بهذا التغيير ولم يُخدم جيدًا بعد؟».

٣-٣من أين تبدأ أنت كطالب؟

إلى جانب مصادر دركر، هناك مداخل عملية يستطيع الطالب أن يبدأ منها اليوم:

٣-٤أساليب توليد الأفكار

توليد الأفكار مهارة لها أدوات، وليس انتظارًا للإلهام. والقاعدة الأولى في كل هذه الأدوات: افصل بين التوليد والتقييم. حين تولّد الأفكار لا تحكم عليها، لأن النقد المبكر يقتل الأفكار قبل أن تنضج، ويجعل الناس يتوقفون عن المشاركة. التقييم يأتي في مرحلة لاحقة.

١. العصف الذهني (Brainstorming)

طوّره أليكس أوزبورن (Alex Osborn) في منتصف القرن العشرين، ويقوم على أربع قواعد: لا نقد أثناء الجلسة، والكم قبل الكيف، والترحيب بالأفكار الغريبة، والبناء على أفكار الآخرين. والطريقة العملية: حدد سؤالًا واضحًا، وأعطِ الفريق وقتًا محددًا (عشر دقائق مثلًا)، واكتب كل فكرة على ورقة لاصقة منفصلة، ثم جمّعها بعد انتهاء الوقت.

٢. العصف العكسي (Reverse Brainstorming)

بدل أن تسأل «كيف نحل المشكلة؟» تسأل «كيف نجعلها أسوأ؟». هذا السؤال يحرر الناس من الخوف من الخطأ، ويُخرج أفكارًا كثيرة بسرعة. ثم تعكس كل فكرة سيئة لتصل إلى حل. مثال: «كيف نجعل انتظار المراجعين في العيادة أسوأ؟» ← «لا نخبرهم بموعد دورهم». العكس: «نرسل لهم رسالة بموعد دورهم التقريبي ليتحركوا بحرية».

٣. الخرائط الذهنية (Mind Mapping)

اكتب الموضوع في وسط الورقة (مثلًا: «رحلة المريض في المستشفى»)، ثم تفرّع منه إلى الجوانب الرئيسة (الحجز، الوصول والمواقف، الانتظار، الكشف، الصيدلية، المتابعة)، ثم تفرّع من كل جانب إلى تفاصيله ومشكلاته. تساعدك الخريطة على رؤية الروابط بين الأفكار، واكتشاف مشكلات لم تفكر فيها.

٤. أسلوب SCAMPER

قائمة من سبعة أسئلة طوّرها بوب إيبرل (Bob Eberle) انطلاقًا من أعمال أوزبورن، تطبقها على منتج أو خدمة موجودة لتولّد منها أفكارًا جديدة. وكل حرف يمثل سؤالًا:

الحرفالسؤالمثال على «محل صيانة جوالات»
S: استبدلماذا لو استبدلنا جزءًا من الخدمة أو مادتها أو من يقدمها؟بدل أن يأتي العميل للمحل، نستلم الجهاز من بيته أو مكتبه ونعيده.
C: ادمجماذا لو دمجناها مع خدمة أخرى؟صيانة + نقل البيانات + حماية الشاشة في باقة واحدة.
A: كيّفما الفكرة الناجحة في مجال آخر التي يمكن تكييفها هنا؟نظام «التتبع» في شركات الشحن: يعرف العميل أين وصل إصلاح جهازه.
M: عدّلماذا لو كبّرنا أو صغّرنا أو غيّرنا الشكل أو التوقيت؟جهاز بديل مؤقت يستخدمه العميل حتى ينتهي الإصلاح.
P: استخدام آخرهل يمكن أن تخدم عميلًا آخر أو غرضًا آخر؟صيانة أجهزة الموظفين للشركات الصغيرة بعقد شهري.
E: احذفما الذي يمكن حذفه لتصبح أبسط أو أرخص؟حذف الانتظار في المحل: موعد محدد للاستلام.
R: اعكسماذا لو عكسنا الترتيب أو الأدوار؟بدل أن نبيع الصيانة بعد العطل، نبيع اشتراك حماية قبل العطل.

٥. لماذا خمس مرات (Five Whys)

أسلوب طوّرته شركة تويوتا لتحليل أسباب المشكلات، ويقوم على سؤال «لماذا؟» مرات متتالية حتى تصل إلى السبب الجذري بدل العَرَض الظاهر. مثال:

هنا تتغير الفرصة: المشكلة ليست «المرضى غير ملتزمين»، بل «غياب التذكير التلقائي»، والحل قد يكون بسيطًا جدًا ويمكن تقديمه لعيادات كثيرة.

٦. سؤال «كيف يمكننا…؟» (How Might We)

صياغة تُستخدم في التفكير التصميمي، تحوّل المشكلة إلى سؤال مفتوح يدعو إلى الحلول. بدل «كبار السن لا يستطيعون استخدام التطبيقات الحكومية»، تقول: «كيف يمكننا أن نجعل كبار السن ينجزون معاملاتهم الإلكترونية بأنفسهم وبثقة؟». كلمة «كيف» تفترض أن الحل ممكن، و«يمكننا» تفتح باب الاحتمالات، و«نحن» تجعلها مسؤولية الفريق.

٣-٥تقييم الأفكار واختيار أفضلها

بعد أن تولّد عشرات الأفكار، تحتاج إلى طريقة منهجية لاختيار ما يستحق المتابعة. وأبسط طريقة أن تضع الأفكار في جدول، وتعطي كل فكرة درجة من ١ إلى ٥ على مجموعة معايير:

المعيارالسؤالما الذي يرفع الدرجة؟
القيمةهل تحل مشكلة مؤلمة أو متكررة؟مشكلة يعيشها الناس كثيرًا ويبحثون عن حل لها
الطلبهل يوجد عدد كافٍ من العملاء؟ وهل سيدفعون؟عملاء كثيرون يدفعون الآن لحلول أسوأ
الجدوىهل نستطيع تنفيذها بمواردنا ومهاراتنا؟يمكن البدء بنسخة بسيطة خلال أسابيع
التميّزما الذي يجعلها أفضل من البدائل؟ميزة واضحة يلاحظها العميل فورًا
رضا كل الأطرافهل يربح الجميع: العميل، والريادي، ومقدم الخدمة، والشريك؟العميل يدفع مبلغًا يراه مستحقًا، والمبلغ يكفي ليكسب كل طرف ما يستحقه (انظر الفصل السادس)
النموهل يمكن أن تكبر؟يمكن نقلها إلى أماكن أو فئات أخرى
الملاءمة للفريقهل نحن متحمسون لها ومؤهلون لتنفيذها؟تتصل بتخصصنا واهتمامنا

ويمكن إعطاء بعض المعايير وزنًا أكبر؛ فمعيار «القيمة» أهمها، لأن الفكرة التي لا تحل مشكلة حقيقية لن ينقذها أي معيار آخر. ويليه معيار «رضا كل الأطراف»، لأن كثيرًا من الأفكار التي يحبها العملاء تسقط لأنها مرهقة أو خاسرة لمن يقدّمها، كما سنرى بالأرقام في الفصل السادس. وتذكّر أن هذا التقييم أولي ومبني على تقديرات الفريق، والحكم الحقيقي يأتي من العملاء في الفصول القادمة.

خلاصة الفصل

مصطلحات الفصل

الفرصة
فكرة لها حاجة حقيقية وعملاء وتوقيت مناسب وقدرة على التنفيذ.
العصف الذهني
توليد أكبر عدد من الأفكار دون نقد فوري.
SCAMPER
قائمة أسئلة لتطوير الأفكار: استبدل، ادمج، كيّف، عدّل، استخدام آخر، احذف، اعكس.
كيف يمكننا…؟
صياغة المشكلة سؤالًا مفتوحًا يدعو للحلول.

أسئلة للتقويم الذاتي

  1. ما الذي يحوّل الفكرة إلى فرصة؟(أ) أن تكون جديدة تمامًا(ب) وجود حاجة حقيقية وعملاء مستعدين للدفع وقدرة على التنفيذ(ج) أن يعجب بها الأصدقاء
  2. ازدياد اهتمام الناس بالصحة واللياقة يمثل أيّ مصادر الفرص عند دركر؟(أ) تغير الإدراك والقيم(ب) حاجة في العملية(ج) المعرفة الجديدة
  3. القاعدة الأهم في العصف الذهني:(أ) اختيار أفضل فكرة فورًا(ب) الكم قبل الكيف وتأجيل النقد(ج) أن يتكلم القائد فقط

الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.

للنقاش والتأمل

اختر مصدرًا من مصادر دركر السبعة، وابحث عن مثال له في مدينتك هذا العام.

مراجع الفصل

  1. Drucker, P. F. (1985). Innovation and Entrepreneurship. Harper & Row.
  2. Osborn, A. F. (1953). Applied Imagination. Scribner.
  3. Eberle, B. (1971). SCAMPER: Games for Imagination Development. D.O.K. Publishers.