تبدأ كل المشاريع بفكرة، لكن ليست كل فكرة صالحة لأن تصبح مشروعًا. نميّز في هذا الفصل بين الفكرة والفرصة، ونعرض المصادر التي تنشأ منها الفرص كما صنّفها دركر، ثم نقدّم أساليب عملية لتوليد الأفكار، ومعايير لتقييمها واختيار أجدرها بالمتابعة.
يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:
يأتي كثير من الطلاب إلى المقرر وفي أذهانهم «فكرة مشروع»، ويسألون: هل هي فكرة جيدة؟ والسؤال الأدق: هل هي فرصة؟ فالفكرة تصوّر في ذهنك عن منتج أو خدمة، وقد تكون جميلة ومبتكرة، لكنها لا تصبح فرصة إلا إذا توفرت لها شروط في الواقع. ويمكن تلخيص هذه الشروط في أربعة:
| الشرط | السؤال الذي يختبره | مثال على غيابه |
|---|---|---|
| الحاجة الحقيقية | هل يعاني الناس فعلًا من المشكلة التي تحلها؟ | تطبيق لتنظيم مواعيد شرب الماء، والناس لا يرون في ذلك مشكلة تستحق تطبيقًا. |
| الاستعداد للدفع | هل يوجد عدد كافٍ من الناس سيدفعون مالًا أو وقتًا مقابل الحل؟ | خدمة يحبها المستخدمون ويستخدمونها، لكنهم لا يدفعون مقابلها شيئًا. |
| التوقيت المناسب | هل السوق والتقنية والمجتمع جاهزون الآن؟ | خدمة دفع إلكتروني قبل أن ينتشر استخدام الهواتف الذكية. |
| القدرة على التنفيذ | هل تستطيع أنت وفريقك تنفيذها بالموارد المتاحة؟ | فكرة تحتاج مصنعًا ورخصًا معقدة لا يستطيع الفريق توفيرها في بدايته. |
ومعنى ذلك أن الفكرة الجيدة قد لا تكون فرصة الآن، والفكرة البسيطة جدًا قد تكون فرصة ممتازة. فخدمة تذكير آلي بمواعيد صيانة السيارة وتجديد وثائقها ليست فكرة عبقرية، لكنها قد تكون فرصة حقيقية: حاجة واضحة يعيشها كثيرون، واستعداد للدفع عند من يملك أكثر من سيارة، وتوقيت مناسب، وتنفيذ ممكن.
رأى بيتر دركر أن الفرص لا تأتي من الإلهام المفاجئ غالبًا، بل من التغيير. وكل تغيير في المجتمع أو السوق أو المعرفة يفتح فجوة يمكن أن يملأها مشروع. وحدد سبعة مصادر للتغيير، رتّبها من الأسهل والأقل مخاطرة إلى الأصعب:
نجاح لم تخطط له، أو فشل لم تتوقعه، أو حدث خارجي مفاجئ. هذه المفاجآت أسهل مصادر الفرص، لكن كثيرين يتجاهلونها لأنها لا تتفق مع خططهم. مثال: متجر إلكتروني لمستلزمات الرحلات البرية لاحظ أن «الباقة الجاهزة لرحلة نهاية الأسبوع» التي وضعها تجربةً بيعت أكثر من المنتجات المنفردة، فهذه إشارة إلى أن العملاء يشترون «رحلة بلا عناء» لا معدات فقط.
فجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، أو بين ما يتوقعه الناس وما يحصلون عليه. مثال: خدمة يحتاجها الناس كثيرًا ويدفعون فيها مالًا، ومع ذلك تجربتها سيئة، كمواعيد الصيانة المنزلية التي لا يلتزم بها أحد. هذا التناقض فرصة لمن يقدّم الخدمة نفسها بالتزام ووضوح.
حلقة ضعيفة داخل إجراء أو سلسلة عمل، تعطّل ما قبلها وما بعدها. مثال: إجراء كله أصبح رقميًا إلا خطوة واحدة تتطلب ورقة مختومة؛ أو مطعم سريع في كل شيء إلا في الدفع عند الذروة. من يحل هذه الحلقة يقدّم قيمة كبيرة.
حين تتغير طريقة عمل قطاع كامل، تنشأ فرص للداخلين الجدد، لأن الشركات القديمة تكون بطيئة في التكيف. مثال: تحوّل التسوق إلى الإنترنت أوجد حاجة إلى خدمات التغليف، والتصوير الاحترافي للمنتجات، وإدارة المتاجر الإلكترونية للمحلات التقليدية.
تغيرات في عدد السكان وأعمارهم وتعليمهم وأماكن سكنهم وعملهم. وهي من أوضح مصادر الفرص لأنها قابلة للقياس والتوقع. مثال: المجتمع الذي تغلب عليه فئة الشباب يحتاج إلى خدمات ترفيه وتعليم ولياقة، والمجتمع الذي يزداد فيه عدد كبار السن يحتاج إلى رعاية منزلية ونقل ميسّر. وزيادة عمل المرأة أوجدت طلبًا على حضانات الأطفال والوجبات الجاهزة الصحية.
حين يتغير ما يهتم به الناس وما يقدّرونه، حتى لو لم تتغير الحقائق نفسها. مثال: الاهتمام المتزايد بالصحة والغذاء الطبيعي أوجد سوقًا للمنتجات العضوية والأندية الرياضية المتخصصة. والاهتمام بالبيئة أوجد سوقًا لإعادة التدوير والمنتجات المستدامة.
اكتشافات علمية وتقنيات جديدة. وهي أكثر المصادر إثارة، لكنها أصعبها وأكثرها مخاطرة، لأن تحويل المعرفة الجديدة إلى منتج يستغرق وقتًا طويلًا، ويحتاج إلى تقنيات ومعارف أخرى مكمّلة. مثال: أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم تفتح فرصًا في التعليم وخدمة العملاء والترجمة والتحليل، لكن نجاح المشروع فيها يتطلب أكثر من مجرد استخدام التقنية.
إلى جانب مصادر دركر، هناك مداخل عملية يستطيع الطالب أن يبدأ منها اليوم:
توليد الأفكار مهارة لها أدوات، وليس انتظارًا للإلهام. والقاعدة الأولى في كل هذه الأدوات: افصل بين التوليد والتقييم. حين تولّد الأفكار لا تحكم عليها، لأن النقد المبكر يقتل الأفكار قبل أن تنضج، ويجعل الناس يتوقفون عن المشاركة. التقييم يأتي في مرحلة لاحقة.
طوّره أليكس أوزبورن (Alex Osborn) في منتصف القرن العشرين، ويقوم على أربع قواعد: لا نقد أثناء الجلسة، والكم قبل الكيف، والترحيب بالأفكار الغريبة، والبناء على أفكار الآخرين. والطريقة العملية: حدد سؤالًا واضحًا، وأعطِ الفريق وقتًا محددًا (عشر دقائق مثلًا)، واكتب كل فكرة على ورقة لاصقة منفصلة، ثم جمّعها بعد انتهاء الوقت.
بدل أن تسأل «كيف نحل المشكلة؟» تسأل «كيف نجعلها أسوأ؟». هذا السؤال يحرر الناس من الخوف من الخطأ، ويُخرج أفكارًا كثيرة بسرعة. ثم تعكس كل فكرة سيئة لتصل إلى حل. مثال: «كيف نجعل انتظار المراجعين في العيادة أسوأ؟» ← «لا نخبرهم بموعد دورهم». العكس: «نرسل لهم رسالة بموعد دورهم التقريبي ليتحركوا بحرية».
اكتب الموضوع في وسط الورقة (مثلًا: «رحلة المريض في المستشفى»)، ثم تفرّع منه إلى الجوانب الرئيسة (الحجز، الوصول والمواقف، الانتظار، الكشف، الصيدلية، المتابعة)، ثم تفرّع من كل جانب إلى تفاصيله ومشكلاته. تساعدك الخريطة على رؤية الروابط بين الأفكار، واكتشاف مشكلات لم تفكر فيها.
قائمة من سبعة أسئلة طوّرها بوب إيبرل (Bob Eberle) انطلاقًا من أعمال أوزبورن، تطبقها على منتج أو خدمة موجودة لتولّد منها أفكارًا جديدة. وكل حرف يمثل سؤالًا:
| الحرف | السؤال | مثال على «محل صيانة جوالات» |
|---|---|---|
| S: استبدل | ماذا لو استبدلنا جزءًا من الخدمة أو مادتها أو من يقدمها؟ | بدل أن يأتي العميل للمحل، نستلم الجهاز من بيته أو مكتبه ونعيده. |
| C: ادمج | ماذا لو دمجناها مع خدمة أخرى؟ | صيانة + نقل البيانات + حماية الشاشة في باقة واحدة. |
| A: كيّف | ما الفكرة الناجحة في مجال آخر التي يمكن تكييفها هنا؟ | نظام «التتبع» في شركات الشحن: يعرف العميل أين وصل إصلاح جهازه. |
| M: عدّل | ماذا لو كبّرنا أو صغّرنا أو غيّرنا الشكل أو التوقيت؟ | جهاز بديل مؤقت يستخدمه العميل حتى ينتهي الإصلاح. |
| P: استخدام آخر | هل يمكن أن تخدم عميلًا آخر أو غرضًا آخر؟ | صيانة أجهزة الموظفين للشركات الصغيرة بعقد شهري. |
| E: احذف | ما الذي يمكن حذفه لتصبح أبسط أو أرخص؟ | حذف الانتظار في المحل: موعد محدد للاستلام. |
| R: اعكس | ماذا لو عكسنا الترتيب أو الأدوار؟ | بدل أن نبيع الصيانة بعد العطل، نبيع اشتراك حماية قبل العطل. |
أسلوب طوّرته شركة تويوتا لتحليل أسباب المشكلات، ويقوم على سؤال «لماذا؟» مرات متتالية حتى تصل إلى السبب الجذري بدل العَرَض الظاهر. مثال:
هنا تتغير الفرصة: المشكلة ليست «المرضى غير ملتزمين»، بل «غياب التذكير التلقائي»، والحل قد يكون بسيطًا جدًا ويمكن تقديمه لعيادات كثيرة.
صياغة تُستخدم في التفكير التصميمي، تحوّل المشكلة إلى سؤال مفتوح يدعو إلى الحلول. بدل «كبار السن لا يستطيعون استخدام التطبيقات الحكومية»، تقول: «كيف يمكننا أن نجعل كبار السن ينجزون معاملاتهم الإلكترونية بأنفسهم وبثقة؟». كلمة «كيف» تفترض أن الحل ممكن، و«يمكننا» تفتح باب الاحتمالات، و«نحن» تجعلها مسؤولية الفريق.
بعد أن تولّد عشرات الأفكار، تحتاج إلى طريقة منهجية لاختيار ما يستحق المتابعة. وأبسط طريقة أن تضع الأفكار في جدول، وتعطي كل فكرة درجة من ١ إلى ٥ على مجموعة معايير:
| المعيار | السؤال | ما الذي يرفع الدرجة؟ |
|---|---|---|
| القيمة | هل تحل مشكلة مؤلمة أو متكررة؟ | مشكلة يعيشها الناس كثيرًا ويبحثون عن حل لها |
| الطلب | هل يوجد عدد كافٍ من العملاء؟ وهل سيدفعون؟ | عملاء كثيرون يدفعون الآن لحلول أسوأ |
| الجدوى | هل نستطيع تنفيذها بمواردنا ومهاراتنا؟ | يمكن البدء بنسخة بسيطة خلال أسابيع |
| التميّز | ما الذي يجعلها أفضل من البدائل؟ | ميزة واضحة يلاحظها العميل فورًا |
| رضا كل الأطراف | هل يربح الجميع: العميل، والريادي، ومقدم الخدمة، والشريك؟ | العميل يدفع مبلغًا يراه مستحقًا، والمبلغ يكفي ليكسب كل طرف ما يستحقه (انظر الفصل السادس) |
| النمو | هل يمكن أن تكبر؟ | يمكن نقلها إلى أماكن أو فئات أخرى |
| الملاءمة للفريق | هل نحن متحمسون لها ومؤهلون لتنفيذها؟ | تتصل بتخصصنا واهتمامنا |
ويمكن إعطاء بعض المعايير وزنًا أكبر؛ فمعيار «القيمة» أهمها، لأن الفكرة التي لا تحل مشكلة حقيقية لن ينقذها أي معيار آخر. ويليه معيار «رضا كل الأطراف»، لأن كثيرًا من الأفكار التي يحبها العملاء تسقط لأنها مرهقة أو خاسرة لمن يقدّمها، كما سنرى بالأرقام في الفصل السادس. وتذكّر أن هذا التقييم أولي ومبني على تقديرات الفريق، والحكم الحقيقي يأتي من العملاء في الفصول القادمة.
الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.
اختر مصدرًا من مصادر دركر السبعة، وابحث عن مثال له في مدينتك هذا العام.