د. عمر عبدالله الصمعاني/المكتبة المفتوحة/ريادة الأعمال ١٠١ Englishتحميل الكتاب PDF
الفصل الثاني

العقلية الريادية

لماذا ينجح شخص في تحويل فكرة بسيطة إلى مشروع، بينما يملك آخر فكرة أفضل ولا يبدأ؟ جزء كبير من الإجابة في طريقة التفكير. نتناول في هذا الفصل السلوكيات التي تميّز الرياديين، ونعرض نظرية «التفكير الفعّال» التي تشرح كيف يتخذ رواد الأعمال الخبراء قراراتهم في ظروف عدم اليقين، ثم نصحح عددًا من الخرافات الشائعة.

أهداف الفصل

يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:

  1. تصف السمات والسلوكيات الريادية الأساسية.
  2. تشرح مبادئ التفكير الفعّال (Effectuation) الخمسة.
  3. تميّز بين الخرافات والحقائق الشائعة عن الريادة.

٢-١هل الريادي يولد أم يُصنع؟

ظل هذا السؤال يشغل الباحثين عقودًا. في البدايات حاولت دراسات كثيرة أن تجد «شخصية ريادية» ثابتة تميز رواد الأعمال عن غيرهم، كحب المخاطرة أو الحاجة العالية إلى الإنجاز. لكن النتائج جاءت متضاربة؛ فقد وُجد رواد أعمال ناجحون حذرون جدًا، ووُجد أشخاص محبون للمخاطرة لم ينجحوا في أي مشروع.

ولذلك اتجهت الأبحاث الحديثة إلى النظر في ما يفعله الرياديون لا في من هم. والنتيجة التي يتفق عليها أغلب الباحثين اليوم أن الريادة مجموعة سلوكيات ومهارات وطرق تفكير تنمو بالتعلم والممارسة، مثلها مثل مهارة الكتابة أو القيادة. قد يملك بعض الناس ميلًا أكبر إليها، لكن الجميع يستطيع تطويرها. وهذا هو المبرر العلمي لتدريس هذا المقرر لكل الطلاب.

٢-٢السلوكيات الريادية

نعرض هنا أهم السلوكيات التي تتكرر عند الرياديين، مع شرح معناها العملي، لأن الكلمات وحدها كالمبادرة والمرونة قد تبدو عامة إن لم نوضح كيف تظهر في الواقع.

١. المبادرة

المبادرة أن تتحرك قبل أن يُطلب منك، وأن تتحمل مسؤولية تحويل الملاحظة إلى فعل. كثير من الناس يلاحظون المشكلات ويشتكون منها، لكن قليلًا منهم يسأل: «ماذا أستطيع أن أفعل؟». الموظف الذي يلاحظ أن المراجعين يسألون السؤال نفسه كل يوم، فيعدّ دليلًا مبسطًا ويعلّقه عند المدخل، مارس سلوكًا رياديًا، حتى لو لم يحوّله إلى مشروع.

٢. المخاطرة المحسوبة

الصورة الشائعة أن الريادي «مغامر» يقفز إلى المجهول. والحقيقة أن الرياديين الناجحين يحاولون تقليل المخاطرة لا البحث عنها. المخاطرة المحسوبة تعني ثلاثة أمور: أن تعرف ما الذي يمكن أن يسوء، وأن تحدد ما تستطيع تحمّل خسارته، وأن تختبر الفكرة بخطوات صغيرة قبل الالتزام الكبير. الفرق بين المقامر والريادي أن المقامر يضع كل ما يملك على احتمال واحد، والريادي يجرّب بجزء صغير ويتعلم.

٣. تحمّل الغموض

في بداية أي مشروع لا تعرف كثيرًا من الإجابات: هل سيشتري الناس؟ بأي سعر؟ من المنافس الحقيقي؟ بعض الناس يشعرون بالقلق الشديد في هذه الحالة فيؤجلون القرار حتى تتضح الصورة، وهي لا تتضح إلا بالعمل. تحمّل الغموض يعني أن تتخذ خطوة معقولة بالمعلومات المتاحة، ثم تعدّل مع ظهور معلومات جديدة.

٤. المثابرة والمرونة النفسية

رحلة أي مشروع مليئة بالرفض: عميل لا يرد، ومستثمر يعتذر، وتجربة لا تنجح. المثابرة هي الاستمرار رغم ذلك، والمرونة النفسية هي القدرة على النهوض بعد الإخفاق دون أن يتحول إلى حكم على الذات. والتوازن مهم هنا: المثابرة لا تعني الإصرار على فكرة أثبتت الأدلة أنها لا تعمل، بل الإصرار على الهدف مع المرونة في الطريق.

٥. الإبداع وحل المشكلات

الريادي ينظر إلى المشكلة على أنها فرصة محتملة، ويبحث عن حلول غير تقليدية. ولا يشترط ذلك أفكارًا عبقرية؛ يكفي أحيانًا أن تجمع بين شيئين موجودين بطريقة جديدة، أو أن تنقل حلًا من مجال إلى آخر.

٦. التوجه نحو العميل

الريادي الناجح مشغول بالعميل أكثر من انشغاله بفكرته. يستمع أكثر مما يتكلم، ويسأل لماذا يتصرف الناس كما يتصرفون، ويغيّر رأيه حين يرى دليلًا جديدًا. والخطأ الشائع أن يقع الطالب في حب فكرته فلا يسمع إلا ما يؤكدها.

٧. التعلم المستمر

لا أحد يبدأ مشروعًا وهو يعرف كل شيء عن التسويق والمال والتقنية والقانون. الريادي يكتشف ما ينقصه ويتعلمه بسرعة، من دورة أو كتاب أو شخص خبير، أو من التجربة نفسها.

٨. بناء العلاقات

العلاقات من أهم موارد المشروع: الشريك الذي يكمّل مهاراتك، والمرشد الذي ينصحك، والعميل الأول الذي يثق بك، والمورد الذي يمنحك تسهيلات. وكثير من الفرص تأتي عبر شخص تعرفه، لا عبر إعلان.

٢-٣كيف يفكر رواد الأعمال الخبراء؟ نظرية التفكير الفعّال

من أهم الإسهامات العلمية في فهم العقلية الريادية ما قدّمته الباحثة سارا ساراسفاثي (Saras Sarasvathy)، أستاذة ريادة الأعمال في جامعة فرجينيا. درست ساراسفاثي كيف يتخذ رواد أعمال خبراء أسسوا شركات ناجحة قراراتهم، بأن أعطتهم مشكلة افتراضية لإنشاء مشروع وطلبت منهم التفكير بصوت مسموع، ثم قارنت طريقتهم بطريقة المديرين في الشركات الكبرى.

وجدت أن هناك منطقين مختلفين في التفكير:

المنطق السببي (Causation)المنطق الفعّال (Effectuation)
يبدأ بهدف محدد، ثم يبحث عن الوسائل لتحقيقهيبدأ بالوسائل المتاحة، ثم يرى ما الأهداف الممكنة بها
يعتمد على التنبؤ بالمستقبل ودراسة السوقيرى أن المستقبل غير قابل للتنبؤ، فيصنعه بأفعاله
يركّز على العائد المتوقعيركّز على الخسارة التي يمكن تحمّلها
يرى المفاجآت انحرافًا عن الخطةيرى المفاجآت فرصًا محتملة
مثال: «أريد أن أفتح مطعمًا إيطاليًا، فلنبحث عن موقع وتمويل وطاهٍ»مثال: «أنا أجيد الطبخ، وأعرف أصحاب مكاتب يطلبون غداء يوميًا، فلنبدأ بتوصيل وجبات لهم ونرى إلى أين يأخذنا ذلك»

ولا يعني هذا أن المنطق السببي خاطئ؛ فهو مناسب حين يكون السوق معروفًا والمستقبل قابلًا للتوقع. لكن في بداية المشاريع الجديدة، حيث عدم اليقين عالٍ، يميل الخبراء إلى المنطق الفعّال. ولخّصت ساراسفاثي هذا المنطق في خمسة مبادئ، نشرحها واحدًا واحدًا:

المبدأ الأول: عصفور في اليد (Bird in Hand)

ابدأ بما لديك الآن، لا بما تتمنى أن يكون لديك. وتساعدك ثلاثة أسئلة على حصر مواردك: من أنا؟ (اهتماماتي، قيمي، شخصيتي)، وماذا أعرف؟ (تخصصي، خبراتي، مهاراتي)، ومن أعرف؟ (أسرتي، أصدقائي، أساتذتي، معارفي). كثير من الطلاب يقولون «ليس لدي شيء لأبدأ به»، لكن حين يجيبون عن هذه الأسئلة يكتشفون موارد لم ينتبهوا لها. طالبة في التغذية العلاجية تعرف طهاة منزليين في عائلتها، يمكنها أن تبدأ بخدمة وجبات صحية مخصصة لمرضى السكري في حيها.

المبدأ الثاني: الخسارة المقبولة (Affordable Loss)

بدل أن تسأل «كم سأربح؟» وهو سؤال لا يمكن الإجابة عنه بدقة في البداية، اسأل: «ما الذي أستطيع أن أخسره في هذه التجربة دون أن يضرني ذلك؟». قد تكون الإجابة «٥٠٠ ريال وعطلة نهاية أسبوعين». بهذا تتحول المخاطرة من شيء مخيف إلى شيء محدود ومعروف، وتصبح قادرًا على البدء الآن بدل الانتظار.

المبدأ الثالث: اللحاف المرقّع (Crazy Quilt)

اللحاف المرقّع يُخاط من قطع قماش مختلفة يجلبها أشخاص مختلفون. والمعنى أن تبني مشروعك بشراكات مع من يلتزم معك مبكرًا، بدل أن تقضي الوقت في تحليل المنافسين. الشريك هنا قد يكون زميلًا يجيد التصميم، أو محلًّا يوافق على تجربة خدمتك، أو عميلًا يدفع مقدمًا. وكل شريك يدخل يضيف موارد جديدة، وقد يغيّر اتجاه المشروع أيضًا.

المبدأ الرابع: عصير الليمون (Lemonade)

من المثل الإنجليزي: «إذا أعطتك الحياة ليمونًا، فاصنع منه عصيرًا». المفاجآت والعقبات ليست دائمًا شرًّا؛ قد تكون إشارة إلى فرصة أفضل. فريق بدأ ببيع برنامج بسيط لإدارة مواعيد العيادات، فلاحظ أن العيادات تسأل كثيرًا عن إرسال تذكير للمرضى قبل مواعيدهم، فأضاف خدمة التذكير، فصارت هي الخدمة الأكثر طلبًا والأربح.

المبدأ الخامس: الطيار في الطائرة (Pilot in the Plane)

المستقبل ليس شيئًا ننتظره ونتنبأ به فقط، بل شيء نشارك في صنعه بأفعالنا. الطيار لا ينتظر أن تأخذه الطائرة إلى وجهته، بل يقودها ويعدّل مسارها باستمرار. والطالب الذي ينتظر «الوقت المناسب» أو «الفكرة المثالية» قد ينتظر طويلًا؛ أما من يبدأ بخطوة صغيرة فيصنع ظروفه بنفسه.

٢-٤خرافات شائعة عن ريادة الأعمال

تمنع بعض الأفكار الخاطئة كثيرًا من الطلاب من التفكير في الريادة أصلًا. وهذه أشهرها مع تصحيحها:

الخرافةالحقيقة
الريادي يولد ولا يُصنعالمهارات الريادية تُكتسب بالتعلم والتجربة، كما شرحنا في أول الفصل.
تحتاج رأس مال كبيرًا لتبدأكثير من المشاريع بدأت بموارد بسيطة، واختبرت الفكرة قبل طلب أي تمويل. والمال يأتي غالبًا بعد إثبات أن الفكرة تعمل.
الفكرة هي كل شيءالأفكار كثيرة ومتكررة، والذي يصنع الفرق هو التنفيذ والتعلم من العميل والتعديل المستمر. وأقول لطلابي دائمًا: الفكرة نحو ٥٪ من النجاح، والتنفيذ ٩٥٪؛ فالفكرة الجيدة شرط، لكنها ليست كل شيء.
الريادي مغامر يحب الخطرالريادي الناجح يقلل المخاطر بالتجريب الصغير والخسارة المقبولة.
الفشل نهاية الطريقالإخفاق مصدر للتعلم، وكثير من الناجحين جربوا مشاريع لم تنجح قبل مشروعهم الناجح.
الريادة للتقنيين وطلاب إدارة الأعمال فقطالفرص موجودة في الصحة والتعليم والزراعة والسياحة والفنون والخدمات. وغالبًا تأتي أفضل الأفكار من أهل التخصص الذين يعرفون مشكلاته من الداخل.
يجب أن تترك الدراسة أو الوظيفة لتبدأيمكن البدء بمشروع جانبي صغير، وتوسيعه تدريجيًا حين يثبت نجاحه.

٢-٥عقلية النمو

درست عالمة النفس كارول دويك (Carol Dweck) في جامعة ستانفورد كيف يتعامل الناس مع التحدي والإخفاق، وميّزت بين عقليتين:

وتظهر أهمية هذا المفهوم في الريادة بوضوح. حين يرفض عميلٌ فكرتك، يقول صاحب العقلية الثابتة: «فكرتي فاشلة وأنا لا أصلح لهذا»، ويقول صاحب عقلية النمو: «ماذا تخبرني هذه الرفضة عن العميل؟ وماذا أغيّر؟». والخبر الجيد أن العقلية نفسها قابلة للتغيير؛ فمجرد الوعي بالفرق بينهما يساعد على التحول نحو عقلية النمو.

خلاصة الفصل

مصطلحات الفصل

المخاطرة المحسوبة
الإقدام بعد دراسة الاحتمالات وتحديد الخسارة المقبولة.
التفكير الفعّال
منهج يبدأ بالموارد المتاحة بدل الهدف المسبق (ساراسفاثي).
الخسارة المقبولة
الحد الأقصى من المال والوقت الذي تقبل خسارته في التجربة.
عقلية النمو
الإيمان بأن القدرات تنمو بالجهد والتعلم.

أسئلة للتقويم الذاتي

  1. طالب يقول: «سأجرب الفكرة أسبوعين بـ٣٠٠ ريال، وإن لم تنجح تعلمت». هذا مبدأ:(أ) الخسارة المقبولة(ب) الطيار في الطائرة(ج) اللحاف المرقّع
  2. أيّ العبارات صحيحة؟(أ) الريادي الناجح يحب المخاطرة غير المدروسة(ب) المهارات الريادية يمكن تعلّمها(ج) الفكرة الجيدة تكفي للنجاح
  3. فريق لاحظ أن العملاء يطلبون خدمة مختلفة عن خدمته، فحوّل مشروعه إليها. هذا مبدأ:(أ) عصفور في اليد(ب) عصير الليمون(ج) الخسارة المقبولة

الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.

للنقاش والتأمل

اكتب مواردك «في اليد»: ماذا تعرف؟ ماذا تجيد؟ من تعرف؟ وما مشروع صغير يمكن أن يبدأ منها؟

للمشاهدة

مراجع الفصل

  1. Sarasvathy, S. D. (2001). Causation and effectuation. Academy of Management Review, 26(2), 243–263.
  2. Sarasvathy, S. D. (2008). Effectuation: Elements of Entrepreneurial Expertise. Edward Elgar.
  3. Dweck, C. S. (2006). Mindset: The New Psychology of Success. Random House.
  4. Alsamani, O. A. (2023). The development of innovation for the creatively gifted: A phenomenological study of the lived experiences of successful outstanding innovators. International Journal of Educational Sciences, 41(1), 70–81.