د. عمر عبدالله الصمعاني/المكتبة المفتوحة/ريادة الأعمال ١٠١ Englishتحميل الكتاب PDF
الفصل الأول

ريادة الأعمال: المفهوم والأهمية

يكثر الحديث عن ريادة الأعمال في الإعلام وبرامج الدعم، حتى صار المصطلح يُطلق على كل نشاط تجاري. لكن للمفهوم معنى علميًا أدق، تشكّل عبر قرن من البحث في الاقتصاد والإدارة. نبدأ في هذا الفصل بتحديد المفهوم ومدارسه، ثم نميّز المشروع الريادي عن غيره، ونعرض أنواع الريادة ودورها في الاقتصاد، وننتهي بملامح المنظومة الريادية في المملكة.

أهداف الفصل

يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:

  1. تعرّف ريادة الأعمال وتميّزها عن التجارة التقليدية وإدارة المشروع الصغير.
  2. تذكر أنواع ريادة الأعمال وتعطي مثالًا لكل نوع.
  3. تشرح دور الريادة في الاقتصاد السعودي ومنظومة الدعم.

١-١ما ريادة الأعمال؟

كلمة «ريادة» في العربية من «الرائد»، وهو الذي يتقدم القوم ليستكشف لهم موضع الماء والكلأ قبل أن يرحلوا إليه. وفي هذا المعنى القديم ما يقرّبنا من المفهوم الحديث: الرائد يذهب إلى المكان الذي لم يذهب إليه غيره، ويتحمل مشقة الاستكشاف وعدم اليقين، ثم يعود بما ينفع الجماعة. والمصطلح الإنجليزي Entrepreneurship مأخوذ من الفعل الفرنسي entreprendre، أي «أخذ على عاتقه» أو «باشر مهمة».

تعددت تعريفات ريادة الأعمال في الأدبيات العلمية بتعدد زوايا النظر إليها؛ فالاقتصادي ينظر إلى أثرها في السوق، وعالم الإدارة ينظر إلى كيفية تنظيم الموارد، وعالم النفس ينظر إلى الشخص الذي يقوم بها. لكن هذه التعريفات تلتقي عند جوهر واحد يمكن صياغته كالتالي:

ريادة الأعمال هي عملية اكتشاف فرصة لحل مشكلة أو تلبية حاجة، وتحويلها بالابتكار إلى مشروع يضيف قيمة للناس، بتنظيم الموارد اللازمة، مع تحمّل قدر محسوب من المخاطرة وعدم اليقين.

لنفكك هذا التعريف إلى عناصره، لأن كل كلمة فيه تحمل معنى:

الإبداع والابتكار والريادة: سلسلة واحدة. الإبداع أن تولّد فكرة جديدة ومفيدة، والابتكار أن تحوّلها إلى منتج أو خدمة أو طريقة يستخدمها الناس فعلًا، والريادة أن تبني حول هذا الابتكار مشروعًا يعيش: تجمع له الموارد، وتتحمل مخاطرته، وتوصله إلى من يحتاجه ويدفع مقابله. فالفكرة وحدها لا تصنع مشروعًا، والمشروع الذي لا يقدّم جديدًا يبقى تكرارًا لما هو موجود. وسنفصّل العلاقة بين الإبداع والابتكار في الفصل الرابع.

١-٢ثلاث مدارس لفهم الريادة

لا يحتاج الطالب أن يحفظ نظريات كثيرة، لكن معرفة ثلاث مدارس رئيسة تساعده على فهم لماذا نتحدث عن الريادة بهذه الطريقة.

١. مدرسة الابتكار: شومبيتر

يعدّ الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter) من أوائل من وضعوا الريادي في قلب النظرية الاقتصادية، في كتابه «نظرية التنمية الاقتصادية» (١٩٣٤ في ترجمته الإنجليزية). رأى شومبيتر أن الاقتصاد لا يتطور بتراكم رأس المال وحده، بل بأشخاص يُدخلون «تركيبات جديدة» إلى السوق، وحدد خمس صور لها: منتج جديد، أو طريقة إنتاج جديدة، أو فتح سوق جديد، أو مصدر جديد للمواد الخام، أو تنظيم جديد لصناعة ما.

وصاغ شومبيتر مفهومًا شهيرًا هو «التدمير الخلّاق» (Creative Destruction): كل ابتكار ناجح يُزيح ما قبله. فحين انتشرت الهواتف الذكية التي تحمل كاميرا جيدة، تراجعت مبيعات الكاميرات الرقمية الصغيرة، وحين ظهرت خدمات البث، تراجع تأجير الأشرطة والأقراص. هذا التدمير مؤلم للشركات القديمة، لكنه «خلّاق» لأنه ينقل الاقتصاد إلى مستوى أفضل من الخدمة.

٢. مدرسة الممارسة: دركر

أما بيتر دركر (Peter Drucker)، أحد أبرز مفكري الإدارة في القرن العشرين، فقد نقل الريادة من كونها صفة غامضة إلى كونها ممارسة منهجية. يقول في كتابه «الابتكار وريادة الأعمال» (١٩٨٥) إن الريادي هو من «يبحث دائمًا عن التغيير، ويستجيب له، ويستغله فرصةً». وأهم ما أضافه دركر أن الريادة ليست مقصورة على المشاريع الصغيرة الجديدة؛ فالمستشفى والجامعة والجهة الحكومية يمكن أن تكون ريادية إذا أدارت الابتكار بانتظام. وسنعود في الفصل الثالث إلى مصادر الفرص السبعة التي حددها.

٣. مدرسة الفرصة: شين وفينكاتارامان

في عام ٢٠٠٠ نشر الباحثان سكوت شين (Scott Shane) وسانكاران فينكاتارامان (S. Venkataraman) مقالًا مؤثرًا اقترحا فيه أن موضوع علم الريادة هو الفرصة: كيف تُكتشف، وكيف تُقيّم، وكيف تُستغل، ومن الذي يفعل ذلك. وبهذا تحوّل التركيز من سؤال «من هو الريادي؟» إلى سؤال «كيف يلتقي شخص معيّن بفرصة معينة؟». وهذه النظرة مفيدة للطالب؛ لأنها تعني أن الريادة لا تحتاج شخصية استثنائية، بل تحتاج عينًا تلاحظ الفرصة وقدرة على التحرك نحوها.

خلاصة المدارس الثلاث: الريادي يبتكر شيئًا جديدًا (شومبيتر)، ويفعل ذلك بممارسة منهجية تبحث عن التغيير (دركر)، وكل ذلك يدور حول فرصة يكتشفها ويستغلها (شين وفينكاتارامان).

١-٣الريادي والتاجر وصاحب المشروع الصغير

يخلط كثيرون بين ريادة الأعمال وامتلاك أي نشاط تجاري. والحقيقة أن الفرق ليس في حجم المشروع ولا في نوعه، بل في أمرين رئيسين: درجة الابتكار، أي هل يقدّم المشروع قيمة جديدة أو طريقة أفضل؟ وطموح النمو، أي هل يسعى للتوسع أم يكتفي بحجمه؟

وجه المقارنةالنشاط التقليديالمشروع الريادي
نقطة البدايةنموذج معروف ومجرّب في السوقمشكلة أو فرصة لم تُخدم جيدًا
الابتكارمنخفض: يكرر ما هو موجودمتوسط إلى عالٍ: يقدّم شيئًا مختلفًا
المخاطرة وعدم اليقينأقل، لأن السوق والطلب معروفانأعلى، لأن النموذج نفسه يحتاج إثباتًا
النموخطي وتدريجييطمح لنمو سريع وقابل للتوسع
مثالبقالة في الحي تبيع ما تبيعه البقالات الأخرىمنصة تربط بقالات الحي بالسكان وتوصل الطلب خلال ساعة

ولنوضح بمثال من الواقع: شخص فتح مقهى يقدم القهوة نفسها بالطريقة نفسها في شارع فيه عشرة مقاهٍ؛ هذا نشاط تجاري مشروع ومفيد، لكنه ليس ريادة بالمعنى الدقيق. وشخص آخر لاحظ أن موظفي المستشفى المجاور يعملون بنظام المناوبات الليلية ولا يجدون قهوة جيدة بعد منتصف الليل، فأنشأ خدمة توصيل قهوة مخصصة للمناوبات الليلية بطلب مسبق؛ هذا أقرب إلى الريادة، لأنه بدأ من حاجة غير مخدومة وقدّم حلًا مختلفًا.

لا يعني هذا أن المشروع التقليدي أقل قيمة؛ فهو جزء أساسي من الاقتصاد، ويوفّر كثيرًا من فرص العمل. لكن هذا المقرر يركّز على العقلية التي تبحث عن قيمة جديدة، لأنها المهارة التي تنفعك في أي مجال.

١-٤أنواع ريادة الأعمال

حين نسمع كلمة «ريادة» يتبادر إلى الذهن غالبًا تطبيق إلكتروني أو شركة تقنية. لكن الريادة أوسع من ذلك بكثير، ويمكن تصنيفها إلى أنواع بحسب الهدف وطبيعة النمو:

١. ريادة المشاريع الصغيرة

مشروع ينشئه شخص أو عدد قليل من الشركاء ليكون مصدر دخل مستقر، ويخدم مجتمعًا محليًا محدودًا، مثل ورشة صيانة، أو مطبخ منزلي، أو مركز تدريب صغير. لا يسعى صاحبه بالضرورة إلى التوسع الكبير، بل إلى الاستقرار وجودة الخدمة. ويكون رياديًا حين يقدّم شيئًا مختلفًا في سوقه المحلي.

٢. الشركات الناشئة القابلة للتوسع (Startups)

مشروع يبحث عن نموذج عمل يمكن تكراره ونموه بسرعة كبيرة، بحيث يخدم آلاف العملاء أو ملايينهم دون أن تتضاعف تكاليفه بالنسبة نفسها. غالبًا تعتمد على التقنية، وتحتاج إلى استثمار خارجي، وتتحمل مخاطرة عالية مقابل احتمال عائد كبير. ويعرّفها ستيف بلانك بأنها «منظمة مؤقتة تبحث عن نموذج عمل قابل للتكرار والتوسع»؛ أي أنها في مرحلة بحث وتجريب، لا في مرحلة تنفيذ خطة معروفة.

٣. الريادة الاجتماعية

مشروع هدفه الأول حل مشكلة مجتمعية أو بيئية، مثل توظيف ذوي الإعاقة، أو تقليل هدر الطعام، أو تعليم الفئات المحرومة. ويختلف عن العمل الخيري في أنه يسعى إلى الاستدامة المالية: يكسب من نشاطه ما يغطي تكاليفه ويضمن استمراره، بدل الاعتماد الكامل على التبرعات. والربح هنا وسيلة لا غاية.

٤. الريادة المؤسسية (Intrapreneurship)

هي ممارسة الريادة من داخل مؤسسة قائمة، حكومية كانت أو خاصة. الموظف الريادي يلاحظ مشكلة في عمل جهته، فيقترح حلًا جديدًا ويقوده حتى التنفيذ: ممرضة تقترح نظامًا يقلل أخطاء صرف الأدوية، أو معلم يطوّر طريقة لمتابعة الطلاب المتعثرين، أو موظف في جهة حكومية يؤتمت إجراءً ورقيًا. وهذا النوع هو الأقرب لمعظم الطلاب بعد التخرج، لذلك نقول إن هذا المقرر يخص الجميع.

٥. الريادة الأسرية

مشاريع تملكها العائلة وتديرها، وتنتقل بين الأجيال. ومنها كثير من الشركات الكبرى في المملكة والخليج التي بدأت محلًا صغيرًا. والتحدي الريادي فيها هو التجديد: كيف يحافظ الجيل الجديد على ما بناه السابقون، ويطوّره ليناسب السوق المتغير؟

٦. الريادة الرقمية

مشاريع قائمة كليًا أو في معظمها على الإنترنت: المتاجر الإلكترونية، وصناعة المحتوى، والتطبيقات، والخدمات التي تُقدَّم عن بعد. ميزتها أن تكلفة البدء فيها منخفضة نسبيًا، وأنها تصل إلى عملاء خارج حدود المدينة. لكن المنافسة فيها عالية لأن الدخول إليها سهل على الجميع.

١-٥لماذا يهتم الاقتصاد والمجتمع بالريادة؟

تهتم الحكومات والجامعات والمؤسسات بريادة الأعمال لأنها تؤدي أدوارًا لا تؤديها الشركات الكبيرة وحدها:

١-٦الريادة في المملكة

جعلت رؤية المملكة 2030 المنشآت الصغيرة والمتوسطة محورًا رئيسًا للتحول الاقتصادي، ومن مستهدفاتها المعلنة رفع مساهمة هذه المنشآت في الناتج المحلي الإجمالي من نحو ٢٠٪ إلى ٣٥٪. ولتحقيق ذلك تكوّنت خلال السنوات الماضية منظومة ريادية (Entrepreneurial Ecosystem)، وهي شبكة من الجهات التي يكمّل بعضها بعضًا في دعم المشروع من فكرته إلى نموه. من أبرز مكوناتها:

الجهةدورها في المنظومة
الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت)الجهة المنظمة والداعمة للقطاع: برامج تدريب وإرشاد، وحاضنات ومسرعات، ومراكز لخدمة رواد الأعمال، ومبادرات لتسهيل الإجراءات.
بنك التنمية الاجتماعيةتمويل المشاريع الناشئة والعمل الحر، مع برامج تأهيل قبل التمويل.
برنامج كفالةيضمن جزءًا من التمويل الذي تقدمه البنوك للمنشآت الصغيرة، فيقلل مخاطرة البنك ويسهّل حصول المنشأة على القرض.
الشركة السعودية للاستثمار الجريء وصندوق الصناديق (جدا)يستثمران في صناديق الاستثمار الجريء والملكية الخاصة، التي تموّل بدورها الشركات الناشئة.
الحاضنات والمسرعاتبرامج تحتضن المشاريع في مراحلها الأولى، وتقدم الإرشاد والمكان والشبكة، وأحيانًا تمويلًا أوليًا.
مراكز الريادة في الجامعاتنقطة البداية الأقرب للطالب: مسابقات، وورش، وإرشاد، وربط بالمنظومة.

وتعمل هذه الجهات كسلسلة: فالطالب قد يبدأ بفكرة في مسابقة جامعية، ثم يدخل حاضنة تساعده على بناء نموذجه الأولي، ثم يحصل على تمويل أولي من برنامج حكومي أو مستثمر، ثم ينمو فيجذب استثمارًا أكبر.

تفاصيل البرامج وشروطها تتغير باستمرار؛ ارجع دائمًا للمواقع الرسمية للجهات قبل التقديم على أي برنامج.

خلاصة الفصل

مصطلحات الفصل

ريادة الأعمال
اكتشاف فرصة وتحويلها بالابتكار إلى قيمة، بتنظيم الموارد وتحمّل مخاطرة محسوبة.
التدمير الخلّاق
إحلال الابتكار الجديد محل المنتجات والأساليب القديمة (شومبيتر).
الريادة المؤسسية
المبادرة والابتكار من داخل المؤسسة كموظف.
الريادة الاجتماعية
مشروع هدفه الأول حل مشكلة مجتمعية مع استدامة مالية.
المنشآت الصغيرة والمتوسطة
منشآت تُصنّف بعدد العاملين أو الإيرادات، وتعد عماد الاقتصاد.

أسئلة للتقويم الذاتي

  1. أيّ المشاريع الآتية أقرب إلى الريادة؟(أ) فتح بقالة مثل البقالات المجاورة(ب) منصة تجمع طلبات بقالات الحي وتوصلها خلال ساعة(ج) شراء محل قائم بالنشاط نفسه
  2. موظف في مستشفى اقترح نظامًا يقلل انتظار المراجعين ونُفّذ. هذا مثال على:(أ) الريادة المؤسسية(ب) الريادة الأسرية(ج) التجارة التقليدية
  3. «التدمير الخلّاق» مفهوم يرتبط بـ:(أ) دركر(ب) شومبيتر(ج) أوسترفالدر

الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.

للنقاش والتأمل

فكّر في جهة ستعمل فيها بعد تخرجك. ما مبادرة ريادية واحدة يمكن أن تقدمها كموظف؟

مراجع الفصل

  1. Schumpeter, J. A. (1934). The Theory of Economic Development. Harvard University Press.
  2. Drucker, P. F. (1985). Innovation and Entrepreneurship. Harper & Row.
  3. Shane, S., & Venkataraman, S. (2000). The promise of entrepreneurship as a field of research. Academy of Management Review, 25(1), 217–226.
  4. Barringer, B. R., & Ireland, R. D. (2019). Entrepreneurship: Successfully Launching New Ventures (6th ed.). Pearson.
  5. الصمعاني، عمر عبدالله. (2026). المجتمع الداعم للابتكار وريادة الأعمال للأفراد الموهوبين كما يراه روّاد الأعمال المبتكرون السعوديون: دراسة نوعية ظاهراتية. مجلة العلوم التربوية والنفسية، جامعة القصيم، 19(2).