يكثر الحديث عن ريادة الأعمال في الإعلام وبرامج الدعم، حتى صار المصطلح يُطلق على كل نشاط تجاري. لكن للمفهوم معنى علميًا أدق، تشكّل عبر قرن من البحث في الاقتصاد والإدارة. نبدأ في هذا الفصل بتحديد المفهوم ومدارسه، ثم نميّز المشروع الريادي عن غيره، ونعرض أنواع الريادة ودورها في الاقتصاد، وننتهي بملامح المنظومة الريادية في المملكة.
يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:
كلمة «ريادة» في العربية من «الرائد»، وهو الذي يتقدم القوم ليستكشف لهم موضع الماء والكلأ قبل أن يرحلوا إليه. وفي هذا المعنى القديم ما يقرّبنا من المفهوم الحديث: الرائد يذهب إلى المكان الذي لم يذهب إليه غيره، ويتحمل مشقة الاستكشاف وعدم اليقين، ثم يعود بما ينفع الجماعة. والمصطلح الإنجليزي Entrepreneurship مأخوذ من الفعل الفرنسي entreprendre، أي «أخذ على عاتقه» أو «باشر مهمة».
تعددت تعريفات ريادة الأعمال في الأدبيات العلمية بتعدد زوايا النظر إليها؛ فالاقتصادي ينظر إلى أثرها في السوق، وعالم الإدارة ينظر إلى كيفية تنظيم الموارد، وعالم النفس ينظر إلى الشخص الذي يقوم بها. لكن هذه التعريفات تلتقي عند جوهر واحد يمكن صياغته كالتالي:
لنفكك هذا التعريف إلى عناصره، لأن كل كلمة فيه تحمل معنى:
لا يحتاج الطالب أن يحفظ نظريات كثيرة، لكن معرفة ثلاث مدارس رئيسة تساعده على فهم لماذا نتحدث عن الريادة بهذه الطريقة.
يعدّ الاقتصادي النمساوي جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter) من أوائل من وضعوا الريادي في قلب النظرية الاقتصادية، في كتابه «نظرية التنمية الاقتصادية» (١٩٣٤ في ترجمته الإنجليزية). رأى شومبيتر أن الاقتصاد لا يتطور بتراكم رأس المال وحده، بل بأشخاص يُدخلون «تركيبات جديدة» إلى السوق، وحدد خمس صور لها: منتج جديد، أو طريقة إنتاج جديدة، أو فتح سوق جديد، أو مصدر جديد للمواد الخام، أو تنظيم جديد لصناعة ما.
وصاغ شومبيتر مفهومًا شهيرًا هو «التدمير الخلّاق» (Creative Destruction): كل ابتكار ناجح يُزيح ما قبله. فحين انتشرت الهواتف الذكية التي تحمل كاميرا جيدة، تراجعت مبيعات الكاميرات الرقمية الصغيرة، وحين ظهرت خدمات البث، تراجع تأجير الأشرطة والأقراص. هذا التدمير مؤلم للشركات القديمة، لكنه «خلّاق» لأنه ينقل الاقتصاد إلى مستوى أفضل من الخدمة.
أما بيتر دركر (Peter Drucker)، أحد أبرز مفكري الإدارة في القرن العشرين، فقد نقل الريادة من كونها صفة غامضة إلى كونها ممارسة منهجية. يقول في كتابه «الابتكار وريادة الأعمال» (١٩٨٥) إن الريادي هو من «يبحث دائمًا عن التغيير، ويستجيب له، ويستغله فرصةً». وأهم ما أضافه دركر أن الريادة ليست مقصورة على المشاريع الصغيرة الجديدة؛ فالمستشفى والجامعة والجهة الحكومية يمكن أن تكون ريادية إذا أدارت الابتكار بانتظام. وسنعود في الفصل الثالث إلى مصادر الفرص السبعة التي حددها.
في عام ٢٠٠٠ نشر الباحثان سكوت شين (Scott Shane) وسانكاران فينكاتارامان (S. Venkataraman) مقالًا مؤثرًا اقترحا فيه أن موضوع علم الريادة هو الفرصة: كيف تُكتشف، وكيف تُقيّم، وكيف تُستغل، ومن الذي يفعل ذلك. وبهذا تحوّل التركيز من سؤال «من هو الريادي؟» إلى سؤال «كيف يلتقي شخص معيّن بفرصة معينة؟». وهذه النظرة مفيدة للطالب؛ لأنها تعني أن الريادة لا تحتاج شخصية استثنائية، بل تحتاج عينًا تلاحظ الفرصة وقدرة على التحرك نحوها.
يخلط كثيرون بين ريادة الأعمال وامتلاك أي نشاط تجاري. والحقيقة أن الفرق ليس في حجم المشروع ولا في نوعه، بل في أمرين رئيسين: درجة الابتكار، أي هل يقدّم المشروع قيمة جديدة أو طريقة أفضل؟ وطموح النمو، أي هل يسعى للتوسع أم يكتفي بحجمه؟
| وجه المقارنة | النشاط التقليدي | المشروع الريادي |
|---|---|---|
| نقطة البداية | نموذج معروف ومجرّب في السوق | مشكلة أو فرصة لم تُخدم جيدًا |
| الابتكار | منخفض: يكرر ما هو موجود | متوسط إلى عالٍ: يقدّم شيئًا مختلفًا |
| المخاطرة وعدم اليقين | أقل، لأن السوق والطلب معروفان | أعلى، لأن النموذج نفسه يحتاج إثباتًا |
| النمو | خطي وتدريجي | يطمح لنمو سريع وقابل للتوسع |
| مثال | بقالة في الحي تبيع ما تبيعه البقالات الأخرى | منصة تربط بقالات الحي بالسكان وتوصل الطلب خلال ساعة |
ولنوضح بمثال من الواقع: شخص فتح مقهى يقدم القهوة نفسها بالطريقة نفسها في شارع فيه عشرة مقاهٍ؛ هذا نشاط تجاري مشروع ومفيد، لكنه ليس ريادة بالمعنى الدقيق. وشخص آخر لاحظ أن موظفي المستشفى المجاور يعملون بنظام المناوبات الليلية ولا يجدون قهوة جيدة بعد منتصف الليل، فأنشأ خدمة توصيل قهوة مخصصة للمناوبات الليلية بطلب مسبق؛ هذا أقرب إلى الريادة، لأنه بدأ من حاجة غير مخدومة وقدّم حلًا مختلفًا.
حين نسمع كلمة «ريادة» يتبادر إلى الذهن غالبًا تطبيق إلكتروني أو شركة تقنية. لكن الريادة أوسع من ذلك بكثير، ويمكن تصنيفها إلى أنواع بحسب الهدف وطبيعة النمو:
مشروع ينشئه شخص أو عدد قليل من الشركاء ليكون مصدر دخل مستقر، ويخدم مجتمعًا محليًا محدودًا، مثل ورشة صيانة، أو مطبخ منزلي، أو مركز تدريب صغير. لا يسعى صاحبه بالضرورة إلى التوسع الكبير، بل إلى الاستقرار وجودة الخدمة. ويكون رياديًا حين يقدّم شيئًا مختلفًا في سوقه المحلي.
مشروع يبحث عن نموذج عمل يمكن تكراره ونموه بسرعة كبيرة، بحيث يخدم آلاف العملاء أو ملايينهم دون أن تتضاعف تكاليفه بالنسبة نفسها. غالبًا تعتمد على التقنية، وتحتاج إلى استثمار خارجي، وتتحمل مخاطرة عالية مقابل احتمال عائد كبير. ويعرّفها ستيف بلانك بأنها «منظمة مؤقتة تبحث عن نموذج عمل قابل للتكرار والتوسع»؛ أي أنها في مرحلة بحث وتجريب، لا في مرحلة تنفيذ خطة معروفة.
مشروع هدفه الأول حل مشكلة مجتمعية أو بيئية، مثل توظيف ذوي الإعاقة، أو تقليل هدر الطعام، أو تعليم الفئات المحرومة. ويختلف عن العمل الخيري في أنه يسعى إلى الاستدامة المالية: يكسب من نشاطه ما يغطي تكاليفه ويضمن استمراره، بدل الاعتماد الكامل على التبرعات. والربح هنا وسيلة لا غاية.
هي ممارسة الريادة من داخل مؤسسة قائمة، حكومية كانت أو خاصة. الموظف الريادي يلاحظ مشكلة في عمل جهته، فيقترح حلًا جديدًا ويقوده حتى التنفيذ: ممرضة تقترح نظامًا يقلل أخطاء صرف الأدوية، أو معلم يطوّر طريقة لمتابعة الطلاب المتعثرين، أو موظف في جهة حكومية يؤتمت إجراءً ورقيًا. وهذا النوع هو الأقرب لمعظم الطلاب بعد التخرج، لذلك نقول إن هذا المقرر يخص الجميع.
مشاريع تملكها العائلة وتديرها، وتنتقل بين الأجيال. ومنها كثير من الشركات الكبرى في المملكة والخليج التي بدأت محلًا صغيرًا. والتحدي الريادي فيها هو التجديد: كيف يحافظ الجيل الجديد على ما بناه السابقون، ويطوّره ليناسب السوق المتغير؟
مشاريع قائمة كليًا أو في معظمها على الإنترنت: المتاجر الإلكترونية، وصناعة المحتوى، والتطبيقات، والخدمات التي تُقدَّم عن بعد. ميزتها أن تكلفة البدء فيها منخفضة نسبيًا، وأنها تصل إلى عملاء خارج حدود المدينة. لكن المنافسة فيها عالية لأن الدخول إليها سهل على الجميع.
تهتم الحكومات والجامعات والمؤسسات بريادة الأعمال لأنها تؤدي أدوارًا لا تؤديها الشركات الكبيرة وحدها:
جعلت رؤية المملكة 2030 المنشآت الصغيرة والمتوسطة محورًا رئيسًا للتحول الاقتصادي، ومن مستهدفاتها المعلنة رفع مساهمة هذه المنشآت في الناتج المحلي الإجمالي من نحو ٢٠٪ إلى ٣٥٪. ولتحقيق ذلك تكوّنت خلال السنوات الماضية منظومة ريادية (Entrepreneurial Ecosystem)، وهي شبكة من الجهات التي يكمّل بعضها بعضًا في دعم المشروع من فكرته إلى نموه. من أبرز مكوناتها:
| الجهة | دورها في المنظومة |
|---|---|
| الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت) | الجهة المنظمة والداعمة للقطاع: برامج تدريب وإرشاد، وحاضنات ومسرعات، ومراكز لخدمة رواد الأعمال، ومبادرات لتسهيل الإجراءات. |
| بنك التنمية الاجتماعية | تمويل المشاريع الناشئة والعمل الحر، مع برامج تأهيل قبل التمويل. |
| برنامج كفالة | يضمن جزءًا من التمويل الذي تقدمه البنوك للمنشآت الصغيرة، فيقلل مخاطرة البنك ويسهّل حصول المنشأة على القرض. |
| الشركة السعودية للاستثمار الجريء وصندوق الصناديق (جدا) | يستثمران في صناديق الاستثمار الجريء والملكية الخاصة، التي تموّل بدورها الشركات الناشئة. |
| الحاضنات والمسرعات | برامج تحتضن المشاريع في مراحلها الأولى، وتقدم الإرشاد والمكان والشبكة، وأحيانًا تمويلًا أوليًا. |
| مراكز الريادة في الجامعات | نقطة البداية الأقرب للطالب: مسابقات، وورش، وإرشاد، وربط بالمنظومة. |
وتعمل هذه الجهات كسلسلة: فالطالب قد يبدأ بفكرة في مسابقة جامعية، ثم يدخل حاضنة تساعده على بناء نموذجه الأولي، ثم يحصل على تمويل أولي من برنامج حكومي أو مستثمر، ثم ينمو فيجذب استثمارًا أكبر.
الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.
فكّر في جهة ستعمل فيها بعد تخرجك. ما مبادرة ريادية واحدة يمكن أن تقدمها كموظف؟