نختم الكتاب في هذا الفصل بنظرة إلى ما بعد البداية: كيف تنمو المشاريع، ولماذا يتعثر كثير منها، وماذا نتعلم من قصص النجاح والإخفاق. والغاية ليست حفظ القصص، بل استخلاص أنماط تساعدك على اتخاذ قرارات أفضل في مشروعك وعملك.
يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:
تتعثر نسبة كبيرة من المشاريع الجديدة في سنواتها الأولى. وهذه الحقيقة لا ينبغي أن تخيفك، بل أن تجعلك تسأل: ما الأسباب المتكررة؟ وكيف أتجنبها؟ وقد حلّلت تقارير ودراسات عديدة أسباب تعثر المشاريع، منها ما جمعه توم آيزنمان (Tom Eisenmann)، أستاذ ريادة الأعمال في هارفارد، في كتابه «لماذا تفشل الشركات الناشئة»، فتكررت فيها أسباب متشابهة نشرحها هنا:
من أكثر الأسباب تكرارًا في هذه الدراسات. بنى الفريق منتجًا جيدًا تقنيًا، لكن عددًا كافيًا من الناس لا يحتاجه، أو لا يحتاجه بما يكفي ليدفع. وغالبًا يحدث هذا لأن الفريق وقع في حب فكرته ولم يختبرها مع العملاء قبل أن يبني.
أنفق المشروع ماله قبل أن يصل إلى الإيرادات الكافية. وقد يكون السبب سوء تقدير التكاليف، أو التوسع المبكر، أو مشكلة في التدفق النقدي رغم وجود أرباح على الورق.
نقص في المهارات الأساسية (فريق كله تقنيون لا أحد فيه يبيع، أو العكس)، أو خلافات بين الشركاء، أو ضعف في الالتزام.
تجاهل المنافسين أو التقليل منهم، أو دخول منافس أقوى بإمكانات أكبر لم يكن للمشروع ميزة تحميه منه.
هامش المساهمة صغير جدًا، أو نقطة التعادل بعيدة جدًا عن المبيعات الواقعية، فلا يعيش المشروع مهما اجتهد. ومن صوره الشائعة مشروع يُسعد العميل لكنه يُرهق من يقدّمه: يستهلك وقته أو ماله أكثر مما يدفع العميل، فيترك العاملون أو يتعب الريادي ثم يخرج من السوق. وهذا ما شرحناه في «الصفقة الرابحة لكل الأطراف» في الفصل السادس.
منتج لا يحقق وعده، أو تجربة سيئة، مع إصرار على عدم الاستماع للملاحظات وعدم التعديل.
الدخول مبكرًا جدًا قبل أن يكون السوق أو التقنية جاهزين، أو متأخرًا جدًا بعد أن استقر السوق على منافسين أقوياء.
حين يثبت المشروع أن نموذجه يعمل، تبدأ مرحلة جديدة: النمو. ويفرّق المختصون بين مفهومين قد يبدوان متشابهين:
والسؤال الذي يكشف قابلية مشروعك للتوسع: هل يحتاج كل عميل جديد تكلفة جديدة كبيرة؟ فالخدمات القائمة على وقت الإنسان (استشارات، تدريب فردي) يصعب توسيعها، لأن ساعات اليوم محدودة. أما المشاريع القائمة على منتج يمكن تكراره (برمجيات، محتوى رقمي، منصات) فأسهل توسعًا. ولا يعني هذا أن المشاريع غير القابلة للتوسع سيئة؛ بل يعني أن طريقة نموها مختلفة.
حدد إيغور أنسوف (Igor Ansoff) أربع استراتيجيات أساسية للنمو، تُعرف بـ«مصفوفة أنسوف»:
| منتجات حالية | منتجات جديدة | |
|---|---|---|
| أسواق حالية | اختراق السوق: بيع أكثر للعملاء الحاليين وجذب عملاء مشابهين (الأقل مخاطرة) | تطوير المنتج: منتجات جديدة لعملائك الحاليين |
| أسواق جديدة | تطوير السوق: منتجك نفسه في مدينة أو شريحة جديدة | التنويع: منتج جديد لسوق جديد (الأعلى مخاطرة) |
ومن وسائل النمو أيضًا: الامتياز التجاري (Franchise)، وهو أن تمنح غيرك حق تشغيل نموذجك وعلامتك في مكان آخر مقابل رسوم ونسبة، فينمو مشروعك بأموال غيرك وجهده مع حفاظك على المعايير؛ والشراكات مع جهات تصل إلى عملاء لا تصل إليهم أنت.
التوسع قبل أن يثبت النموذج في السوق الأول، أو بأموال لا تتناسب مع الإيرادات، من أخطر ما يواجه المشاريع الناجحة. فالفرع الثاني الذي يُفتح قبل أن يربح الأول قد يُسقط الاثنين معًا. والقاعدة: أتقن ثم وسّع.
نعرض هنا قصصًا موثقة ومعروفة، لا لنحفظها، بل لنستخرج منها أنماطًا تتكرر:
امتلكت كوداك مبكرًا تقنية التصوير الرقمي، فأحد مهندسيها صنع نموذجًا لكاميرا رقمية عام ١٩٧٥. لكن تجارة الأفلام كانت مربحة جدًا، فترددت الشركة في دفع تقنية قد تنافس منتجها الرئيس. ومع انتشار التصوير الرقمي ثم الهواتف الذكية، تراجعت أعمالها حتى أعلنت إفلاسها عام ٢٠١٢. الدرس: لا تجعل نجاحك الحالي يمنعك من رؤية التغيير؛ فإن لم تزعزع منتجك بنفسك، سيزعزعه غيرك.
تصدّرت نوكيا سوق الهواتف المحمولة في العالم سنوات طويلة. ومع ظهور الهواتف الذكية بشاشات اللمس وأنظمة التشغيل والمتاجر الجديدة، تأخرت في التحول، فتراجعت حصتها بسرعة كبيرة، وباعت قسم الهواتف عام ٢٠١٤. الدرس: الحجم والسمعة لا يكفيان؛ القدرة على التكيف السريع هي ما يحمي المشروع.
بدأ تطبيقًا مزدحمًا بالمزايا لتسجيل الحضور في الأماكن، فلاحظ مؤسساه أن الناس لا يستخدمون إلا ميزة الصور، فحذفا كل شيء آخر وركّزا عليها. الدرس: السلوك الحقيقي للعملاء أصدق من خططك، والتبسيط قد يكون أكبر ابتكار.
بدأت أمازون عام ١٩٩٤ متجرًا إلكترونيًا للكتب فقط، لأن الكتب سهلة الشحن، ومتنوعة جدًا بحيث لا يستطيع محل واحد أن يعرضها كلها. وبعد أن أتقنت هذا السوق، توسعت تدريجيًا إلى فئات أخرى. الدرس: التركيز على سوق ضيق في البداية يمنحك فرصة الإتقان قبل التوسع.
انطلقت عام ٢٠١٢ في المملكة لحل مشكلة يعرفها الجميع: فلكي تطلب طعامًا كنت تجمع قوائم المطاعم الورقية وتتصل بالهاتف، فتجد الخط مشغولًا أو يُفهم الطلب خطأ. فجمعت المطاعم في منصة واحدة، والطلب بضغطة زر، وتتبع المندوب. واستحوذت شركة دليفري هيرو العالمية على حصة الأغلبية فيها عام ٢٠١٦، ثم على بقية الحصص عام ٢٠٢٣. الدرس: لم تخترع الطعام ولا المطاعم، بل غيّرت طريقة الطلب، ببناء نموذج يكسب منه العميل والمطعم والمندوب والمنصة، كما رأينا في خريطة الوجوه في الفصل السادس.
تأسست عام ٢٠٢٠ لتقدّم خدمة «اشترِ الآن وادفع لاحقًا» على أقساط دون فوائد، بصيغة تراعي الضوابط الشرعية. فحلّت للعميل مشكلة السيولة عند الشراء، وزادت للتاجر حجم المشتريات. وفي نهاية عام ٢٠٢٣ جمعت جولة تمويل بنحو ٣٤٠ مليون دولار تجاوز بها تقييمها مليار دولار. الدرس: نموذج عالمي معروف قد ينجح محليًا حين يُكيَّف مع ثقافة الناس وقيمهم، وهذا ما سميناه «التوافق» في الفصل الرابع.
قدّمت مساحات عمل مشتركة للشركات والأفراد، ونمت بسرعة كبيرة وجذبت استثمارات ضخمة، فتوسعت في مدن كثيرة حول العالم بعقود إيجار طويلة. لكن تكاليفها كانت أعلى بكثير من إيراداتها، فتعثر طرحها العام عام ٢٠١٩، ثم تقدمت بطلب حماية من الإفلاس عام ٢٠٢٣. الدرس: هذا هو «النمو المتهور» الذي حذرنا منه: التوسع قبل أن يثبت النموذج ربحيته يكبّر الخسارة ولا يعالجها.
وهناك نمط محلي يعرفه كل من درّس هذا المقرر: مشاريع طلابية تبدأ بحماس كبير في مسابقة أو مقرر، ثم تتوقف بعد أسابيع. وأسبابها المتكررة: غياب حاجة قوية، والاعتماد على الحماس دون خطة، وعدم التفرغ، وتفرق الفريق بعد انتهاء المقرر. الدرس: الاستمرار يحتاج أكثر من فكرة جميلة؛ يحتاج دليلًا على الحاجة، والتزامًا، وخطة واقعية.
الإخفاق جزء طبيعي من الريادة، والسؤال ليس هل ستخفق، بل كيف ستتعامل مع الإخفاق حين يحدث:
سواء أسست مشروعًا بعد هذا المقرر أو لم تؤسس، فقد اكتسبت طريقة في التفكير تنفعك في أي عمل: ابدأ من المشكلة لا من الحل، واسمع الناس قبل أن تقرر عنهم، وجرّب صغيرًا قبل أن تلتزم كبيرًا، واحسب بصدق، وتعلّم من كل نتيجة.
وإن أردت أن تمضي بفكرتك، فابدأ بخطوات قريبة: مركز ريادة الأعمال في جامعتك، ومسابقات الأفكار والهاكاثونات، وبرامج منشآت وحاضنات الأعمال، والمرشدين من أصحاب الخبرة في مجالك. والأهم من ذلك كله أن تبدأ بخطوة صغيرة هذا الأسبوع.
الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.
اختر مشروعًا محليًا تعرفه أغلق أبوابه. ما السبب الأرجح من الأسباب السبعة؟ وكيف كان يمكن اكتشافه مبكرًا؟