د. عمر عبدالله الصمعاني/المكتبة المفتوحة/ريادة الأعمال ١٠١ Englishتحميل الكتاب PDF
الفصل السادس

نموذج العمل

قد ينجح منتجان متشابهان أو يفشلان بحسب الطريقة التي يكسب بها كل منهما المال ويصل إلى عملائه. هذا ما يسمى نموذج العمل. نعرض في هذا الفصل لوحة نموذج العمل بمكوناتها التسعة، ونتعمق في عرض القيمة، ثم نستعرض نماذج الإيرادات الشائعة. ونختم بفكرة من أهم أسرار المشاريع الريادية المتميزة: الصفقة الرابحة لكل الأطراف، أي نموذج يرضى فيه العميل ويدفع مبلغًا يكون مجزيًا لصاحب المشروع ولكل من يعمل معه.

أهداف الفصل

يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:

  1. تشرح مكونات نموذج العمل التسعة.
  2. تصوغ عرض القيمة لمشروعك.
  3. تختار نموذج إيرادات مناسبًا.
  4. تختبر فكرتك بسؤال: هل يربح كل الأطراف؟ وتعيد تصميمها إن لم يربحوا.

٦-١ما نموذج العمل؟

يعرّف ألكسندر أوسترفالدر (Alexander Osterwalder) نموذج العمل بأنه المنطق الذي يخلق به المشروع القيمة، ويوصلها إلى عملائه، ويحصل منها على عائد. أي أنه يجيب عن ثلاثة أسئلة مترابطة: ما القيمة التي نقدمها ولمن؟ كيف نوصلها إليهم؟ وكيف نكسب منها ما يغطي تكاليفنا ويحقق الربح؟

ولتوضيح أهمية نموذج العمل، تأمّل كيف يمكن أن تُقدَّم الخدمة نفسها، وهي «التنقل داخل المدينة»، بنماذج عمل مختلفة تمامًا:

الخدمة واحدة، لكن طريقة خلق القيمة وكسب المال مختلفة في كل نموذج. ولذلك يقول الباحثون إن المنافسة اليوم كثيرًا ما تكون بين نماذج عمل، لا بين منتجات فقط.

٦-٢لوحة نموذج العمل (Business Model Canvas)

صمّم أوسترفالدر وإيف بينيور (Yves Pigneur) في كتابهما «ابتكار نموذج العمل» (٢٠١٠) أداة بصرية تلخص المشروع في صفحة واحدة، مقسمة إلى تسع خانات. وانتشرت الأداة في الجامعات والحاضنات حول العالم لأنها تجبر الفريق على التفكير في المشروع كاملًا، وتسمح بتعديله بسرعة.

وتُقرأ اللوحة في ثلاثة أجزاء: الجانب الأيمن يتعلق بالعميل والقيمة (من نخدم وكيف نصله)، والجانب الأيسر يتعلق بالتشغيل (ما الذي نحتاجه لنقدّم القيمة)، والأسفل يتعلق بالمال (من أين يأتي وأين يذهب). وسنشرح كل خانة، ونطبّقها على مثال واحد يمتد عبر الفصل:

المثال: مشروع «برودة»: اشتراك سنوي لصيانة المكيفات للمنازل والمحلات، يشمل زيارات دورية مجدولة قبل الصيف وفي منتصفه، وأولوية في الأعطال الطارئة.
٨الشركاءالرئيسون٧الأنشطةالرئيسة٦المواردالرئيسة٢عرض القيمة٤العلاقة معالعملاء٣القنوات١شرائح العملاء٩هيكل التكاليف٥مصادرالإيراداتالتشغيلالقيمةالعميل
شكل: لوحة نموذج العمل (أوسترفالدر وبينيور). الأرقام ترتيب مقترح للتعبئة: ابدأ بالعميل والقيمة، وانتهِ بالتكاليف.

١. شرائح العملاء (Customer Segments)

السؤال: لمن نخلق القيمة؟ ومن أهم عملائنا؟

تحدد هنا الفئات التي يخدمها المشروع، بالدقة التي شرحناها في الفصل السابق. وقد يخدم المشروع شريحة واحدة، أو عدة شرائح باحتياجات مختلفة. والقاعدة أن كل شريحة باحتياج مختلف تحتاج عرض قيمة مختلفًا.

في المثال: شريحتان: (أ) الأسر في المنازل، التي تتعطل مكيفاتها في ذروة الحر فتنتظر الفني أيامًا، (ب) أصحاب المحلات والمكاتب الصغيرة، الذين يخسرون زبائنهم وراحة موظفيهم إذا تعطل التكييف.

٢. عرض القيمة (Value Proposition)

السؤال: ما المشكلة التي نحلها لكل شريحة؟ وما الفائدة التي نقدمها؟ ولماذا يختارنا العميل بدل البدائل؟

هذه أهم خانة في اللوحة، لأن كل ما عداها يخدمها. وعرض القيمة ليس قائمة مزايا المنتج، بل الفائدة التي يشعر بها العميل. سنتوسع فيه في القسم الرابع.

في المثال: للأسر: «مكيفاتك تُصان قبل الصيف بموعد محدد وسعر سنوي ثابت، فلا تتعطل في عز الحر». وللمحلات: «لا تخسر زبائنك بسبب مكيف متعطل؛ صيانة دورية وزيارة طارئة خلال ساعات».

٣. القنوات (Channels)

السؤال: كيف يعرف العميل بنا؟ وكيف يشتري؟ وكيف نسلّمه الخدمة؟ وكيف نخدمه بعد البيع؟

القنوات هي نقاط الاتصال بين المشروع والعميل في كل مراحل رحلته: الإعلان، والبيع، والتسليم، وخدمة ما بعد البيع. وقد تكون مباشرة (موقعك، محلك، فريقك) أو غير مباشرة (موزع، منصة، شريك).

في المثال: التعريف عبر مجموعات الأحياء ومكاتب العقار ومديري المجمعات السكنية؛ الاشتراك والدفع عبر رابط؛ التسليم عبر زيارات الفنيين المجدولة؛ وخدمة ما بعد البيع عبر رقم مخصص للأعطال.

٤. العلاقة مع العملاء (Customer Relationships)

السؤال: ما نوع العلاقة التي نبنيها مع كل شريحة؟ وكيف نكسب العملاء ونحافظ عليهم ونزيد مشترياتهم؟

قد تكون العلاقة شخصية (تعرف العميل باسمه)، أو آلية (تطبيق دون تواصل بشري)، أو مجتمعية (مجموعة يتفاعل فيها العملاء معًا). ولكل نوع تكلفة وأثر مختلفان.

في المثال: تذكير قبل كل زيارة، وتقرير مصوّر بعد الصيانة يوضح حالة كل مكيف، وأولوية للمشتركين في الأعطال، وخصم عند التجديد.

٥. مصادر الإيرادات (Revenue Streams)

السؤال: مقابل ماذا يدفع العميل؟ وكيف يدفع؟ وكم يساهم كل مصدر في إجمالي الإيرادات؟

هنا تحدد نموذج الإيرادات (بيع، اشتراك، عمولة…)، وطريقة التسعير. وسنعرض نماذج الإيرادات بالتفصيل في القسم الخامس.

في المثال: اشتراك سنوي بحسب عدد المكيفات، يمكن دفعه على أقساط، وقطع الغيار تُحاسب منفصلة، وزيارات فردية لغير المشتركين بسعر أعلى.

٦. الموارد الرئيسة (Key Resources)

السؤال: ما أهم الموارد التي لا يعمل المشروع بدونها؟

تشمل الموارد المادية (معدات، مكان، سيارة)، والبشرية (فني ماهر، مبرمج)، والمعرفية (طريقة عمل، تقنية، علامة تجارية)، والمالية (رأس مال تشغيلي).

في المثال: فنيون مدرّبون وموثوقون، ونظام لجدولة الزيارات، ومركبات مجهزة، ومخزون أساسي من قطع الغيار.

٧. الأنشطة الرئيسة (Key Activities)

السؤال: ما أهم الأعمال التي يجب أن نتقنها لينجح نموذجنا؟

ليست كل الأنشطة، بل التي تصنع الفرق. في شركة برمجيات النشاط الرئيس هو التطوير، وفي متجر هو إدارة المخزون والتسويق، وفي مطعم هو جودة الطبخ وسرعة التقديم.

في المثال: جدولة الزيارات بحسب الأحياء حتى يزور الفني أكثر من عميل في المنطقة نفسها، وجودة الصيانة، والاستجابة السريعة للأعطال، والمتابعة لتجديد الاشتراك.

٨. الشركاء الرئيسون (Key Partners)

السؤال: من الموردون والشركاء الذين نعتمد عليهم؟ وما الموارد أو الأنشطة التي نحصل عليها منهم بدل أن نقوم بها بأنفسنا؟

لا يحتاج المشروع أن يفعل كل شيء بنفسه. والشراكة الذكية تقلل التكاليف والمخاطر، وتوفر موارد لا يملكها المشروع.

في المثال: مورد قطع غيار بأسعار جملة، ومكاتب عقار ومديرو مجمعات يوصون بالخدمة مقابل عمولة، ومعهد تدريب مهني يزوّد المشروع بفنيين.

٩. هيكل التكاليف (Cost Structure)

السؤال: ما أهم التكاليف في نموذجنا؟ وأيّ الموارد والأنشطة أكثرها كلفة؟

تُصنف التكاليف هنا إلى ثابتة ومتغيرة (سنفصلها في الفصل التاسع). وبعض المشاريع تبني نموذجها على خفض التكلفة إلى أقصى حد، وبعضها يقبل تكلفة أعلى مقابل قيمة أعلى.

في المثال: ثابتة: رواتب الفنيين، وتأجير المركبات، واشتراك نظام الجدولة. متغيرة: المواد الاستهلاكية والوقود لكل زيارة. وأكبر تكلفة خفية هي وقت الفني في الطريق، ولذلك كانت الجدولة نشاطًا رئيسًا.

طريقة العمل باللوحة: اطبعها كبيرة، واكتب كل فكرة على ورقة لاصقة صغيرة، لا مباشرة على اللوحة؛ لأن اللوحة ستتغير كثيرًا كلما تعلمت شيئًا جديدًا من العملاء. وابدأ بالخانتين ١ و٢ (العميل والقيمة)، لأنهما الأساس.

٦-٣Lean Canvas: نسخة للمشاريع الناشئة

لاحظ آش موريا (Ash Maurya) أن المشاريع الناشئة في بدايتها لا تملك بعد شركاء أو علاقات واضحة، وأن أكبر خطر عليها أن تبني حلًا لمشكلة غير موجودة. فطوّر في كتابه «Running Lean» نسخة معدّلة سماها Lean Canvas، استبدل فيها أربع خانات:

خانة في اللوحة الأصليةاستُبدلت في Lean Canvas بـالسبب
الشركاء الرئيسونالمشكلة: أهم ثلاث مشكلات يعانيها العميل، والبدائل الحاليةلأن المشروع الناشئ يجب أن يبدأ من المشكلة
الأنشطة الرئيسةالحل: أبسط حل لكل مشكلةلأن الحل يجب أن يرتبط بالمشكلة مباشرة
الموارد الرئيسةالمقاييس الرئيسة: الأرقام التي تخبرك هل المشروع يتقدملأن المشروع الناشئ يحتاج أن يقيس تعلّمه
العلاقة مع العملاءالميزة غير القابلة للتقليد: ما لا يستطيع غيرك نسخه أو شراؤه بسهولةلأن الفكرة الناجحة تُقلَّد بسرعة

ولا تعارض بين الأداتين: Lean Canvas أنسب في مرحلة الفكرة والتجريب، ولوحة نموذج العمل الأصلية أنسب حين يتضح النموذج ويبدأ التشغيل.

٦-٤عرض القيمة بالتفصيل

عرض القيمة هو الوعد الذي تقدمه للعميل: لماذا يختارك أنت؟ ويُبنى بفهم ثلاثة أشياء عن العميل:

ثم تصمم منتجك ليكون مسكّنًا للآلام وصانعًا للمكاسب. وهذا هو جوهر أداة «لوحة عرض القيمة» (Value Proposition Canvas) التي طوّرها أوسترفالدر وزملاؤه مكمّلةً للوحة نموذج العمل.

وتصنع القيمة عادة من مصدر أو أكثر من هذه المصادر:

مصدر القيمةمثال
توفير الوقت أو الجهدلا يحتاج العميل أن يبحث عن فني أو يتابعه
خفض التكلفةالصيانة الدورية أرخص من إصلاح الأعطال الكبيرة
جودة أو أداء أعلىفنيون مدرّبون وتقرير مصوّر بعد كل زيارة
السهولة والراحةزيارات مجدولة تلقائيًا دون أن يتذكرها العميل
التخصيصخطة بحسب عدد المكيفات ونوعها
تقليل المخاطرةضمان على الصيانة وسعر ثابت معروف مسبقًا
قيمة اجتماعية أو عاطفيةراحة البال والطمأنينة على الأسرة في الصيف
صيغة لكتابة عرض القيمة: «نساعد [العميل] الذي يعاني من [المشكلة] على [النتيجة المرغوبة] من خلال [الحل]، وبخلاف [البديل الحالي] فإننا [ما يميزنا].»
في المثال: «نساعد الأسر التي تتعطل مكيفاتها في عز الصيف على قضاء صيف مريح دون انقطاع، من خلال اشتراك صيانة دورية بموعد محدد وسعر ثابت، وبخلاف الاتصال بفني عند العطل، فإننا نمنع العطل قبل حدوثه ونأتيك في الموعد.»

٦-٥نماذج الإيرادات الشائعة

نموذج الإيرادات هو الطريقة التي يدفع بها العميل. واختياره يؤثر في كل شيء: في السعر، وفي العلاقة مع العميل، وفي التدفق النقدي.

١. البيع المباشر

يدفع العميل ثمن المنتج مرة واحدة ويتملكه. أبسط النماذج وأوضحها، لكنه يحتاج إلى جذب العميل من جديد في كل مرة. (المحلات، المنتجات).

٢. الاشتراك

يدفع العميل مبلغًا دوريًا (أسبوعيًا، شهريًا، سنويًا) مقابل استمرار الخدمة. ميزته للمشروع أنه يجعل الإيرادات متوقعة ومنتظمة ويسهّل التخطيط، وميزته للعميل أنه غالبًا أرخص وأسهل. لكنه يتطلب أن تبقى القيمة عالية باستمرار، وإلا ألغى العميل اشتراكه. (منصات البث، النوادي الرياضية، «برودة»).

٣. العمولة

تربط المنصة بين طرفين (بائع ومشترٍ، مقدم خدمة وعميل)، وتأخذ نسبة من كل عملية. لا تحتاج المنصة إلى امتلاك المخزون أو توظيف مقدمي الخدمة، لكنها تحتاج إلى عدد كافٍ من الطرفين لتعمل. (منصات التوصيل، حجز الفنادق).

٤. المجاني المميز (Freemium)

نسخة أساسية مجانية تجذب عددًا كبيرًا من المستخدمين، ونسخة مدفوعة بمزايا إضافية يشتريها جزء منهم. يعتمد نجاحه على أن تكون النسخة المجانية مفيدة بما يكفي لجذب الناس، والمدفوعة مغرية بما يكفي ليدفعوا. (تطبيقات التخزين السحابي، تطبيقات تعلم اللغات).

٥. الإعلانات

الخدمة مجانية للمستخدم، والمعلن يدفع للوصول إليه. يحتاج إلى عدد كبير جدًا من المستخدمين ليكون مربحًا، ولذلك نادرًا ما يناسب المشاريع الصغيرة في بدايتها. (محركات البحث، وسائل التواصل).

٦. التأجير

يدفع العميل مقابل استخدام مؤقت بدل التملك. يناسب الأشياء الغالية التي يحتاجها الناس أحيانًا فقط. (تأجير المعدات، أدوات الرحلات والتخييم).

٧. الترخيص

يبيع المشروع حق استخدام ملكيته الفكرية (علامة، تقنية، محتوى، تصميم) لجهة أخرى مقابل رسوم. (برمجيات المؤسسات، العلامات التجارية).

ويمكن الجمع بين أكثر من نموذج، كما في مثالنا: اشتراك سنوي، مع بيع قطع الغيار، وزيارات فردية لغير المشتركين.

٦-٦الصفقة الرابحة لكل الأطراف

هذا القسم من أهم ما في الكتاب، لأنه يعالج خطأً يتكرر كثيرًا في أفكار المشاريع: فكرة رائعة للعميل، لكنها مرهقة أو خاسرة لمن يقدّمها.

١. المشروع ليس طرفين فقط

حين نفكر في مشروع، نفكر عادة في العميل وحده: هل سيعجبه؟ هل سيستخدمه؟ لكن كل مشروع حقيقي فيه أطراف أخرى: الريادي صاحب المشروع الذي يجب أن يكسب ما يستحق جهده وماله، والعاملون كالفني والمندوب والسائق الذين يجب أن يكسبوا دخلًا مجزيًا مقابل وقتهم، والموردون والشركاء كالمورد والمحل والمنصة الذين يجب أن تكون الشراكة مفيدة لهم. والمشروع المستدام هو الذي يخرج منه كل طرف راضيًا، لا بالاستخدام فقط، بل بأن يدفع العميل مبلغًا يراه مستحقًا، ويكون هذا المبلغ مجزيًا للريادي ولبقية الأطراف.

وإذا كان أحد الأطراف «حزينًا»، فلن يستمر المشروع طويلًا: العامل الذي لا يكسب كفايته يترك العمل، والمورد الذي يخسر ينسحب، والريادي الذي يتعب ولا يربح يُغلق مشروعه في النهاية، مهما كان العملاء سعداء.

٢. خريطة الوجوه

من أبسط الطرق لاختبار أي فكرة أن ترسم وجهًا لكل طرف: وجه سعيد إن كان رابحًا ومرتاحًا، ووجه حزين إن كان خاسرًا أو مرهقًا. ثم انظر إلى الوجوه معًا: هل يبتسم الجميع؟ وتأمل هذين المثالين:

الطرففكرة: حلاق متنقل يأتي إلى بيت العميلفكرة: منصة توصيل طلبات تربط المطاعم بالعملاء (مثل هنقرستيشن)
العميل يحب أن يأتيه الحلاق، لكن السعر المطلوب مرتفع جدًا، فيقول غالبًا: «أذهب للمحل أفضل لي» يصله الطلب الذي اختاره بدقة وفي وقت معروف دون أن يخرج
صاحب الخدمة الحلاق يخدم في المحل عددًا كبيرًا، وحين يخرج للعملاء يقل العدد وترتفع التكاليف وتكثر مشكلات المواعيد صاحب المطعم يستفيد لأن المنصة تسوّق له وتوصله بعملاء لم يكن يصل إليهم، دون أن يوظف مندوبين
المندوب— يبدأ العمل في الوقت الذي يريده، فيملك حريته، ويكسب دخلًا بحسب جهده
صاحب المشروع لا يجد سعرًا يرضي الحلاق والعميل معًا تدير الشركة وتربط الأطراف، وجهدها قليل مقارنة بعدد الطلبات اليومية، فتكسب من كل طلب
النتيجةلم يتحقق الوجه السعيد للجميعمتوازنة ما دامت الصفقة عادلة لكل طرف

لاحظ في المثال الثاني أن صاحب المطعم لم يُلزَم بتوظيف مندوبين بدوام كامل وتحمّل رواتبهم وسياراتهم في أوقات قلة الطلب، والمندوب لم يُلزَم بدوام ثابت، والعميل لم يتعب، والشركة لم تطبخ ولم تملك سيارات. كل طرف أخذ ما يريده وأعطى ما يستطيع.

٣. كعكة القيمة: لماذا يحزن أحد الأطراف؟

يقدّم الباحثان آدم براندنبرغر (Adam Brandenburger) وهاربورن ستيوارت (Harborne Stuart) طريقة بسيطة وعميقة لفهم هذا الأمر، يمكن تلخيصها هكذا:

القيمة التي يخلقها المشروع = أقصى ما يقبل العميل دفعه − أقل ما يقبل مقدم الخدمة أن يأخذه
وأقل ما يقبله مقدم الخدمة هو تكلفته الحقيقية، ويدخل فيها وقته: ما كان سيكسبه لو استخدم هذا الوقت في عمل آخر.

تخيل هذه القيمة كعكة تُقسم بين الأطراف: جزء للعميل (الفرق بين ما كان مستعدًا لدفعه وما دفعه فعلًا، وهو ما يجعله سعيدًا)، وجزء للريادي (ربحه)، وجزء لمقدم الخدمة والموردين (ما يزيد على تكلفتهم). وهنا الحالتان:

كعكة كبيرة: يبتسم الجميعالتكلفة الحقيقية (مع الوقت)نصيب مقدم الخدمةربح الرياديمكسب العميلأقصى ما يقبل العميل دفعهالسعركعكة سالبة: لا يوجد سعر يُسعد الجميعتكلفة الحلاق المتنقل لكل عميلالعجزأقصى ما يقبل العميل دفعه
شكل: كعكة القيمة (براندنبرغر وستيوارت). القيمة هي المسافة بين التكلفة الحقيقية وأقصى ما يقبل العميل دفعه، والسعر يقسمها بين الأطراف. وحين تتجاوز التكلفةُ ما يقبله العميل لا يُصلح الأمرَ أيُّ سعر، بل تغيير النموذج.

٤. مثال للتفكير: الحلاق المتنقل بالأرقام

من الأفكار التي تتكرر كثيرًا عند الطلاب: الحلاق المتنقل، والورشة المتنقلة، وغسيل السيارات المتنقل. وهي أفكار جذابة للعميل فعلًا، لكن لنفكر فيها من جهة الحلاق، بأرقام افتراضية للتوضيح:

والآن السؤال: كم يجب أن يأخذ الحلاق من العميل في البيت حتى يكسب مثل ما يكسبه في المحل؟

يحتاج الحلاق ٤٨٠ ريالًا صافيًا + ١٢٠ ريالًا مصاريف تنقل = ٦٠٠ ريال في اليوم.
إذا خدم ٧ عملاء: ٦٠٠ ÷ ٧ ≈ ٨٦ ريالًا للعميل. وإذا خدم ٦ بسبب الإلغاء والتأخير: ٦٠٠ ÷ ٦ = ١٠٠ ريال.
أي أن السعر المجدي للحلاق أكثر من ضعف سعر المحل.

وهنا تظهر المشكلة: هذا المبلغ مرتفع جدًا بالنسبة لأغلب العملاء، فيقول العميل غالبًا: «أذهب للمحل أفضل لي». وإذا خفّض الحلاق السعر ليقبله العميل، كسب أقل مما يكسبه في محله وهو أكثر تعبًا. أي أن الكعكة صغيرة: ما يقبل العميل دفعه أقل من التكلفة الحقيقية لوقت الحلاق وتنقله، فلم يتحقق الوجه السعيد للجميع.

هل يمكن إصلاح الفكرة؟ هذا هو السؤال الريادي الحقيقي. ولا يكون الإصلاح بتغيير السعر، بل بتغيير النموذج حتى تكبر الكعكة، مثل تجميع الطلبات بحيث يخدم الحلاق في الزيارة الواحدة عدة أشخاص (أسرة، أو مكتب، أو مجمع سكني)، أو استهداف عملاء يقدّرون الخدمة المنزلية أكثر ويدفعون مقابلها (كبار السن وذوي الإعاقة والمرضى في بيوتهم والفنادق). وقد ينجح أحد هذه الحلول وقد لا ينجح، والمهم أن تحسبه قبل أن تبدأ.

ليس المقصود أن الخدمات المتنقلة فكرة سيئة، بل أن نجاحها يعتمد على نموذج العمل لا على الفكرة. والسؤال الذي يجب أن تسأله دائمًا: كم يستغرق تقديم الخدمة لعميل واحد بكل ما يحيط بها من وقت وتكلفة؟ ومن يدفع ثمن هذا الوقت؟

٥. أسرار النماذج التي تُسعد الجميع

إذا تأملت المشاريع الريادية التي تميزت بنموذج عمل يُسعد كل أطرافه، ستجد أنها تعتمد غالبًا على واحد أو أكثر من هذه الأسرار:

  1. استغلال مورد معطّل: سيارة واقفة معظم اليوم، أو غرفة فارغة، أو معدات لا تُستخدم إلا أحيانًا، أو وقت فراغ. تكلفة هذا المورد على صاحبه قليلة جدًا لأنه موجود أصلًا، فيكبر الفرق بين ما يدفعه العميل وما يكلّف تقديمه. وهذا سر كثير من منصات المشاركة.
  2. تجميع الطلب: خدمة عدة عملاء في المكان أو الوقت نفسه، كما في الحلاق الذي يزور مجموعة، أو الجدولة بحسب الأحياء في «برودة»، أو الطلبات الجماعية.
  3. الطلب المتوقع: الاشتراكات والمواعيد المجدولة تسمح بتخطيط الوقت والموارد بدقة، فلا يضيع وقت في الانتظار، ولا تحدث ضغوط في يوم وفراغ في آخر.
  4. الوسيط الذي يوفّر على الجميع: منصة تربط طرفين يصعب أن يجد أحدهما الآخر، فتختصر عليهما وقت البحث وتكلفته، وتأخذ جزءًا صغيرًا مما وفّرته.
  5. خدمة من يقدّر القيمة أكثر: بعض العملاء مستعدون لدفع أكثر لأن المشكلة تكلّفهم أكثر. فصاحب المحل الذي يخسر زبائنه حين يتعطل التكييف يقدّر الصيانة السريعة أكثر من الفرد، ولذلك تتجه مشاريع كثيرة إلى خدمة المنشآت.

٦. التوازن هش ويحتاج متابعة

حتى النماذج الناجحة قد تختل إذا ضغط طرف على آخر. فمنصات التوصيل مثلًا تحتاج توازنًا مستمرًا: إذا رفعت عمولتها كثيرًا على المطاعم رفعت المطاعم أسعارها فقلّ الطلب، وإذا خفّضت أجرة المندوبين كثيرًا قلّ عددهم وتأخر التوصيل فغضب العملاء. ولذلك يسأل الريادي الناجح دائمًا، لا مرة واحدة عند التأسيس: هل كل طرف ما زال يرى أن الصفقة تستحق؟

وتواجه المنصات أيضًا ما يسمى مشكلة الدجاجة والبيضة: العملاء لن يأتوا إلا إذا وجدوا مقدمي خدمة كثيرين، ومقدمو الخدمة لن ينضموا إلا إذا وجدوا عملاء كثيرين. والحل الشائع أن تبدأ في نطاق صغير جدًا (حي واحد، أو فئة واحدة)، وتقدّم لأحد الطرفين قيمة حتى قبل اكتمال الطرف الآخر.

٧. أسئلة تختبر بها فكرتك

وجرّب ذلك في أداة «ميزان الأطراف» في صندوق الأدوات.

خلاصة الفصل

مصطلحات الفصل

نموذج العمل
منطق خلق القيمة وإيصالها والكسب منها.
عرض القيمة
سبب اختيار العميل لك بدل البدائل.
Freemium
نسخة مجانية أساسية ونسخة مدفوعة مميزة.
نموذج العمولة
أخذ نسبة من كل عملية بين طرفين عبر منصتك.
الصفقة الرابحة للجميع
نموذج يخرج منه العميل والريادي والعاملون والشركاء راضين، والعميل يدفع مبلغًا مجزيًا للجميع.
كعكة القيمة
الفرق بين أقصى ما يقبل العميل دفعه والتكلفة الحقيقية لتقديم الخدمة، ومنها الوقت.
المورد المعطّل
مورد موجود لا يُستخدم معظم الوقت (سيارة، غرفة، معدات، وقت فراغ) فتكون تكلفة استغلاله قليلة.

أسئلة للتقويم الذاتي

  1. تطبيق تعليمي مجاني بدروس أساسية، ويدفع المستخدم لفتح الاختبارات المتقدمة. نموذج إيراداته:(أ) الإعلانات(ب) المجاني المميز(ج) الترخيص
  2. «لماذا يختارنا العميل بدل البدائل؟» يجيب عنها مكوّن:(أ) هيكل التكاليف(ب) عرض القيمة(ج) الموارد الرئيسة
  3. منصة تربط المصورين بالعملاء وتأخذ ١٠٪ من كل حجز. نموذجها:(أ) العمولة(ب) الاشتراك(ج) البيع المباشر
  4. حلاق يخدم في محله ١٢ عميلًا يوميًا، وحين يذهب للبيوت يخدم ٧ فقط ويدفع مصاريف تنقل. لماذا لا تنجح الفكرة غالبًا؟(أ) لأن العملاء لا يحبون الخدمة المنزلية(ب) لأن السعر المجدي للحلاق أعلى بكثير مما يقبل أغلب العملاء دفعه(ج) لأن الحلاقة في البيت أصعب
  5. أيّ هذه الأسرار يفسر لماذا يرضى السائق في منصات النقل التشاركي؟(أ) تجميع الطلب(ب) استغلال مورد معطّل: سيارته ووقت فراغه(ج) الإعلانات

الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.

للنقاش والتأمل

ارسم خريطة الوجوه لفكرة مشروعك: من كل الأطراف؟ هل يبتسم الجميع؟ وإن كان أحدهم حزينًا، ماذا تغيّر في النموذج حتى يبتسم؟

للمشاهدة

مراجع الفصل

  1. Osterwalder, A., & Pigneur, Y. (2010). Business Model Generation. Wiley.
  2. Osterwalder, A., Pigneur, Y., Bernarda, G., & Smith, A. (2014). Value Proposition Design. Wiley.
  3. Maurya, A. (2012). Running Lean (2nd ed.). O'Reilly.
  4. Brandenburger, A. M., & Stuart, H. W. (1996). Value-based business strategy. Journal of Economics & Management Strategy, 5(1), 5–24.
  5. Parker, G. G., Van Alstyne, M. W., & Choudary, S. P. (2016). Platform Revolution. W. W. Norton.