منتج ممتاز لا يعرفه أحد لن ينجح، ومنتج عادي بتسويق ذكي قد يحقق انتشارًا واسعًا. لكن التسويق في المشاريع الناشئة يختلف عنه في الشركات الكبرى: الميزانية صغيرة، والعلامة غير معروفة، وكل عميل مهم. نتناول في هذا الفصل أسس التسويق من اختيار العميل والتموضع، إلى المزيج التسويقي، ورحلة العميل، والتسويق الرقمي، وقياس النتائج.
يُتوقع بعد دراسة هذا الفصل أن:
يختصر كثيرون التسويق في الإعلان أو النشر في وسائل التواصل، لكن الإعلان جزء صغير منه. يعرّف فيليب كوتلر (Philip Kotler)، أحد أشهر مؤلفي علم التسويق، التسويق بأنه عملية خلق قيمة للعملاء وبناء علاقات قوية معهم، من أجل الحصول على قيمة منهم في المقابل. أي أن التسويق يبدأ قبل الإعلان بكثير: من فهم العميل، واختيار من نخدمه، وتصميم عرض يناسبه، ثم إيصاله إليه، ثم المحافظة عليه.
وتختلف ظروف التسويق في المشروع الناشئ عنها في الشركات الكبرى: الميزانية صغيرة، والعلامة غير معروفة، والعملاء لا يثقون بشيء لم يجربوه. ولذلك يحتاج المشروع الناشئ إلى تسويق مركّز وذكي أكثر من حاجته إلى تسويق واسع ومكلف.
قبل أن تقرر ماذا تقول وأين تعلن، يجب أن تقرر لمن تتحدث، وكيف تريد أن يراك. وهذا ما يسمى نموذج STP، وهو ثلاث خطوات متتالية:
تقسيم السوق إلى مجموعات متشابهة في احتياجاتها وخصائصها، بالأسس التي شرحناها في الفصل الخامس: الديموغرافية والجغرافية والسلوكية والنفسية.
اختيار الشريحة (أو الشرائح) التي ستركز عليها. ويُختار الهدف بثلاثة أسئلة: هل الشريحة كبيرة بما يكفي ومربحة؟ هل نستطيع الوصول إليها وخدمتها؟ هل نتفوق فيها على المنافسين؟ ومحاولة استهداف الجميع تجعل رسالتك عامة لا تلفت أحدًا.
التموضع هو المكانة التي تريد أن يحتلها مشروعك في ذهن العميل مقارنة بالبدائل. وقد شرح آل ريس وجاك تراوت في كتابهما الشهير «التموضع» أن العميل يتعرض لآلاف الرسائل، فيصنّف المنتجات في ذهنه بكلمة أو فكرة بسيطة: هذا «الأرخص»، وذاك «الأسرع»، وثالث «الأفخم». والمشروع الذي لا يحدد مكانته يضعه العميل حيث يشاء، أو ينساه.
ويُحدد التموضع عادة بميزة واحدة رئيسة، لا بقائمة طويلة من المزايا. وتساعدك هذه الصيغة على كتابة عبارة التموضع:
عبارة التموضع ليست شعارًا إعلانيًا تنشره، بل بوصلة داخلية للفريق: كل قرار في التسعير والتصميم والإعلان يجب أن يتفق معها.
بعد أن تحدد العميل والتموضع، تترجمهما إلى قرارات عملية في أربعة عناصر، صاغها جيروم مكارثي (E. Jerome McCarthy) في الستينيات، ونشرها كوتلر:
ماذا نقدم بالضبط؟ ويشمل المنتج نفسه، وجودته، وتصميمه، وتغليفه، واسمه، والخدمات المرافقة له. والسؤال الأهم هنا: ما الفائدة لا المواصفات؟ العميل لا يشتري «حقيبة مقاومة للماء بسعة ٢٠ لترًا»، بل يشتري «حقيبة تحمي جهازك وكتبك في المطر». ولذلك يُقال إن الناس لا يشترون المثقاب، بل يشترون الثقب في الجدار.
كم يدفع العميل؟ وكيف؟ والسعر ليس رقمًا ماليًا فقط، بل رسالة تسويقية: السعر المرتفع يوحي بالجودة والتميز، والسعر المنخفض يوحي بالاقتصاد وقد يوحي بضعف الجودة. ويجب أن يتسق السعر مع التموضع. وسنتحدث عن طرق التسعير بالتفصيل في الفصل التاسع.
أين وكيف يحصل العميل على المنتج؟ في محل، أو عبر الإنترنت، أو بالتوصيل، أو عبر موزع. والقاعدة أن تكون حيث يوجد عميلك، وأن تجعل الحصول على منتجك سهلًا قدر الإمكان. وأي خطوة إضافية يحتاجها العميل ليشتري تقلل عدد من يكملون الشراء.
كيف يعرف العميل بمنتجك ويقتنع به؟ ويشمل الإعلان، والمحتوى، والعلاقات العامة، والعروض، والبيع الشخصي، والتسويق الرقمي. وسنتوسع فيه في القسم الخامس.
لأن الخدمة لا تُلمس قبل شرائها، أضاف الباحثون ثلاثة عناصر لتسويق الخدمات، فصار المزيج سبعة عناصر (7Ps):
لا يشتري العميل في لحظة واحدة، بل يمر بمراحل من أول مرة يسمع فيها عنك إلى أن يصبح عميلًا دائمًا يوصي بك. وفهم هذه المراحل يساعدك على معرفة أين تخسر العملاء:
| المرحلة | ما يحدث فيها | سؤال للمشروع |
|---|---|---|
| الوعي | يعرف العميل بوجودك لأول مرة | هل يرانا عملاؤنا المستهدفون أصلًا؟ |
| الاهتمام | يريد أن يعرف أكثر | هل رسالتنا واضحة وتتحدث عن مشكلته؟ |
| التقييم | يقارنك بالبدائل | لماذا يختارنا؟ هل لدينا دليل وثقة (تقييمات، تجربة)؟ |
| الشراء | يقرر ويدفع | هل الشراء سهل؟ كم خطوة يحتاج؟ |
| التجربة | يستخدم المنتج أو الخدمة | هل تحقق التجربة الوعد؟ |
| التكرار | يعود ليشتري مرة أخرى | ما الذي يجعله يعود؟ |
| التوصية | يتحدث عنك لغيره | هل التجربة تستحق أن يتحدث عنها؟ |
ولاحظ أن الاحتفاظ بالعميل أرخص بكثير من جذب عميل جديد، ولذلك لا ينتهي التسويق عند البيع، بل يبدأ منه.
أتاحت المنصات الرقمية للمشاريع الصغيرة أن تصل إلى عملائها بتكلفة قليلة، لكنها أيضًا جعلت المنافسة على الانتباه شديدة. وهذه مبادئ عملية:
لا تحاول أن تكون في كل المنصات بجودة ضعيفة. اختر المنصة التي يقضي فيها عميلك المستهدف وقته، وأتقنها. ويشرح غابرييل واينبرغ في كتابه «Traction» أن أغلب المشاريع الناجحة نمت في بدايتها عبر قناة واحدة رئيسة اكتشفتها بالتجريب.
المحتوى المفيد يبني الثقة قبل البيع: اعرض المشكلة وكيف تحلها، وكواليس العمل، وقصص العملاء الحقيقيين، ونصائح مفيدة في مجالك. الناس يتابعون من يفيدهم، ثم يشترون ممن يثقون به.
أصبح الفيديو القصير من أكثر أشكال المحتوى انتشارًا على المنصات. ولا يحتاج إلى معدات احترافية؛ الوضوح والصدق والفكرة الجيدة أهم من جودة التصوير.
في المجتمعات المترابطة كمجتمعنا، يتأثر قرار الشراء كثيرًا برأي الأقارب والأصدقاء. والعميل الراضي الذي يتحدث عنك أقوى من أي إعلان. ويمكن تشجيع ذلك بتجربة تستحق الحديث عنها، أو ببرنامج إحالة يكافئ من يجلب عميلًا جديدًا.
الحسابات التي لها متابعون أقل لكنهم مهتمون بمجالك أو في مدينتك، تكون غالبًا أنفع وأرخص وأكثر مصداقية من المشاهير. وتأكد أن يكون التعاون معهم معلنًا بوضوح، التزامًا بالأنظمة واحترامًا للجمهور.
الرد السريع والمهذب، وحل المشكلة حين تحدث، يصنعان الولاء. والشكوى التي تُحل جيدًا قد تحوّل عميلًا غاضبًا إلى أكثر عملائك وفاءً.
من مزايا التسويق الرقمي أنه قابل للقياس. وأهم المقاييس للمشروع الناشئ:
والقاعدة الأساسية: يجب أن تكون قيمة العميل أكبر بوضوح من تكلفة اكتسابه، وإلا فكل عميل جديد يُخسرك المال. ففي المثال السابق، إن كانت قيمة العميل ٦٠٠ ريال وتكلفة اكتسابه ٥٠ ريالًا، فالنموذج صحي. أما إن كان العميل يشتري مرة واحدة بـ٤٠ ريالًا وتكلفة اكتسابه ٥٠، فالمشروع يخسر مع كل عميل.
التسويق الناجح على المدى الطويل يقوم على الثقة. ولذلك تجنّب المبالغة في الوعود التي لا تستطيع تحقيقها، والمراجعات والتقييمات المزيفة، والإعلان غير المصرّح به على أنه رأي شخصي، وإخفاء الرسوم أو الشروط. والتزم بالأنظمة المنظمة للإعلان والتجارة الإلكترونية وحماية المستهلك، واحترم بيانات عملائك وخصوصيتهم. فالسمعة التي تُبنى في سنة قد تُهدم في يوم، خاصة في مجتمع تنتقل فيه الأخبار بسرعة.
الإجابات في صفحة إجابات أسئلة التقويم الذاتي. وفي صفحة المقرر التفاعلية يمكن حل هذه الأسئلة وتصحيحها مباشرة، مع أدوات تطبيقية مرتبطة بالفصل.
اكتب عبارة تموضع لمشروعك، ثم اقرأها على شخص من خارج الفريق: هل فهم لماذا أنتم مختلفون؟